مجلة الكترونية عربية مستقلة

ري تشون هي … المذيعة النووية !

حضورها مرتبط بالبكاء أو التصفيق. ري تشون هي، مذيعة البروباغندا الكورية الشمالية، أو “مذيعة الشعب”، أو  حتى “المذيعة النووية” كما يحلو للبعض تسميتها، باتت الصوت المعبّر عن تلك الدولة الشمالية المعزولة، سواء في انتصاراتها، أو في اتراحها.

بزيّها التقليدي ذي اللون الزهري المائل إلى البنفسجي، ونبرتها الحماسية، الممزوجة بابتسامة التحدّي، احتلت ري تشون هي شاشات العالم، وهي تذيع الخبر المدوّي، وهو إجراء بيونغ يانغ تجربتها المزلزلة على قنبلة هيدروجينية.

ليست هذه المرّة الأولى التي تزف المذيعة الستينية خبراً نووياً من هذا القبيل، فهي الخيار الدائم للآلة الإعلامية الكورية الشمالية، حين يتعلق الأمر بتجارب باليستية تثير الرعب من شبه الجزيرة الكورية، وما يحيطها،  إلى الولايات المتحدة وأوروبا.

ولكن إطلالات ري تشون هي ليست مرتبطة دوماً بالاحتفاء الإعلامي: في 8 يوليو/تموز عام 1994 ظهرت “المذيعة النووية” متشحة بالسواد، لتذيع نبأ وفاة مؤسس كوريا الشمالية كيم إل سونغ… وبعد 18 عاماً، ظهرت ري تشون هي بالإطلالة السوداء ذاتها، لتذيع مجدداً نبأ وفاة ابنه، وخليفته، كيم جونغ إيل، الذي قالت عنه إنها تعلّمت منه أصول الإعلام!

لن يبذل المرء جهداً لكي يكتشف سبب كون ري تشون هي الخيار الدائم، إذ تكفي مشاهدتها دقيقة أو دقيقتين، لتشعر بحماسة الصوت، وبريق العينين، وتحدّي الملامح، لكي يتولد لدى المشاهد انطباع راسخ، بأنها هي نموذج يحتذى للمرأة المذيعة، التي تجعلك قادراً على فهم ما يدور في تلك الدولة الغامضة، حتى وإن كانت لا تفقه شيئاً بلغتها!

ولكن للعارفين باللغة الكورية رأي آخر، فهم يرون أن ري تشون هي تحاول تقديم الخبر بطريقة بسيطة إذ أنها تخاطب المشاهد بسلاسة وهدوء بعيدا عن الصراخ أمام عدسة الكاميرا، على نحو مغاير للانطباع الذي يتولد لدى من يشاهدها من الجاهلين بلغتها.

ري تشون هي أكدت بنفسها ما سبق، حين قالت، مقابلة نادرة مع التلفزيون الصيني في العام 2012، إنه “يجب علينا الحديث في شكل لطيف وصوت منخفض يحبه المشاهدون، عندما نتكلم عن جمهورية كوريا الشعبية الديموقراطية”.

عملت ري تشون هي مذيعة طيلة حكم سلالة كيم الممتدة إلى ثلاثة أجيال، وكان صوتها حاضراً أثناء قراءتها أهم الأخبار لمدة تجازوت أربعين عاماً، فقد بدأت مسيرتها المهنية مذيعة أخبار في تلفزيون كوريا الشمالية المركزي في أوائل العام 1971، وبقيت تعمل في مكتب الأخبار حتى العام 2012.

أسلوب ري تشون هي الدراماتيكي ميّزها عن جميع المذيعات، حيث أنها تتمتع بقدرة مثيرة للإعجاب في أن تتمالك نفسها، وتستمر في قراءة الخبر، بشكل دقيق، وحتى النهاية، حتى وإن قادتها الحماسة إلى الصراخ الحماسي، كما يحصل عادة في المناسبات النووية، أو حتى الإجهاش بالبكاء، حين يتعلق الأمر بوفاة “الرئيس المحبوب”.

قد تكون تلك القدرات غير العادية نابعة من كون ري تشون هي، المولودة في مقاطعة تونغتشون، والمنحدرة من عائلة فقيرة، قد درست فنون الأداء في جامعة بيونغ يانغ للسينما والمسرح.

لابد من الذكر بأن لري تشون هي جمهور كبير في كوريا الشمالية – وحالياً في العالم – إذ يكفي أن تظهر صورها على الشاشات الكبيرة في العاصمة، ترى المشاهدين منهمكين إما في البكاء، وإما في التصفيق.

وحين تذيع ري تشون هي رسائل زعماء كوريا الشمالية، فإنها تمنح صوتها لحناً وانفعالاً مندفعاً، ليبدو متناسقا مع النص الرسمي، الأمر الذي له تأثير بشكل كبير على المواطنين في هذا البلد المعزول.

ربما يفسّر  ذلك سبب ظهور واختفاء العديد من الإعلاميين، ليس في كوريا الشمالية فحسب، بل في العالم كله، في مقابل احتفاظ ري تشون هي بمكانتها، حتى بعد تقاعدها، لا بل أن الصحافي المختص في شؤون كوريا الشمالية مارتن ويليمز يرى أن كوريا الشمالية قد تقع في مأزق شديد، في حال حدث أي مكروه لتلك المذيعة، إذ لا يوجد أي شخص بتمتع بثقة الزعماء غيرها.

لهذا السبب، خصّت الحكومة الكورية “مذيعة الشعب” بحياة مرموقة، في تقيم في منزل خاص في بيونغ يانغ، لتكون على مقربة من أفراد الحكم، ويقال أنها تتمتع بحياة مترفة للغاية وسط النخبة الكورية الشمالية.

ومؤخراً، أبدت ري تشون هي”، في فيلم وثائقي عرض مؤخراً، استعدادها للبدء في تربية جيل جديد من المذيعات، من وراء الكاميرا بشكل مباشر، وذلك بناء على تكليف حكومي.

كل ما سبق يجعل ري تشون هي خير مثال على الإعلام، الذي ينجح في تسويق الدعاية السياسية لبلاده، كما وصفتها إحدى الصحف البريطانية قبل سنوات، فأنت “تشعر في كل مرة تلقي فيها بيانا، أن بيونغ يانغ على وشك أن تعلن الحرب العالمية الثالثة بصورة فعلية”!

Leave A Reply

Your email address will not be published.