ثقافات

رسالة نجيب محفوظ لـ”نوبل”: انقذوا الفلسطنيين من الرصاص والعذاب

يُعد خطاب نجيب محفوظ لجائزة نوبل العالمية بمثابة وثيقة مهمة تكشف لنا الكثير عن هذا الكاتب المتحفظ؛ فالخطاب الذي ألقاه محمد سلماوي في العام 1988، أثناء الاحتفالية بالفائزين بهذه الجائزة، يحمل في طياته ما لم تحمله أعمال نجيب الروائية.

ولعل القارئ المتأمل في أعمال الكاتب الكبير لن يستطيع بسهولة أن يستشف ملامح شخصية نجيب أو اتجاهه الديني أو السياسي، غير أنه بالتأكيد يمكنه أن يعرف الكثير عن تلك الشخصية من خلال هذا الخطاب، الذي بدأه نجيب بشكر لجنة نوبل ثم بالتعريف عن نفسه: “أنا ابن حضارتين تزوّجا في عصر من عصور التاريخ زواجاً موفقاً، أولاهما عمرها سبعة آلاف سنة وهي الحضارة الفرعونية، وثانيتهما عمرها ألف وأربعمائة سنة وهي الحضارة الأسلامية”.

ولفهم تلك الافتتاحية بصور أوضح، لا بد من أن نعود إلى بدايات نجيب الإبداعية. البداية مع دراسته للفلسفة في كلية الآداب جامعة القاهرة، حيث تعرف هناك إلى سلامة موسى، وهو عراب نجيب، وأول من اكتشفه أدبياً، وكان أستاذاً له.

تأثّر نجيب بأفكار أستاذه التنويرية، خصوصاً رؤيته إلى الغرب، وشغفه بالحضارة الفرعونية، فقد كان سلامة يرى أن التقدم لن يأتي من دون الإستعانة بالماضي والتعلم منه.

كان نجيب وقت دراسته بالجامعة يكتب سراً. وحين عرف موسى بذلك، طلب منه أن يطلع عما يكتبه، فعرف فيه أديباً موهباً، وهو من أتاح له النشر للمرة الأولى، وذلك في “المجلة الجديدة” عام 1930، حيث كتب نجيب أولى مقالاته بعنوان “احتضار معتقدات وتولد معتقدات”. بعدها بثلاث سنوات كتب محفوظ أول قصة بعنوان “ثمن الضعف”، وقد نُشرت في المجلة ذاتها، التي كان سلامة موسى يترأس تحريرها.

وتحت تأثير سلامة موسى، شرع نجيب في مشروع روائي ضخم، حيث تمنى أن يرصد تاريخ مصر منذ عهدها الفرعوني، وصولاً إلى التاريخ المعاصر عبر روايته، وبالفعل انتج ثلاث روايات: “عبث الأقدار”، “رادوبيس”، و”كفاح طيبة”.

ويبدو تأثر نجيب بتلك الحضارة جالياً في خطاب “نوبل”، حيث قال في موقع آخر “دعوني أقدمها – الحضارة الفرعونية- بما يشبه القصة طالما أن الظروف الخاصة بي قضت بأن أكون قصاصاً، فتفضلوا بسماع هذه الواقعة التاريخية المسجلة… تقول أوراق البردي إن أحد الفراعنة قد نما إليه أن علاقة آثمة نشأت بين بعض نساء الحريم وبعض رجال الحاشية، وكان من المتوقع أن يجهز على الجميع فلا يشذ في تصرفه عن مناخ زمانه. ولكنه دعا إلى حضرته نخبة من رجال القانون وطالبهم بالتحقيق في ما نما علمه، وقال لهم: إنه يريد الحقيقة ليحكم بالعدل. ذلك السلوك في رأيي أعظم من بناء إمبراطورية وتشييد الأهرامات، وأدل على تفوق الحضارة”.

وبالرغم من أنه عدل عن مشروعه التاريخي الضخم، واختار الكتابة عن الحارة المصرية، إلا أن التاريخ الفرعوني تحديداً ظل شاغله الدائم، فكتب بعد ذلك بأعوام رواية “الباحث عن الحقيقة” التي اتخذت من “أخناتون” محوراً أساسياً لها.

أما عن رؤيته للحضارة الإسلامية، فيوضح نجيب في خطابه قائلاً: “…لن أحدثكم عن دعوتها إلى أقامة وحدة بشرية في رحاب الخالق تنهض على الحرية والمساواة والتسامح، ولا عن عظمة رسولها، فمن مفكريكم من كرّسه كأعظم رجل في التاريخ؛ ولا عن فتوحاتها التي غرست آلاف المآذن الداعية إلى العبادة والتقوى والخير على امتداد أرض مترامية ما بين مشارف الهند والصين وحدود فرنسا؛ ولا عن المآخاة التي تحققت في حضنها بين الآديان والعناصر في تسامح لم تعرفه الإنسانية من قبل ولا بعد” .

وهنا لا بد أن نشير إلى شخصية أخرى كان لها أثر عظيم في عقلية كاتبنا، وهو الشيخ مصطفى عبد الرازق، أستاذ الفلسفة الإسلامية حينها، فمنه تعلم محفوظ حب التسامح وتعلق بالصوفية، وقد انعكس هذا الحب في العديد من أعمال محفوظ الروائية. ربما تكون شخصية الشيخ سمة أساسية في معظم أعمال نجيب، ومنها دائماً تخرج النصائح القيمة، ولعل أبرز مثال على ذلك شخصية عبد الله البلخي برواية “ليالي ألف ليلة”، وهي الشخصية الوحيدة الثابتة في عالم روائي مُتغير، وكذلك رواية “اللص والكلاب” الإنسان التائه بين رغبته المحمومة في الانتقام وأتباع خطوات الشيطان وبين طريق الهداية والخير المتمثل في الشيخ الجنيدي. إنها رواية إسلامية بإمتياز، وربما تكون رواية “أولاد حارتنا” التي أحدثت جلبة قبل صدورها، وحركت الأزهر لإدانتها هي في حقيقتها – من وجهة نظري- رواية إسلامية، اتكأت على حكايات الرسل –أولي العزم- كنقطة إنطلاقة، ثم إننا لو حذفنا الجزء الخاص بـ”عرفة” سيكون أمامنا عمل روائي يتماهى مع الحكايات الأصلية المقتبسة من الكتب السماوية، بحبكاتها وشخوصها ونهاياتها.

ثم لنا ملاحظة أخرى في المقطع السابق من الخطاب، لو أعدنا قراءته بتمهل، فهو إعلان واضح وصريح بأنّ كاتب هذا المقطع لا يمكن أن نشير له بالكفر أو بالإلحاد، إنما هو شخص شديد الإيمان بدينه، والاعتزاز برسوله، والفخور بما وصلت إليه حضارته… فكيف نكفّر مثل هذا الشخص؟!

وينتهي نجيب من سرده للماضي ليعود بنا إلى الواقع الذي يعيشه، فيتابع في خطابه: “أنا قادم من عالم ينوء تحت أثقال الديون حتى ليهدده سدادها بالمجاعة أو ما يقارب”. وعلى ما يبدو، فإنّ الخطر الذي يخشاه نجيب هو نفسه ما نرتعب منه اليوم: الديون/ المجاعة.

وينتقل نجيب من المشكلة المحلية إلى المشكلة الأفريقية فيضيف “هناك، في جنوب أفريقيا ملايين المواطنين قضي عليهم بالنبذ والحرمان من أية حقوق للإنسان في عصر حقوق الإنسان كأنهم غير معدوديين من البشر”. وبعدما لفت العالم إلى الكارثة التي وقعت حينها في جنوب أفريقيا، لم ينسَ القضية الفلسطنية والتي كان لها نصيب الأسد من هذا الخطاب، حيث كانت صرخته للعالم: “في الضفة وغزة أقوام ضائعون رغم أنهم يعيشون فوق أرضهم وأرض آبنائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم، هبوا يطالبون بأوّل مطلب حققه الإنسان، وهو أن يكون لهم موضع مناسب يعترف به، فكان جزاء هبّتهم الباسلة النبيلة – رجالاً ونساءاً وشباناً وأطفلاً – تكسير العظام والقتل بالرصاص، وهدم المنازل، والتعذيب في السجون والمعتقلات. ومن حولهم مائة وخمسون مليون من العرب يتابعون ما يحدث بغضب وأسى، ما يهدد المنطقة بكارثة إن لم تتداركها حكمة الراغبين في السلام الشامل العادل”.

ولم يكتفِ محفوظ بتلك الإشارة فحسب، بل تحدث بلسان العالم الثالث مخاطباً زعماء العالم وقادته قائلاً لهم: “لا تكونوا متفرجين على مآسينا. ولكن عليكم أن تلعبوا فيها دوراً نبيلاً يناسب أقداركم. إنكم، من موقع تفوقكم، مسؤولون عن أي انحراف يصيب أي نبات أو حيوان فضلاً عن الإنسان في أي ركن من أركان المعمورة. وقد ضقنا بالكلام. وآن أوان العمل. آن الأوان لإلغاء عصر قطاع الطرق والمرابين. نحن في عصر القادة المسؤولين عن الكرة الأرضية. انقذوا المستعبدين في جنوب أفريقيا. انقذو الجائعين في أفريقيا. انقذوا الفلسطنيين من الرصاص والعذاب، بل انقذوا الأسرائليين من تلويث تراثهم الروحي العظيم”.

وها قد مرت 69 سنة على نكبة فلسطين، ولا يزال الأسر والقتل حليف كل فلسطيني حر ينادي باستقلال بلاده، ولا تزال السجون الإسرائيلية تعج بالأسرى، ولا يزال عذاب أهل فلسطين مستمراً بين التشريد في الأرض والترويع في الوطن. ولكن، هل يدفعنا ذلك إلى التشائم؟ هل انتصر الشر في النهاية؟ يجيب محفوظ على هذه الأسئلة في نهاية خطابه “إنني ملتزم بالتفاؤل حتى النهاية. لا أقول مع الفيلسوف (كانت) إن الخير سينتصر في العالم الآخر. فإنه يحرز نصراً كل يوم. لعل الشر أضعف مما نتصور بكثير، وأمامنا الدليل الذي لا يجحد، فلولا النصر الغالب للخير ما استطاعت شراذم من البشر الهائمة على وجهها عرضة للوحوش والحشرات والكوارث الطبيعية والأوبئة والخوف والأنانية. أقول لولا النصر الغالب للخير ما استطاعت البشرية أن تنمو وتكوّن الأمم وتكتشف وتبدع وتخترع وتغزو الفضاء وتعلن حقوق الإنسان… غاية ما في الأمر أن الشر عربيد ذو صخب وصوت مرتفع”

نحن أيضاً – رغم ما نواجه اليوم – سنلتزم بالتفاؤل وباليقين بأن الخير سينتصر بلا محالة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق