غير مصنف

رحيل “مام جلال”… الواقع العراقي يفتقد إلى من يحسن فهمه

بهدوء، يناقض أجواء الصخب التي أنتجها استفتاء كردستان، رحل جلال الطالباني، في أحد مستشفيات ألمانيا، بعد صراع مع المرض، وذلك عن عمر يناهز الأربعة والثمانين عاماً ، أمضى معظمها في العمل السياسي، كواحد من القيادات الكردية، العابرة للحدود.

إذا كانت الخبرة السياسية تقاس بالسنوات، يكفي القول إن جلال الطالباني أمضى ستين عاماً من حياته في غمار الحياة السياسية، التي انخرط فيها منذ سن الرابعة عشرة. وأما إذا كانت تلك الخبرة السياسية تقاس في التمرّس في التكتيكات والاستراتيجيات، فإن سيرته الذاتية تحوي من الفصول ما يكفي لجعله رجل المراحل الصعبة، في أشد الحقبات خطورة في التاريخ المعاصر للشرق الأوسط عموماً، والمكوّن الكردي على وجه الخصوص.

وبرحيل “مام جليل” – أو “العم جلال” وهي التسمية التي أطلقت عليه حتى في مراحل شبابه – يفتقد الأكراد شخصية استثنائية، لا شك أنهم، كما الشرق الأوسط بأكمله، في أمس الحاجة إليها، بوصفها صوت العقل في مرحلة الجنون، الذي باتت فيه المغامرات السياسية أشبه برقصات الموت على تخوم الجحيم.

ولد جلال الطالباني يوم 12 تشرين الثاني 1933 في قرية كلكان في محافظة السليمانية شمال العراق، وهو إبن الشيخ حسام الدين الطالباني، شيخ الطريقة القادرية في كركوك وشمال العراق.

دخل كلية الحقوق في بغداد في العام 1953، لكنه اضطر لترك الجامعة هرباً من الاعتقال، في السنة الجامعية الرابعة، وذلك بسبب نشاطه في إتحاد الطلبة الكردستاني.

وبعد سقوط الحكم الملكي الهاشمي في تموز العام 1958، عاد الطالباني إلى كلية الحقوق، وتابع عمله كصحفي ومحرر لمجلتي “خابات” و”كردستان”. وبعد تخرجه في العام 1959، استدعي لتأدية الخدمة العسكرية في الجيش العراقي حيث خدم في وحدتي المدفعية والمدرعات، وكان قائداً لوحدة المدرعات.

ومنذ العام العام 1947، أصبح عضواً في الحزب الديمقراطي الكردي، وتميز بنشاط كبير، مكنه من تولي مسؤوليات جبهات القتال وكركوك والسليمانية حين اندلع التمرد الكردي ضد حكومة عبد الكريم قاسم في العام 1961.

ولكن العام 1964، شكل محطة بالغة الأهمية في المسيرة السياسية للطالباني، فقد كان عضواً في مجموعة المكتب السياسي التي انشقت عن قيادة الملا مصطفى البرزاني في الحزب الديمقرطي الكردي.

وفي العام 1975، أسس الطالباني “الاتحاد الوطني الكردستاني” في سوريا، وأطلق حركته المسلحة في العام التالي، قبل أن يدخل في مفاوضات مع الحكومة العراقية في العام 1984 لإقرار قانون الحكم الذاتي، في خطوة كان من شأنها حقن الكثير من الدماء، والتوصل إلى حل توافقي للقضية الكردية في العراق، لولا الضغوط التركية، التي حالت دون تطبيق الاتفاق، بعد تهديد صريح من جانب أنقرة بقطع أنبوب النفط العراقي الذي يمر بأراضيها ويصدر عبر ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط إذا وافق العراق على مطالب الأكراد.

كان ينبغي على أكراد العراق أن يتحملوا الكثير من المجازر والتنكيل، في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، لا سيما حملة الانفال العسكرية (1988)، إلى أن استفادوا من تأسيس إقليم كردي شبه مستقل بعد حرب الخليج الأولى في العام 1991، وقد تقاسم السيطرة فيه، كل من جلال الطالباني، وغريمه السياسي مسعود البرزاني، الى أن كان الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، وما تلاها من ترتيبات سياسية، عززت الحكم الذاتي لإقليم كردستان، ومنحت امتيازات جديدة للمكوّن الكردي، على النحو الذي أمّن تقاسماً للنفوذ والأدوار بين الرجلين، بحيث استقر الأمر على انتخاب البرزاني رئيساً للإقليم، فيما صار الطالباني سابع رئيس للجمهورية العراقية – وأول رئيس كردي للعراق – بعد انتخابه لولايتين رئاسيتين في العامين 2005 و2010.

وينظر إلى منصب الرئيس العراقي، الذي شغله الطالباني حتى اختيار خلفه فؤاد معصوم، على نطاق واسع، باعتباره منصبا شرفيا إلى حد كبير، لكن شاغله يتمتع بصلاحيات بموجب الدستور.

واستخدم الطالباني منصبه مرارا للوساطة في النزاعات بين الأطراف التي تتقاسم الحكم في العراق، وكان يعمل في الفترة الأخيرة من رئاسته على حل الأزمة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان.عانى الرئيس طالباني منذ سنوات من مشاكل صحية، حيث أدخل إلى مدينة الحسين الطبية في الأردن عام 2007، بعد وعكة صحية أصابته، وأجريت له عملية جراحية للقلب. وفي نهاية العام 2012، غادر العراق للعلاج في ألمانيا من جلطة أصيب بها، ودخل على إثرها في غيبوبة، ومكث هناك نحو عام ونصف العام حتى عاد للعراق في تموز 2014، قبل أن توافيه المنية ظهر اليوم الثالث من تشرين الأول.

“لا اعتبر نفسي عراقيا، ولكنني اتعامل مع الواقع العراقي”، بهذا وصف الطالباني نفسه، في مقابلة صحافية، قبل انتخابه رئيساً للعراق بخمسة عشرة عاماً. قد يكون الطالباني قد أصاب أو أخطأ، في مواقفه او خياراته، خلال مسيرته السياسية الطويلة، وقد يتجاوز خصومه واعداؤه عدد اصدقائه وحلفائه، ولكن الكل يجمع على أن ما يشهده العراق اليوم من تحديات خطيرة يجعل رحيل “مام جلال” مؤشراً رمزياً على افتقاد المشهد الحالي إلى شخصية مثل جلال الطالباني، احسنت التعامل مع “الواقع العراقي”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق