سياسة واقتصاد

رسالة الـ”توماهوك”: “ضربة محدودة”… أم تغيير في “قواعد اللعبة”؟

بدا المشهد مكرّراً، ولكن هذه المرة بإخراج جديد.

قبل ثلاث سنوات، جهّزت الولايات المتحدة قطعها البحرية، لشن ضربة عسكرية على سوريا، على خلفية مزاعم باستخدام النظام السوري أسلحة كيميائية في قصف الغوطة الشرقية، الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة في ريف دمشق.

حينها، واجه الرئيس باراك اوباما ضغوطاً كبيرة، في الداخل والخارج، أبرزها الفتور البريطاني إزاء الضربة العسكرية، بالنظر إلى مخاطرها المباشرة وغير المباشرة المحتملة، والقيود التي فرضها الكونغرس على العملية العسكرية المخطط لها، وهو ما جعله يقبل، في نهاية المطاف، بتسوية أدارتها روسيا، وترضي كافة الأطراف، وتعيد التصعيد إلى نقطة ما، خلف “الخط الأحمر”، وعلى أساسها شرعت منظمة الحظر الكيميائي في عملية طويلة ومعقّدة لتسلّم الترسانة الكيميائية من سوريا، ونقلها إلى الخارج، بمعرفتها.

في خان شيخون، إحدى مناطق ريف إدلب الواقعة تحت سيطرة المسلحين الإسلاميين، تكرّرت المأساة الكيميائية ذاتها، ولكن توقيتها وملابساتها، ما زالت غامضة، بين نفي سوري، وتحفظ روسي في تأكيد الاتهامات الغربية بقيام الطائرات السورية باستخدام الغاز في قصف المدنيين، وتريّث أممي تبدّى في تفضيل منظمة الحظر الكيميائي انتظار التحقيق في ما جرى، في مقابل تأكيد أميركي “يقترب من اليقين”، على حد قول وزير الخارجية ريكس تيلرسون.

تفاصيل الضربة: 59 صاروخاً… وإشعار مسبق للروس

في هذه الأجواء الملبّدة، جاءت الضربة الصاروخية الأميركية فجر اليوم على مطار الشعيرات، في ريف حمص، لتبدو بمثابة تحوّل في مقاربة دونالد ترامب للأزمة السورية، ومرحلة أكثر تقدّماً في انخراط الولايات المتحدة في الصراع الدائر في سوريا، بعد نشر مئات الجنود الاميركيين في الشمال، استعداداً لمعركة الرقة.

على هذا الأساس، قامت القوات الأميركية فجراً بتنفيذ ضربة عسكرية مفاجئة، استخدمت فيها 59 صاوخاً موجهاً، من طراز “توماهوك”، لضرب قاعدة الشعيرات الجوية، مشيرة إلى أن ذلك يمثل رداً على “الهجوم الوحشي” في خان شيخون.

المتحدث الرسمي باسم البنتاغون جيف دافيس، قدّم إيجازاً عن ضربة “التوماهوك”، من خلال بيان، قال فيه إنه “بناء على توجيهات من قبل الرئيس، قامت القوات الأميركية بتنفيذ ضربة بصواريخ كروز ضد القوات الجوية السورية عند الساعة 8:40 ب.ظ بتوقيت (4:40 ق.ظ بتوقيت سوريا)”.

وأوضح المتحدث العسكري أن “الغارة استهدفت قاعدة جوية في الشعيرات، وجاءت رداً على الهجوم الكيميائي الذي شنته الحكومة السورية على المدنيين في خان شيخون في الرابع من نيسان، والذي تسبب بمقتل وجرح مئات السوريين الأبرياء بما في ذلك النساء والأطفال”.

وأوضح المتحدث العسكري أن “الضربة تم تنفيذها بصواريخ توماهوك للهجوم الأرضي، وقد تم إطلاقها من المدمّرتين (يو أس أس بورتر) و”يو أس أس روس) في شرق المتوسط”، لافتاً إلى أن مجموع الصواريخ التي أطلقت هو تسعة وخمسون، وقد استهدفت طائرات، ومخابئ طيارات محصنة، ومخازن للوقود والمعدات اللوجستية والذخائر، ومنظومات دفاع جوي، ورادارات.

وأشار  دافيس إلى أن قاعدة الشعيرات استخدتمت لتخزين الأسلحة الكيميائية، وأن المعلومات الاستخباراتية الأميركية تفيد بأن طائرات اقلعت منها لتنفيذ الهجوم الكيميائي في خان شيخون.

وأكد المتحدث باسم البنتاغون أن عملية القصف الصاروخي التي نفذتها القوات الأميركية تمت بحرص شديد على تجنب المخاطر التي يمكن أن تلحق بالمتواجدين في القاعدة الجوية، مشيراً، في هذا السياق، بأن “القوات الروسية تلقت إشعاراً مسبقاً بالضربة”.

موقع فورين بوليسي نقل عن مصدر رسمي اميركي ان القاعدة الجوية ضربت من أكثر من مكان، وان المسؤولين العسكريين الأميركيين أبلغوا الجانب الروسي مسبقاً، بما يتيح للجنود الروس في  الشعيرات الابتعاد عن القاعدة الجوية، حيث لا توجد أية أدلة على ان الروس ابلغوا حلفاءهم السورين بالهجوم، غير أن قناة “آيه بي سي” الأميركية ذكرت، نقلاً عن شهود عيان، إن الجيش السوري قام قبل الهجوم بالصواريخ المجنحة بإجلاء الأفراد والمعدات من القاعدة الجوية.

ترامب: مصلحة حيوية للأمن القومي الاميركي

من جهته، وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رسالة إلى الأميركيين، قال فيها: “يوم الثلاثاء، شن الدكتاتور السوري بشار الأسد هجوماً مروّعاً على مدنيين أبرياء. مستخدماً غاز الأعصاب المميت، وقد أزهق الأسد، بذلك، حياة رجال ونساء وأطفال لا حول ولا قوة لهم. كان ذلك قتلاً بطيئاً ووحشياً للكثيرين. حتى الأطفال الجميلين كانوا عرضة لقتل وحشي في هذا الهجوم البربري. أطفال الله لا ينبغي أن يعانوا ذلك الرعب”.

وأضاف “هذه الليلة، أمرت بشن ضربة عسكرية على قاعدة جوية في سوريا انطلق منها الهجوم الكيميائي. ويمثل ذلك، مصلحة حيوية للأمن القومي للولايات المتحدة، لمنع وردع انتشار واستخدام الأسلحة الكيميائية المميتة”.

وتابع ترامب “لا جدال في أن سوريا استخدمت أسلحة كيميائية، وخرقت بذلك التزاماتها بموجب معاهدة الانتشار الكيميائي، متجاهلة مطالبات مجلس الأمن الدولي”.

وشدد ترامب على ان “كل محاولات تغيير سلوك الأسد فشلت على نحو دراماتيكي، ونتيجة لذلك، فإن أزمة اللاجئين تتعمق، وحالة عدم الاستقرار في المنطقة تستمر، بما يهدد الولايات المتحدة وحلفاءها”، داعياً “الأمم المتحضرة” إلى الانضمام لما وصفه المساعي الأميركية “الآيلة إلى وقف حمام الدم في سوريا، والقضاء على الإرهاب بكافة أشكاله”.

وختم ترامب رسالته بالقول: “نسأل الله أن يمنحنا الحكمة في الوقت الذي نواجه فيه تحدياً كبير لعالمنا المضطرب. نصلي لأرواح الجرحى والقتلى، ونأمل في أن تبقى اميركا واقفة إلى جانب العدالة، بما يحقق السلام في نهاية المطاف. تصبحون على خير، حفظ الله اميركا والعالم كلها، شكراً لكم”.

سوريا

على الجانب السوري، أكد مصدر عسكري “تعرض إحدى قواعدنا الجوية فجر اليوم لضربة صاروخية من قبل الولايات المتحدة”، ما أدى إلى “وقوع خسائر”، وفقاً لما أوردته وكالة “سانا” الرسمية، فيما قال محافظ حمص طلال برازي إن الضربة الأميركية هي بمثابة “دعم للإرهابيين على الأرض”، بسحب ما نقلت عنه وكالة “أسوشيتد برس”.

ماذا بعد؟

تمثل الضربة الصاروخية، اليوم، أول تدخل عسكري مباشر من قبل الولايات المتحدة ضد نظام الرئيس بشار الأسد.

وبالرغم من أن تلك الضربة تعكس تحوّلاً في المقاربة الأميركية للصراع الدائر في سوريا، إلا أنها لا تشي بكامل جوانب السياسة الأميركية الجديدة، لا سيما أن إدارة أوباما أطلقت، وما زالت، مؤشرات متضاربة إزاء الموقف من بشار الأسد، حيث جاءت تطوّرات الفجر، بعد أيام على تفجير قنبلة سياسية، تمثلت في تأكيد المسؤولين الأميركيين على أن رحيل الرئيس السوري لا يشكل أولوية في الحل السياسي.

وبالرغم من إعلان ترامب لاحقاً أن الهجوم الكيميائي في خان شيخون قد جعله “يغيّر رأيه” في الأسد، وهو الموقف الذي ترجمه اليوم، من خلال إطلاق الـ”توماهوك” على قاعدة الشعيرات، إلا أن ثمة مناخاً في الولايات المتحدة يرى أن خيار إسقاط الأسد بعمل عسكري ليس مطروحاً على الطاولة، ذلك أن هذا السيناريو سيخلق فراغاً سياسياً وعسكرياً، لن تملأه حالياً سوى الجماعات الإرهابية، مثل “داعش” و”جبهة النصرة”.

من جهة ثانية، فإن تنفيذ حملة عسكرية للإطاحة بالأسد دونه عقبات داخلية وخارجية. ففي السابق، حاول الرئيس الأميركي باراك أوباما القيام بعمل عسكري للإطاحة بنظام العقيد الليبي معمر القذافي، لكنه اصطدم بمعارضة شرسة داخل الكونغرس، إلى أن اضطر إلى الالتفاف على المشرّعين الأميركيين، من خلال البناء على قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، أعطى الضوء الأخضر لتدخل أميركي، تحت راية حلف شمال الأطلسي.

ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن التدخلات الأميركية الأخيرة في شمال سوريا، وقبلها في العراق واليمن، إنما تستند إلى تفويض منحه الكونغرس لإدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن، وهو يستهدف حصراً “التنظيمات الإرهابية”، مثل “القاعدة” و”داعش” وأخواتهما، ولا يمكن أن ينسحب بطبيعة الحال على استهداف دول أو أنظمة.

ومن غير المعروف حتى الآن ما هو الإطار التشريعي الذي استند إليه ترامب لإصدار الأوامر بضرب قاعدة الشعيرات، ولكن أصواتاً في الكونغرس راحت تتعالى، منذ اللحظة الأولى لضربة “التوماهوك”، إذ قال عدد كبير من المشرّعين إنه كان ينبغي على ترامب مراجعة الكونغرس في ما فعل، بصرف النظر عن تأييدهم للضربة الصاروخية من عدمه.

وفي الواقع، فإن ترامب، وخلافاً لأوباما، قادر حالياً على حشد دعم الكونغرس لأية عملية محتملة في سوريا، حتى داخل معسكر الديموقراطيين، ولكن عملاً كهذا سيجعله عرضة لانتقادات حادة، لا سيما أن سبباً أساسياً لتصويت الأميركيين له، انطلق من تعهدات أطلقها خلال حملته الانتخابية، بعدم توريط الولايات المتحدة في حروب لا تخدم مصالحها، وتبنّيه مقاربة غير تدخلية في ما يتعلق بالسياسات الخارجية.

ولعلّ هذا ما جعل ترامب مصرّاً على القول، في رسالته إلى الأميركيين، إن الضربة الصاروخية ضد سوريا تخدم مصالح الامن القومي الأميركي، في ما بدا رداً استباقياً على سيل من الانتقادات، بدأت تطفو على السطح، مع قيام اكثر من وسيلة إعلامية الكترونية بنشر  18 تغريدة، سبق أن نشرها الرئيس الأميركي عبر حسابه على موقع “تويتر”، وتتضمن مواقف مناقضة تماماً لما أمر به فجر اليوم.

كذلك، فإن هذا ما يفسّر وصف المسؤولين الأميركيين للضربة الصاروخية بـ”المحدودة”، وتأكيد ريكس تيلرسون أن “الحديث لا يدور عن محاولة استغلال ما يجري لتغيير سياستنا أو أنشطتنا العسكرية في سوريا”، وتشديده على أن “لا تغيير في الوضع القائم حالياً”، لا بل اعترافه بأن إسقاط الأسد لن يكون ممكناً من دون توافق دولي.

ومن جهة ثالثة، فإن الرئيس الأميركي يدرك جيداً أن الولايات المتحدة لم تعد اللاعب الوحيد في الشرق الأوسط، مع دخول اللاعب الروسي على الخط، بشكل مباشر، إلى جانب الصين وإيران، وهو ما يحتّم عليه اعتماد ديبلوماسية ذكية في مقاربة الملف السوري.

ولعلّ ترامب قد بدأ فعلاً هذه الديبلوماسية، إذ أبلغ بنفسه الرئيس الصيني تشي جينبيغ مسبقاً بشأن الضربة الصاروخية، فيما تولى البنتاغون إشعار الجانب الروسي بالأمر، ليس تحسباً لوقوع خسائر في صفوف الجنود الروس فحسب، بل كإشارة سياسية إلى أن التنسيق مستمر.

ولكن الأمر قد لا يكون بهذه البساطة، فالمناورة مع الدب الروسي كشفت، خلال الفترة الماضية عن مخاطر كبرى، ولعلّ أولى المؤشرات الآتية من الكرملين لا تبدو مطمئنة لتلك الديبلوماسية الذكية التي يحاول ترامب اعتمادها، فالرئيس الروسي، وكما صرّخ المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف،  وصف الهجمات بأنها “عدوان ضد دولة ذات سيادة”، و”انتهاك للقانون الدولي، وبحجج واهية”.

وسبق ذلك تحذير وجهه المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فلاديمير سافرونكوف قبل ساعات على هجوم “التوماهوك”، من مغبة توجيه ضربة عسكرية في سوريا، باعتبار أن خطوة كهذه قد تؤدي الى “نتائج سلبية”.

على هذا الأساس، يسعى المسؤولون الأميركيون إلى تصوير ما حدث، وإن بشكل غير مباشر، على انه ضربة محدودة وموضعية، بما يقلل من احتمالات انخراط الولايات المتحدة في حرب جديدة، قد تعيد إلى الأذهان ما حدث لجنود الغزو في العراق، لا سيما أن الموقف العسكري اليوم، بالنسبة إلى الأميركيين، أكثر تعقيداً، في ظل وجود ما يقرب من ألف جندي أميركي في الشمال السوري، وهؤلاء قد يتحولون إلى هدف للجيش السوري أو جهات أخرى فاعلة على الأرض.

انطلاقاً من كل ما سبق فإن “الضربة المحدودة” لمنشأة محددة، وبصواريخ موجّهة، كما حدث فجر اليوم، يمثل بالنسبة إلى ترامب الخيار الأقل خطورة، قياساً إلى خيارات اخرى جرت مناقشتها في السابق، ولا تزال، وهي تضمن، بأقل الخسائر الممكنة، تحقيق جملة أهداف بضربة واحدة: الأول، شد العصب الداخلي من خلال إظهار الاستعداد للرد السريع على الخصوم والأعداء؛ والثاني، توجيه رسائل معينة، لجهات متعددة، بأن الولايات المتحدة قادرة على تغيير قواعد اللعبة في سوريا؛ والثالث، امتلاك مزيد من أوراق الضغط في الصراع العالمي، وعقدته سوريا، من دون الإضطرار مستنقع شبيه بالمستنقع العراقي، الذي دخله جورج بوش الابن قبل 14 عاماً.

وبالرغم من كل ذلك، فإن التاريخ يحوي الكثير من التجارب الكارثية، حينما يتعلق الأمر بمنطقة مثل الشرق الأوسط، إذ أظهر دوماً أن الخطط العسكرية أو السياسية دراسة، قد لا يكون حساب حقلها مطابقاً لحساب بيدرها.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق