مجلة الكترونية عربية مستقلة

روبرتو بولانيو : اليساري العبثي… ناقل العالم الممسوخ

قبل أن يرحل عن خمسين عاماً، أنجز الروائي التشيلي، المنفي قسراً ثم طوعاً إلى المكسيك، روبيرتو بولانيو ، روايته الكبيرة “2666”، التي نشرت في العام 2004، أي بعد وفاته، وهي في الواقع خمس روايات في واحدة، يبلغ عدد صفحاتها نحو الألفين، وتحاكي العالم الممسوخ الذي تتناوله، وبعض أحواله، وأوّلها انكماش هذا العالم، واقتراب مواضعه بعضها من بعض، وإحساس البشر بأنهم في صحراء يخيّم عليها العبث، ويسودها من أدناها إلى أقصاها.

تلم حوادث الرواية وشخوصها بتاريخ القرن العشرين المضطرب، بين القارة الأميركية وأوروبا الهرمة، وتتعقب لب معاصرتنا لحركة التعولم وثناياها المظلمة.

روبرتو بولانيو أفالوس، كاتب وشاعر تشيلي ولد في مدينة سانتياغو، في 28 أبريل/نيسان العام 1953 ، وتوفي في مدينة برشلونة الإسبانية في 15 تموز/يوليو العام 2003.

حصلت روايته “المخبرون المتوحشون” على جائزتي “هيرالدي” في العام 1998 و”رومولو غايغوس” في العام 1999.

تحول بوّلانيو بعد وفاته إلى أحد أكثر الكتاب المؤثرين في الأدب الإسباني، وهذا ما تؤكده العديد من المنشورات المخصصة لأعماله، وانضمام ثلاثة من رواياته وهي “2666”، “نجم بعيد” و”المخبرون المتوحشون”، إلى قائمة أفضل مئة كتاب في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، والتي قام بوضعها 81 كاتباً وناقداً أميركياً لاتينياً وإسبانياً في العام 2007.

تُرجمت أعمال بولانيو إلى العديد من اللغات، منها الإنكليزية، الفرنسية، الألمانية، الإيطالية والهولندية.

وقبل وفاته تعهدت 37 دولة بنشر أعماله. وبعد وفاته انتشرت أعماله في دول عدّة منها الولايات المتحدة.

حظي بولانيو بأراء إيجابية ممتازة سواء من جانب كتّاب أو نقّاد أدبيين معاصرين، فدائماً ما تتم مقارنته بكتّاب على قدر خورخي لويس بورخيس وخوليو كورتاثر.

عمل والده ليون بولانيو سائق نقل، بينما كانت أمه فيكتوريا أبالوس مُعلمة. هكذا نشأ في عائلة غير مهتمة بالأدب، بينما اعتادت أمه قراءة الكتب الأكثر مبيعاً أحياناً.

قضى روبرتو طفولته في مدينتي فالبارايسو وبينيا دل مار، وأتمّ دراساته الأولى في كيلبويه وكواكنس. كذلك أمضى فترة من طفولته في مدينة لوس انخلس ومقاطعة بيوبيو.

في كيلبويه، بدأ أول عمل له، كبائع تذاكر في الحافلة التي كانت تعمل بين كيلبويه وفالبارايسو.

وعندما كان تلميذاً عانى بولانيو من عسر في القراءة والكتابة، لكن ذلك لم يعني وفقاً لما قاله الكاتب وجود أي عائق في التعلم عنده.

شبابه في المكسيك

في العام 1968، بينما كان في الخامسة عشر من عمره، انتقل مع عائلته إلى المكسيك، وهناك أكمل دراسته الثانوية التي تركها نهائياً في السابعة عشرة من عمره. وفي شبابه اعتاد الذهاب الى المكتبة العامة في مكسيكو، تلك المدينة التي انشغل فيها بأعمال متعددة، مثل الصحافة وبيع مصابيح عذراء غوادالوبي، بينما كان يكتب الشعر وبعض الأعمال المسرحية. ففي العاصمة المكسيكية، بدأ يتشكل العمل الأدبي لبولانيو.

وتعد مدينتا مكسيكو وخواريز موطن ظهور كتاباته الأكثر شهرة “المخبرون المتحشون” و”2666″ على التوالي.

عودته القصيرة إلى تشيلي في العام 1973، كانت بهدف مساندة عملية الإصلاح الاشتراكية لسالفادور أليندي. استطاع بولانيو أن يصل إلى تشيلي بعد سفر طويل براً وبحراً، مر خلاله بمعظم أنحاء أميركا اللاتينية. كان ذلك قبل حدوث الانقلاب العسكري في 11 ايلول/سبتمبر بعدة أيام.

بعد أيام قليلة تم القبض عليه بالقرب من مدينة كونسبثيون، ليتم إخلاء سبيله بعد ثمانية أيام، وذلك بمساعدة أحد زملائه في الدراسة في كواكنس، والذي كان ضمن أفراد الشرطة المكلفين مراقبته.

ويُقال أن هذه التجربة هي التي دفعته الى كتابة قصته القصيرة “المخبرون” التي نشرت في كتابه “مكالمات تلفونية”.

عاد بولانيو إلى تشيلي في العام 1973، حيث ألقي القبض عليه بعد الانقلاب العسكري على سالفادور اليندي.

السلفاور والعودة إلى المكسيك

عاد بولانيو مرة أخرى براً من المكسيك إلى تشيلي، وأثناء رحلته هذه قضى فترة في سان سلفادور، عاصمة السلفادور.

يشير بولانيو إلى أنه خلال فترة إقامته في السلفادور، تعرف على روكي دالتون وانضم إلى “جبهة فرابندو مارتي للتحرير الوطني”، التي يعد بعض اعضائها مسؤولين عن مقتل دالتون، ولكن بعض المهتمين بدراسة سيرة بولانيو ينفون ذلك، موضحين انه ربما يكون مجرد خبر خرافي.

عاد بولانيو إلى المكسيك بعد ذلك، وفيها أنشأ حركة شعرية عرفت باسم “ما دون الواقعية” مع الشاعر ماريو سانتتياغو بابسكيارو (الذي تجسد في دور أوليسيس ليما في رواية “المخبرون المتوحشون”). جاءت هذة الحركة الشعرية، بعد عدة اجتماعات وجلسات بوهيمية في مقهى “هابانا” في شارع بوكارلي، لتعارض بشدة القوى المسيطرة على الشعر المكسيكي والمؤسسة لأدب المكسيك آنذاك، والذي كان أوكتافيو باث من أهم ممثليه.

 كانت هذه الحركة تهدف إلى معارضة كل ما هو مفروض، وأن تفرض نفسها كإحدى حركات الطليعة، مقاطعة بذلك الحركات الأدبية لمختلف الكتّاب، ومن بينهم أوكتافيو باث.

وبالرغم من انضمام حوالي خمسة عشر شاعر إلى “ما دون الواقعية” إلا أن روبرتو بولانيو وماريو سانتياغو بابسكيارو كانا أكثر ممثلي هذه الحركة قوة، ذلك لأنهم تميزوا بكتابة شعر أقرب إلى الحياة اليومية ويحتوى على عناصر من الدادانية.

في المكسيك، ساهم بولانيو في تأسيس حركة “ما دون الواقعية” لمعارضة القوى المسيطرة على الشعر المكسيكي

في إحدى المناسبات، أعربت الشاعرة والكاتبة كارمن بويوسا لبولانيو عن قلقها من مقاطعة “الدونيون” لكتاباتها الشعرية.

يأتي اصل هذة التسمية للحركة من اللغة الفرنسية وينسبه المفكر إيمانويل بيرل إلى الكاتب والسياسي فيليب سوب أحد مؤسسي السريالية (حركة ما فوق الواقع)، والذي كان أيضا أحد الداعين إلى حركة الدادية.

ظل سانتياغو يكتب هذا النوع من الشعر حتى وفاته إلا أن بولانيو تركه تدريجيا ليهتم أكثر بكتابة النثر، لكنه دائما ما كان يعتبر نفسه شاعرا.

في أواخر السبعينات من القرن المنصرم، ومع انتقال بولانيو إلى القارة العجوز، كتب لوالده “إختبرتُ أموراً عصيبة وأخرى جميلة، مشيتُ وتحمّلتُ البرد ونمتُ في الهواء الطلق وأكلتُ نهماً الأطباق الآتية من بلدان مختلفة، أقمتُ في باريس (كمّ أن الفرنسيات جميلات) واستقللت قطارات تذهب في جميع الوجهات (…) غسلتُ الصحون ليلاً، وكتبتُ القصائد وعدتُ الى السفر وأغرمتُ ،ثم كففتُ عن الحبّ وعدتُ متعبا ومنهك الجسد”.

يقول الكاتب خوان فيورو عن علاقة بولانيو بهذه الحركة:

“من المؤكد أن حركة ما دون الواقعية قد أكدت موهبته ككاتب مثلما سمح له البعد عنها ان يبدأ عمله كروائي. كانت المكسيك بالنسبة اليه تمثل نقطة مركزية، ذلك لأنها اثبتت وجوده ككاتب (…) فقد استأثرته المكسيك ليلاً، شوارعها، احاديثها اليومية، مصيرها المتخبط وأحيانا المأسوي إلى جانب روح الدعابة. وليست مصادفة أن تتركز أحداث روايتيه الأكثر أهمية، “المخبرون المتوحشون” و”2666″، في المكسيك”.

في إسبانيا

هاجر إلى إسبانيا في العام 1977، بالتحديد إلى كتالونيا، وهناك كانت تعيش امه آنذاك. شغل هناك وفي دول أخرى، مثل فرنسا، عدة وظائف من غاسل الصحون، خادم في الفنادق، نادل، جامع للقمامة، غفير  في معسكرات، مفرّغ للسفن، قاطف للعنب أثناء الصيف، إلى بائع في إحدى دكاكين الحي. كرّس اوقات فراغه للكتابة، وكان يقوم بسرقة الكتب أثناء معاناته من الضيقات المالية.

في الثمانينيات تحسّنت أحوال معيشته قليلاً، وذلك بفوزه في مسابقات ادبية محلية، اشترك فيها بفضل نصائح الكاتب الارجنتيني المنفي إلى إسبانيا انطونيو دى بينيديتو، الذي اهداه  بولانيو قصته القصيرة “سينسيني”.

في برشلونة، كان يعيش في شارع تايريس في حي الرافال، في  مقاطعة سيوتات فيا. وفي العام 1980، ترك العاصمة الكتالونية وذهب ليعيش في خيرونا، وتحديداً في شارع كابوتشينوس، في الكاسكو القديم، وهناك بدأ مراسلة أحد الشعراء التشيليين المفضلين لديه، انريكي لن.

في العام 1981، تعرف في المدينة ذاتها إلى كارولينا لوبيث، التي كانت تبلغ من العمر 20 عاماً، بينما كان بولانيو في الثامنة والعشرين من عمره. كانت كاتالونية الاصل، تعمل في الخدمات الاجتماعية، وأصبحت له زوجة المستقبل التي انجبت له ولديه: لاوتارو والكساندرا. وانتقلا للعيش سوياً منذ شتاء العام 1984.

في ذلك العام أيضاً، نشر أول رواية له، “نصائح تلميذ ماريسول لأحد مهووسي جويس”، التي كتبها بالتعاون مع انطوني جارثيا بورتا، الحاصل على جائزة “المجال الادبي”. كما حصل على جائزة “فليكس اوراباين” عن روايته “طريق الأفيال”، التي كان قد تم ترشيحها إلى جائزة أخرى، لكن باسم مختلف، والتي اعادت “اناغراما” نشرها في العام 1999 بعنوان “السيد باين”.

تزوج بولانيو ولوبيث في عام 1985، وانتقلا إلى بلانس، وهي بلدة صغيرة تقع في كوستا برافا في كتالونيا، بالقرب من برشلونة، حتى يتمكن روبرتو من العمل في محل المجوهرات المقلّدة الذي امتلكته امه فيكتوريا. كذلك حصلت كارولينا على وظيفة في البلدية في العام ذاته، ولهذا السبب، استقرا هناك نهائياً.

عندما ولد ابنه الأول في العام 1990، قرر بولانيو، الذي كان حتى ذلك الوقت مقتصراً على كتابة الشعر، ان يتوجه إلى كتابة الرواية، وذلك ليجعل وظيفته أكثر ربحاً حتى يستطيع أن يتحمل اعباء اسرته التي بدأت تكبر.

تحوّل بولانيو إلى كتابة الرواية منذ العام 1990، ليجعل عمله أكثر ربحاً بعدما كبرت عائلته.

في العام 1992، علِم بمرضه الذي كان قد اصابه منذ أكثر من عِقد. في العام التالي قام بنشر “تعويذة”، وعاد لاول مرة إلى تشيلي بعد أكثر من 25 عاماً من غيابه عنها. كتب بعد عودته كتاباً مستوحى من هذه الرحلة وهو “امسيات تشيلي” الذي ظهر في عام 2000، وبعد مرور عام نشر “عاهرات قاتلات”، ثاني كتاب قصصي له.

في العام 2001، نشر الكاتب الإسباني خابيير ثيركاس روايته “جنود من سلامينا”، التي يظهر بولانيو كأحد شخصياتها. اما في العام 2003 فكرّمه المكسيكي خورخي فولبي في كتابه “نهاية الجنون”.

في منتصف العام 2003، وقبل وفاته بأسابيع قليلة، اعلن الكاتب الارجنتيني رودريغو فريسان، أثناء اجتماع لكتّاب أميركا الاتينية، روبرتو بولانيو قائداً له بلا منازع، ولكتّاب معاصرين آخرين مثل خورخي فولبي أو جامبوا.

توفى بولانيو يوم الثلاثاء في 15 تموز/يوليو العام 2003 في مستشفى “فالي دي ابرون” الجامعي في مدينة برشلونة، بعدما قضى عشرة ايام في غيبوبة، بسبب فشل كبدي منتظراً، متبرعاً لإجراء عملية زرع كبد. كان ابنه لاوتارو يبلغ من العمر آنذاك 13 عاماً، فيما كانت ابنته الكسندرا لا تزال في عامها الثاني. فترك كل حقوق اعماله المكتوبة لزوجته وولديه.

آخر مقابلة له حملت عنوان كتابه “نجم بعيد” واجرتها الصحفية مونيكا ماريستاين من مجلة “بلاي بوي” المكسيكية. ترك بولانيو عدة اعمال غير منتهية وآخرين شبه منتهين، مثل كتابه القصصي الثالث “الغاوتشو المزعج” وروايته المتميزة “2666”، التي تركها من دون نشر، وقسمها إلى خمسة أجزاء منفصلة ليؤمن مصدر رزق لزوجته وأولاده، بالرغم من ذلك وافقوا هم على نشرها كوحدة واحدة كما كانت في الاصل. في هذه الرواية الأخيرة ابدى بولانيو قدرة خيالية عالية، فهذه المرة تداول الاحداث حول شخصية بينو فون ارتشيمبولدي الذي يمثل شخصية الكاتب المختفي في وسط مدينة خواريز المكسيكية، وهناك تدور احداث مرعبة نتيجة لتعدد انتحار النساء بسبب الاضطهاد.

عرف بولانيو يسارياً، ثم انضم إلى التروتسكية، لكنه اتخذ في النهاية منحى أناركياً

اعتبر بولانيو دائما ذا ايديولوجية يسارية، فانضم في شبابه إلى تيار التروتسكية في المكسيك، ثم انضم إلى الاناركية فيما بعد. ويقول بولانيو في هذا الإطار:

“لا يعجبني تجمع الكهنة ورجال الدين حول التيار الشيوعي. فأنا دائما ما كنت يسارياً، ولا انوي الانضمام إلى اليمينين لأنني لا احب رجال الدين الشيوعين ولذلك انضممت إلى التروتسكية. لكن ما حدث في ما بعد انه عندما انضممت إلى التروتسكيين، لم يعجبني أيضا تجمع رجال الدين حولهم، ولذلك انضممت إلى الاناركية (…). واخيرا في إسبانيا وجدت الكثير من الأناركيين. يزعجني التجمُع كثيرا”.

و في ما يتعلق بعاطفته الوطنية، رأى انه من الأفضل نسيان أمر الوطن واعتبر نفسه مكسيكياً أو حتى إسبانياً أكثر من كونه تشيلياً.

 اعماله

تضم اعمال بولانيو شعر، رواية، قصص قصيرة، مقالات، خطابات ادبية معظمها نُشر في برشلونة، إسبانيا. نشر العديد من هذه الأعمال بعد وفاته. وتم نشر جميع كتبه القصصية وأغلب الروايات في “اناغراما”، في ما عدا “الادب النازي في الاميركيتين”، التي نشرت في دار نشر “سايكس بارال”. ونشرت أول طبعة لروايته الأولى “مزلجة الجليد” في دار “بلانيتا”، فيما ونشرت رواية مهمّشة في “موندادوري”.

الشعر

1992 – حُطام الجامعة المجهولة

1995 – اخر المتوحشين

1993- كلاب رومانسية

2000- ثلاثة

اعمال شعرية نُشرت بعد وفاته

2007- الجامعة المجهولة (أناغراما، برشلونة): تضم محتوى جميع اعماله الشعرية السابقة وروايته امبيريس التي قام بإعادة ترتيبها، بالإضافة إلى اعمال غير منشورة من قبل.

الرواية

1984- طريق الأفيال (التي اعيد نشرها بعنوان السيد باين)

1993- مزلجة الجليد

1996- الادب النازي في الاميركيتين

1996- نجم بعيد

1998- المخبرون المتوحشون

1999- التعويذة

2000- امسيات تشيلي

2002- امبيريس

2002- رواية مهمّشة

اعمال روائية نُشرت بعد وفاته

2005- “2666”

2010- ريتش الثالث

2011- ضطرابات الشرطى الحقيقي

قصص قصيرة

1997- مكالمات تليفونية

2001- عاهرات قاتلات

قصص قصيرة نُشرت بعد وفاته

2003- الغاوتشو المزعج

2007- سر الشر

Leave A Reply

Your email address will not be published.