العرب والعالم

ستيف بانون: “الرجل الأبيض” المنتحر بـ”عنصريته”

“اتفق كبير موظفي البيت الابيض جون كيلي وستيف بانون على أن اليوم سيكون آخر يوم لستيف”… بهذه الكلمات القليلة، أعلنت المتحدثة باسم البيض الأبيض سارة ساندرز، خروج كبير مستشاري دونالد ترامب من فريقه الرئاسي.
لم يشفع دفاع دونالد ترامب عن ستيف بانون في تحصين عنصريته، فالجدل الحاد الذي تشهده الولايات المتحدة هذه الأيام، على خلفية التجمّع الذي نظمّه دعاة تفوّق العرق الأبيض، أصاب، أوّل ما أصاب، ذلك اليميني المتطرف، ذا النفوذ الكبير داخل البيت الأبيض، وهو أمر لن يكون سهلاً بالنسبة إلى الرئيس الأميركي، الذي لم تكد بضعة أشهر تمر على تسلّمه منصبه، حتى بدأ المقرّبون منه يتهاوون واحداً تلو الآخر.
ولا شك في أن خروج ستيف بانون من البيت الأبيض، سيكون له أثر كبير على ترامب، الذي بات يخشى أن تصل الموسى إلى ذقنه، في وقت ما، حتى أن كاتب مذكراته، توقّع استقالته المبكرة، قبل أن يختتم سنوات ولايته الأربع.
وأياً تكن السيناريوهات المحتملة، بالنسبة إلى مستقبل ترامب، فإن التوقعات تشي بأن ثمة تأثيراً سلبياً مزدوجاً سيواجهه ترامب، بعدما أسدلت الستارة على كبير مستشاريه الاستراتيجيين.
البعد الأول من ذلك التأثير، ينطلق من كون بانون قد ترك بصماته على معظم القرارات المثيرة للجدل التي اتخذها ترامب، خلال الأشهر الأولى من رئاسته.
وأمّا البعد الثاني، فيعود إلى ما يمثله ستيف بانون من ثقل ضمن التيار المحافظ المؤيد لترامب، ولذلك فإن ثمة من يتوقع أن يواجه الرئيس الأميركي حملة انتقادات واسعة من وسائل الإعلام المحافظة التي دعمته خلال العام الماضي، بعد تخليه عن كبير مستشاريه.
وكان واضحاً، منذ بداية العهد الرئاسي الجديد، أن بانون تحوّل إلى صداع في رأس ترامب، حتى أن تقارير صحافية تحدّثت عن سعي الأخير للتقليل من تأثيره، وهو ما ألمح إليه، خلال مقابلة أجراها مع صحيفة “نيويورك بوست”، في نيسان/ابريل الماضي، حين قال: “أنا المستشار الاستراتيجي لنفسي”.
ومنذ ذلك الحين، تزايدت التكهنات بشأن بانون، ولكن المؤشرات إلى احتمال اقالته بدت متناقضة، لا بل أنها تحوّلت إلى موضع شك، حين اتخذ ترامب قراره المثير للجدل الأول من حزيران/يونيو الماضي بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، وهو أمر كان من بين الأهداف البارزة في سياسة كبير مستشاري البيت الأبيض.
وقبل أيام، تحوّل ترامب نفسه، إلى محام لبانون، حين تصدّى للانتقادات الموجه إليه، على خلفية مواقفه المنحازة لدعاة تفوّق العرق الأبيض، قائلاً إنه “رجل طيب وليس عنصرياً”، ومشيراً إلى أنه “يتعرض في الواقع لمعاملة من صحافة ظالمة للغاية”.
ومع ذلك، فقد تضمن دفاع ترامب عن كبير مستشاريه ما يشي بأن مستقبله في البيت الأبيض ليس مضمون، إذ قال: سنرى ما الذي سيحصل لبانون”‍!
والواقع أن الجدل الحاد، حول شخصية بانون وأفكاره المتطرفة، قد جعلت أحداث العنف العنصرية التي شهدتها مدينة تشارلوتسفيل في ولاية فرجينيا، فرصة نادرة لإخراجه من الفريق الرئاسي، وبالتالي إبعاد شبهة “العنصرية”، ولو قليلاً، عن ترامب نفسه، بصرف النظر عن النتائج السلبية المترتبة على خطوة كهذه.
وفي حقيقة الأمر، فإنّ بانون ربما لم يترك صديقاً له، في البيت الأبيض، سوى دونالد ترامب، فذلك اليميني المحافظ، القادم إلى الإدارة الأميركية، من باب الإعلام، ممتطياً الحملة الانتخابية، كان محط انتقادات، لم تقتصر على الديموقراطيين والحقوقيين فحسب، إذ كان تعيينه محل خلاف في صفوف الحزب الجمهوري الذي طالما دأب موقع “بريتبارت” على توجيه الانتقادات الحادة له.
وفي الآونة الأخيرة، افادت تسريبات إعلامية، من خلف جدران البيت الأبيض، بوجود صراع على السلطة بين بانون، وبين جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره البارز، الذي يتمتع بنفوذ قوي داخل الإدارة الأميركية، لكونه زوج الابنة المفضلة للرئيس الأميركي – إيفانكا.

ولا شك في أن بانون قد ساهم منذ بداية مسيرته المهنية، في زيادة عدد أعدائه، لا سيما بعد تسلّمه رئاسة تحرير “بريتبارت”، أو ربما قبل ذلك.
وتشير السيرة الذاتية لستيف بانون، المولود في ولاية فرجينيا في العام 1953، والمنحدر من أسرة تنتمي للطبقة العاملة ذات أصول إيرلندية وكاثوليكية المعتقد، إلى أنه خدم أربع سنوات في البحرية، قبل أن يحصل على ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد، لينتقل بعدها إلى الخدمات المصرفية الاستثمارية، ثم التمويل الإعلامي، حيث وساعد في إطلاق برنامج “سينفيلد” الساخر، إلى جانب برامج أخرى، علاوة على انتاجه العديد من الأفلام الهوليوودية (أبرزها “العداء الهندي” – 1992، “تيتوس” – 1999)، ومن ثم الوثائقية (وأبرزها  “في وجه الشر” عن الرئيس الراحل رونالد ريغن – 2004، و”صحوة المرأة المحافظة” عن المرشحة الجمهورية السابقة سارة بالين).
لكن نقطة التحوّل الأهم في مسيرة بانون، كانت حين التقى بأندرو بريتبارت، وهو رجل أعمال محافظ، كان يطمح إلى تأسيس موقع يتحدى من خلاله وسائل الإعلام، التي يصفها بأنها تحت هيمنة التيار الليبرالي.
على هذا الاساس، صار بانون شريكاً مؤسساً في موقع “بريتبارت”، الذي تحوّل غلى منصة بديلة على شبكة الإنترنت للإعلام الشعبوي، المعبّر عن تيار “اليمين البديل”.
وبعد وفاة أندرو بريتبارت جراء أزمة قلبية في العام 2012، تولى بانون رئاسة الموقع الاخباري، المثير للجدل، ودفعه إلى الأمام، إلى ان استقال للعمل مديرا في حملة ترامب الانتخابية “في وقت متأخّر” حسبما قال الرئيس الأميركي.
والحقيقة أن بعض العناوين الرئيسية على موقع “بريتبارت” ساهمت في إذكاء حالة جدل، حول بانون نفسه، إذ وصف عنوان رئيسي معلّقاً محافظاً بأنه “يهودي خائن”، فيما شبه عنوان آخر عمل منظمة الحقوق الإنجابية “تنظيم الأسرة” بأنها مثل “الهولوكست”.
وعين ترامب بانون مديرا لحملته الانتخابية في آب/أغسطس العام 2016 وبعد فوزه في الانتخابات الرئاسة، عينه في وظيفته في البيت الأبيض.
وقوبل ذلك بانتقادات حادة من قبل الديموقراطيين، لعل أبرزها من قبل آدم جنتلسون، المتحدث باسم هاري ريد زعيم الحزب الديموقراطي في مجلس الشيوخ، الذي رأى أنه “من السهل معرفة سبب اعتبار المنظمات الأخوية في الولايات المتحدة ترامب بطلها عندما عين واحدا من أبرز دعاة تفوق أصحاب البشرة البيضاء في منصب كبير المساعدين له”.
كذلك، انتقدت جماعات حقوقية تعيين بانون، من بينها رابطة مكافحة التشهير، التي وصف مديرها التنفيذي جوناثان غرينبلات، كبير مستشاري البيت الأبيض، بأنه “الرجل الذي رأس أول موقع إلكتروني لليمين البديل، وهي مجموعة من القوميين البيض العنصريين والمعادين للسامية”.
كل الصفات التي ألصقها خصوم بانون به، تكاد تتلخص في موقف أحد صحافيي قناة “فوكس نيوز” المقربة من الحزب الجمهوري، الذي شبّه كبير مستشاري ترامب بغوبلز – وزير دعاية النازية في المانيا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق