ثقافة

“سيرة مسلم في حانة آرتين”.. تناقضات بيروتية في عصر التحولات

أطلق الشاعر والكاتب اللبناني علي نصار رواية “سيرة مسلم في حانة آرتين”، وهي صادرة عن “دار النهضة العربية”، علماً بأنّ معظم أحداث الرواية تجري في بيروت، في الأمكنة ذاتها، إنما في أزمنة عدة تسير بالتوازي لتغطي ثلاثة عقود، منذ بداية السبعينيات حتى نهاية القرن العشرين… فتضيء، بمحورها الفكري الأساسي، على العلاقة الجوهرية بين الآليات والدوافع التي تؤدي الى التطرف الإيماني والآيديولوجي وبين مثيلاتها التي تُفضي الى الإدمانات الحادة.

أما الجانب الدرامي، فيتوزع بين التخبُّط الذي تعيشه عائلة صغيرة مع محيطها من الأصدقاء العلمانيين والشيوعيين بعد انتهاء الحرب الباردة، بحيث يعودون للبحث عن انتماءات تستطيع مواكبة العصر في ظل “بورصة” صعود وهبوط الحالات الإسلامية والآيديولوجية المتطرفة… ومن خلال مرور الوالد وإبنه في مخاضات “إنتمائية”، متطابقة في الجوهر متعارضة في الشكل، إذ عبرا الأفكار والأماكن ذاتها ويصادقان وينادمان الأشخاص أنفسهم، بزمنين مختلفين، ويغرمان بالمرأة ذاتها. المرأة – المحور التي يغرم بها الجميع… دون الحصول عليها. فتُشَكِّل، من نواحٍ عدة، حالةً مادِّيةً حَيَّة تحاكي افتتانهم بالحضارة والأفكار الأوروبية التي لم يتمكّنوا من الإمساك بها ولا من تطبيقها على أنفسهم وعلى محيطهم الإجتماعي وفي الوقت عينه، لم يستطيعوا التحرر من جاذبيتها…

مقتطف من الرواية/ بائع الكتب الشيوعي:

في الصباح ، الذي سبق انتقالنا من منزل خالتي، حَمَلْتُ الكتابين وذهبت لكي أعيدهما الى بائع الكتب المستعملة…

 ولكني لم أجده! عرفتُ ذلك قبل وصولي بعشرات الأمتار، فالمكتبة كانت مقفلة والرصيف الذي يفرش عليه مطبوعاته بدا خاليا من الكتب… ومن جمهرة القراء الذين اعتادوا تصفح المجلات مجانا!

اقتربتُ أكثر، لأستطلع الأمر فوجدتُ بقعة من الدم يحوم فوقها الذباب.

 – ” قتلوه البارحة وسلبوا كل ماله”.

بادرني الفتى الذي يبيع الدخان على الرصيف المقابل، فعقّب بائع اليناصيب الأحدب:

 – “ألْفْ مَرَّة قِلْنالو ما تْتْأَخَّرْ بالليل! الناس عَمْ يِدَبّْحوا بَعْضُنْ ع الهوية.. وْهُوّْيِ حاطْطْلِي كيس المصاري قِدّامو وْبْيْسْهَر لْلتْلاتة الصُبْح”.

… بالرغم من سقوط مئات القتلى يوميا؛ وبأبشع الطرق؛ لم أتأثر بالشكل الذي تأثرتُ به عند سماعي ذلك الخبر! كان بائع الكتب المستعملة أول قتيل أعرفه شخصياً، لذا، حين رأيت دمه عوضاً عن مطبوعاته على الرصيف، أحسستُ بوقع الحرب الفعلي… وبدأت تجليّاتها المرعبة تبدِّل رؤيتي للأمور.

… كل الذين يموتون من حولنا: الشهداء، المجرمون، الضحايا، الأطفال، الأبطال… هم أرقام؛ مجرد أرقام. أرقام كالتي نقرأها في كتب التاريخ والروايات… كل ما نسمعه ونقرأه عن الحروب لن يُشْعِرَنا بالفظاعة والهول، طالما نحن “مُحَصَّنون” بِجَهْلنا لهويات الضحايا، طالما لا معرفة أو علاقة تربطنا بهم. الناس تحزن على “مَن” تعرف… لا بل، حتى، على “ما” تعرف! فتدمير مبنى لك فيه ذكريات سيؤثر فيك أكثر من مجزرة تودي بآلافٍ لم تُقابلهم يوماً.

… في الليلة الأخيرة، التي أمضيناها عند خالتي، لم أستطع النوم. لم تُبارِح خيالي السِّن الذهبية، التي تتوسط ابتسامة البائع الشيوعي، ولا الدم الذي رأيته وَتَنَشَقْتهُ طازجاً على الرصيف. لقد تنشقتُ الموت مباشرة… لمستُ وَقْعَه المادي لمساً.

… أدخلني فعل الموت في أسئلة وجودية لم تمر في بالي من قبل، أو ربما مَرَّت، ولكنها لم تصل الى درجة الوقوف، كحاجزٍ ، بين النوم وبين عينيّ المفتوحتين في ظلام الغرفة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق