سياسة واقتصاد

سيناء … في عيون وقحة !

القاهرة | تشي الكثير من القراءات والتحليلات الاستراتيجية أنّ منطقة الشرق الأوسط مقبلة على مرحلة تفاعلات ساخنة قد تكون هي الأخطر في تاريخها على الإطلاق، اتصالا بما تشهده من أزمات ذات أبعاد إقليمية ودولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وعلى تماسها شبه جزيرة سيناء المصرية، التي عادت مجدداً إلى دائرة الجدل، بعد عودة الحديث عن “الوطن البديل”.

وربما أثار انكشاف سر اللقاء الرباعي بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو وملك الأردن عبد الله الثاني ووزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري في مدينة العقبة، الكثير من علامات الاستفهام حول سرية هذا الاجتماع، وطبيعة المفاوضات التي دارت خلاله، خصوصا أنه تم بمبادرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي أراد مناقشة رؤية كيري حول تسوية القضية الفلسطينية، والتي تقوم على حل الدولتين في مقابل اعتراف العرب بـ”يهودية إسرائيل”، على أن تبدأ الإجراءات العملية فوراً على طريق الحل، في حين تتم معالجة بقية الترتيبات الأخرى الخاصة ببعض القضايا العالقة كالاستيطان وعودة اللاجئين وغيرها، خلال المفاوضات.

كانت إدارة باراك أوباما تريد إنجاز هذه المهمة قبل رحيلها، لكن يبدو أن نتنياهو خرج عن طوعها، وأراد تعطيل المبادرة التي لا تروق له ولليمين الإسرائيلي، وهو ما فسرته الخلافات بين إدارة أوباما في أيامها الأخيرة، وبين حكومة نتنياهو، وأكدته كذلك اتهامات كيري الواضحة للحكومة الإسرائيلية بإهدار فرصة حقيقية للسلام.

استشعر نتنياهو القلق من رفض المبادرة الأميركية. هو يدرك جيداً مدى ثقل الولايات المتحدة في النظام الدولي، ويفهم خطورة لجوء واشنطن إلى استخدام أدوات عقابية ضد تل أبيب في الأمم المتحدة، أو على مستوى العلاقات الثنائية. لذلك أراد استهلاك الوقت حتى ترحل الإدارة الأميركية بمبادرتها، فكان عليه مناقشة صعوبة قبول حكومته للمبادرة مع جيرانه العرب، وبحضور كيري نفسه، بحجة أن مفاوضات تشكيل “حكومة وحدة” في إسرائيل، يمكنها قبول مثل تلك المبادرة، تشهد تعثرات، بالإضافة إلى صعوبة إقناع اليمين بالموافقة على حل الدولتين قبل تسوية مسألة المستوطنات.

مجريات الأحداث كشفت لاحقاً عن موافقة مصر والأردن خلال المفاوضات على مبادرة كيري، بل وتبنيها، برغم كل التنازلات غير المسبوقة التي تطلبتها من العرب. وحين كشف كيري في خطابه الوداعي عن رؤيته للحل، أصدرت القاهرة وعمّان، قبل غيرهما، بيانين منفصلين أكدتا فيهما على تأييد وجهة نظر واشنطن بخصوص حل الدولتين.

كان واضحا منذ البداية، أن حكومة نتنياهو بتركيبتها اليمينية المتطرفة غير راغبة في أن تقدم أية تنازلات، ولا يمكنها القبول بحل الدولتين دون شرعنة وضع مستوطناتها، وهي النقطة التي ربما توضح سبب دعوة السيسي، خلال نداء “السلام الدافئ” في أسيوط، في أيار/مايو من العام العام 2016، للأحزاب الإسرائيلية من أجل التوافق، في مفاوضات تشكيل الحكومة، إلا أن دعوته فشلت بعد هذا الخطاب بأقل من أربعة أيام، إذ تشكلت حكومة يمينية خالصة بالشراكة مع حزب “إسرائيل بيتنا”، الذي جاء زعيمه اليميني المتطرف أفيغدور ليبرمان وزيراً للدفاع في الحكومة الحالية.

حكومة نتنياهو بتركيبتها اليمينية المتطرفة لا تقبل بـ”حل الدولتين”.

الغريب أن رئيس مصر كسر قواعد البروتوكول حين خاطب أحزاب إسرائيل لحثها على التوافق في تشكيل حكومتها، لكن يبدو أن حماسته لمبادرة كيري، والتي من شأنها أن تخلصه من صداع القضية الفلسطينية، كان الدافع إلى ذلك.

راوغت الحكومة الإسرائيلية الجميع، وأرادت استنفاد الوقت لحين رحيل أوباما وكيري، فأثارت تلك المراوغات غضب واشنطن والعرب على السواء، فأعدّت مصر في كانون الأول /ديسمبر الماضي مشروع قرار في مجلس الأمن يدين الاستيطان، بدفع وتحريض من واشنطن، كإجراء عقابي لنتنياهو وحكومته التي عرقلت المبادرة.

ولكن بعد اتصال ترامب بالسيسي، سحبت القاهرة مشروعها، بينما تبنّت دول أخرى في مجلس الأمن مشروع القرار، ونجحت في تمريره، بعد التصويت عليه من دون “فيتو” أميركي ضد قرار يدين إسرائيل للمرة الأولى.

وبعد هذه المعركة الديبلوماسية، استدعت الحكومة الإسرائيلية سفراء كل الدول التي صوتت لصالح القرار في مجلس الأمن، وكان من بينهم السفير المصري.

بدأت الخلافات بين القاهرة وتل أبيب تتنامى، إلى أن سحبت الأخيرة سفيرها من دون إعلان. وبعد وصول ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، بدأت حكومة إسرائيل تخاطب العالم وجيرانها العرب من موقف أقوى، وبدأ رئيسها بنيامين نتيناهو يلمح من جديد الى احتمال البحث عن حلول بديلة لقضية الفلسطينيين غير “حل الدولتين”. كانت ممارساته في المقابل تشير إلى أن حل الدولتين في حد ذاته، أصبح مرهونا بوجهة النظر الإسرائيلية، لا بما يريده العرب، ولا حتى بما يقترحه الوسطاء الدوليون، خصوصاً أن ذلك الحل يشترط تراجع إسرائيل إلى خط الرابع من حزيران / يونيو العام 1967.

إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو العام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، أمر يلقى ممانعة شديدة من الائتلاف اليميني الحاكم في إسرائيل، خصوصاً بعدما امتلأت تلك الأراضي بالمستوطنات، وأصبح من الصعب عملياً اقتلاعها، في ظل واقع ديموغرافي جديد، فرضته على الأرض سياسات الاستيطان المستمرة طيلة 50 عاماً، فكان ضرورياً على تل أبيب أن تطرح حلاً بديلاً لهذه المعضلة.

وما دام ليس وارداً في تفكير الصهاينة أن تتراجع إسرائيل إلى حدود العام 1967، وتتخلص من كل مستوطناتها على الأراضي العربية التي احتلتها بعد ذلك التاريخ، بكل المجتمعات العمرانية التي نشأت عليها منذ خمسة عقود وخمسة أجيال متتالية تقريبا، وما دام أن الفلسطينيين لن يقبلوا بإقامة دولتهم المستقلة على أقل من تلك الحدود، جاء التفكير في تعويض الفلسطينيين عن تلك الأراضي، بأراضٍ أخرى في الضفة الغربية وقطاع غزة، تستوعب عودة اللاجئين، وتسمح بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

قبل أيام قليلة، كان وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان يستعرض رؤيته لـ”حل الدولتين”، خلال كلمته في مؤتمر ميونخ للأمن، فقال إنه “يؤيد حل الدولتين مع الفلسطينيين بشرط إجراء تبادل للأراضي والسكان بهدف ضمان تجانس الشعب الإسرائيلي والطابع اليهودي لدولة إسرائيل”.

كانت تصريحات ليبرمان مفضوحة للحد الذي لم يكشف عن إعادة تبني تل أبيب لخطة مبادلة الأراضي من جديد فحسب، بل عن رغبة إسرائيلية في التطهير العرقي للفلسطينيين الذي يشكلون حوالي 20 في المئة من تعداد “دولتهم اليهودية” المزعومة قبل الموافقة على حل الدولتين.

أعادت إسرائيل طروحات تبادل الأراضي مطعّمة برغبة في التطهير العرقي للفلسطينيين

المشكلة التي تواجه هذه الخطة، أن إسرائيل ليس لديها أراض يمكن أن تمنحها للفلسطينيين بدلا عن تلك الأراضي التي احتلتها إلا في صحراء النقب. وصحراء النقب لا يمكن ضمها إلى قطاع غزة حيث يفصل بينهما مناطق تعتبرها إسرائيل ملكاً لها مثل بئر سبع وديمونة وغيرهما. إذن كان لابد من التفكير في مخرج لهذه الأزمة عبر طرف ثالث، على تماس، مع كل من قطاع غزة وصحراء النقب على السواء، فيمنح قطاع غزة قطعة الأرض المطلوبة، ويحصل بدلا منها على قطعة أرض أخرى في صحراء النقب، في مقابل امتيازات، وهذه الخاصية لا تتوافر إلا لمصر.

في أيلول/سبتمبر من العام 2013، نشرت صحيفة “اليوم السابع” المصرية مقطعاً صوتياً للرئيس الأسبق حسني مبارك، حين كان يرقد في المستشفى مسجوناً، أثناء حوار كان يدور بينه وبين طبيبه المعالج، كشف فيه عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان قد حاول جس نبضه قبل رحيله عن السلطة بفترة وجيزة، حول إمكانية ضم جزء من أراضي سيناء إلى قطاع غزة لحل تلك المشكلة، وقد رد عليه مبارك بما معناه أن ذلك من شأنه إشعال الحرب بين العرب واإسرائيل مرة أخرى، ثم قال له بالإنجليزية forget it (انسَ الأمر).

في السياق ذاته، كان الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، قد كشف عن رفضه عرضاً إسرائيلياً لاستلام 1000 كيلومتر مربع في سيناء خلال عهد الرئيس “الإخواني” المعزول محمد مرسي، وقال على هامش لقائه بإعلاميين مصريين في مقر إقامته في قصر الضيافة بالقاهرة، في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2015، إن “مشروع سيناء كان مطروحاً للتشاور بين حركة حماس وإسرائيل لاقتطاع 1000 كيلومتر مربع من أراضي سيناء لتوسيع غزة في زمن مرسي”، وللحق فإن الرجل قد أوضح أن الذي رفض المشروع وقتها كان وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي.

حل مبادلة الأراضي يعود إلى دراسة كان قد أجراها البروفيسور الإسرائيلي يوشع بن آريه، الرئيس السابق للجامعة العبرية، لحل قضية الشرق الأوسط. هذه الدراسة المنشورة على كثير من المواقع الإلكترونية، تتضمن مغريات ومزايا تنموية لمصر، تتشابه إلى حد كبير مع تفاصيل برنامج الملك سلمان لتنمية شبه جزيرة سيناء، وأبرزها مشروع تطوير طريق “النفق – طابا – النقب” الذي سيربط مصر بريا بالأردن، ومنه إلى السعودية، بعد أن تنضم الدولتان إلى اتفاقية كامب ديفيد، وهو ما يمكن أن يشير ضمناً إلى أن جملة الاتفاقات التي وقعتها مصر والسعودية في نيسان/أبريل من العام الماضي، خلال زيارة الملك سلمان للقاهرة، أي بعد اللقاء السري الذي جمع السيسي ونتنياهو في العقبة بشهر تقريباً، وكان من بينها اتفاقية تيران وصنافير، تدخل ضمن تسوية إقليمية أوسع لمسألة السلام في الشرق الأوسط.

مبادلة الأراضي تتضمن مغريات تتشابه مع برنامج الملك سلمان لتنمية سيناء

وفي هذا المقام يكون مفيداً الربط بين هذه الفرضية وبين حديث السيسي في نيويورك على هامش حضوره أحد اجتماعات الأمم المتحدة، عن توسيع اتفاقية السلام بانضمام أطراف أخرى إليها، وكذلك حديثه في أسيوط حول أن المنطقة سترى العجب إن تم الاتفاق.

صحيح أن القاهرة كانت قد نفت تصريحات للوزير بلا حقيبة في الحكومة الإسرائيلية أيوب قرا حول أن نتنياهو سيبحث مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطة إقامة دولة فلسطينية في سيناء، وصحيح أن نتنياهو نفى بإيجاز للصحافيين الأمر ذاته، وقال إن الفكرة لا أساس لها، متناسيا شهادة مبارك الذي لا يزال حياً يرزق، والموثقة بصوته عن نفس الطلب، لكن على أي حال نفت القاهرة رسميا تلك المزاعم مرتين، الأولى عبر تصريحات على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، والثانية ببيان صدر رأسا عن رئاسة الجمهورية بعد اجتماع للسيسي مع قيادات الجيش والشرطة.

الردود والبيانات الرسمية المصرية وإن كانت تنفي موافقة القاهرة على تلك الخطة أو مناقشتها من الأساس، فإنها لا تنفي بالمقابل أن عيون الإسرائيليين ترى في سيناء – بوقاحة – مخرجا وحيداً لتعويض الفلسطينيين عن أراضيهم التي أُحتلت بعد العام 1967، أساساً لحل الدولتين، وإلا ما كان نتنياهو طلبه من مبارك ولا جس نبضه!

عماد حمدي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق