مجلة الكترونية عربية مستقلة

زغلول الدامور ونهاد طربيه… رحلا في زمن الجَزْر

يفتقد المشهدُ اللبنانيُّ اليوم، في ساحتَيْه الفنّية والثقافية، شخصيّتَيْن فنّيتَيْن مؤثّرتَيْن: زغلول الدامور (جوزيف الهاشم/ 1925- 2018) ونهاد طربيه (1950-2018).

زغلول الدامور هو صاحب الحضور الزجليّ البارز الذي امتلك مهارات والتماعات الشعر العامي اللبناني الشعبي وأوزانه ونبضه، وتميّز بقدرته الاستثنائية على الارتجال.

الجيل الجديد في غالبيته لا يعرف اليوم معنى الزجل، علماً بأن الزجل اللبناني يستند إلى الإيقاع والقياس. وما يميّز الزجل عن الشعر العامي أنّ الزجل يؤدَّى على المسرح/المنبر ضمن جوقات زجلية ويحافظ على “الشروقي” و”الحدا” و”القصيد” و”العتابا” و”الميجانا” و”أبو الزلف” و”القرّادي” و”المْعَنَّى”، إلخ.

قامات الشعر المنبري يتمسّكون بالوزن متقيّدين بهيكلية القصيدة الزجلية. في هذا الإطار، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الزجل شعرٌ ملفوظ يرتكز على لفظ الكلمة لا على كيفية كتابتها.

تقلّصت بشكلٍ ملحوظ في يومنا هذا مساحة وأمداء الزجل لصالح الشعر الحديث.

من أعمال زغلول الدامور هذه القصيدة التي يبلغ أثرها إلى النفْس، مثالاً:

بخاطرك يا بلاد أهلي ومرجعي    يا بسمة الخضرا السقاها مدمعي

إنتي قصيدة بكر لحّنها الوفا     وردّد حنين بيوتها عا مسمعي (أ)

إنتي قصيدة بكر لحّنها الوفا    والطير دوزنها على عود الصفا

ولَوما بحضن عنايتك دوق الغفا   لا فتّحو عيوني ولا شفت الوعي (أ)

عطفك غمرني بروح ما إلها حدود    ولبّس جناحي ريش بعيون الحسود

ولو من ترابك ما عرفت سرّ الوجود   يا دخيرتي وبيت القصيد بمطلعي (أ)

قلبي أخدلك صورتك قبل الرحيل     غلّفتها بالعين كحل بدون ميل

ضلّك معي يا صورة العهد الجميل    حتى عَ لوحة ذكرياتي تطلعي (أ)

يا بلدتي الما بفضّل عليكي بلاد     مهما الغياب يطول حافظلك وداد

وبكرا متى عالدرب حر الشوق زاد   بوقف بنص البحر وبقلّك تعي (أ)

هيكي جرى وألله رضيلي بالسفر    وتجمّع الركّاب والمركب صفر

لا فزعت عا حالي ولا قلبي نفر    ما زال عاولادي رضايي تاركو (خ)

      وآخد رضى إمّي ورضى بيّي معي (أ)

أمّا نهاد طربيه، الذي غادرنا مخلّفاً ذكرى عطرة ممهورة ببسمة، فصوته عريض، فيه تأثّرٌ جليّ بفريد الأطرش على صعيد الأداء، يجمع بين الجبليّ نسبياً والبوب Pop العربي الذي خاض معتركه مزاوجاً بين متطلّبات السوق بالمعنى التجاري والحسّ الفنّيّ المميّز. إضافةً إلى الغناء المتقن، فإنّ ما يميّز نهاد طربيه يكمن أيضاً في الجَرْس Timbre الذي صار بصمته وأثره.

كنّا نستمع إلى أغانيه عبر التلفزيون والراديو ولطالما ردّدنا “طيّب جدّاً” في حفلاتنا ورقصنا على أنغامها في صِغَرنا إلى أن غاب هذا الـ”طيّب جداً” وبقى صدى حنجرته وأعماله. من أغانيه المعروفة بصوته: “والنبي تضحكي” و”بدنا نتجوّز عالعيد” و”تريد تروح وتنسانا”…

هذان الكبيران رحلا في زمنٍ فيه جزر أكثر من المد، زمن التصحّر الفنّي والثقافي، مع وجود استثناءات مضيئة معدودة. سيذكرهما التاريخ مغربلاً ما سيبقى في الذاكرة وما سيُدرَّس مرجعاً.

Leave A Reply

Your email address will not be published.