حكايات زمان

شولا كوهين … قوّادة “الموساد” في لبنان

الزمان: ليل التاسع من آب/أغسطس العام 1961.

المكان: شقة سكنية في منطقة وادي أبو جميل في بيروت.

كان “المكتب الثاني”، جهاز الاستخبارات العسكري في لبنان، قد حدد الساعة الصفر لإلقاء القبض على أخطر شبكة تجسس للموساد في لبنان، تشغّلها امرأة فاتنة من الأقلية اليهودية في لبنان.

طُرق باب المنزل، فهمّت صاحبة المنزل  إلى فتح الباب لزوار غير المرغوب فيهم، هم عناصر وحدة المداهمة المكلفين توقيفها، بعد الكشف عن تفاصيل شبكتها التجسسية.

أغمي على المرأة الثلاثينية أرضاً، بعدما أيقنت أنها وقعت في المصيدة.

في أماكن أخرى من بيروت، كان عناصر “المكتب الثاني” يقومون بعمليات مداهمة موازية لتوقيف أفراد الشبكة التجسسية  الذين بلغ عددهم الثلاثة عشرة.

في الواقع لم تكن هذه المرأة المثيرة للجدل في الشارع البيروتي سوى شولا كوهين، “لؤلؤة” الموساد، وجاسوسته التي باتت بطلة في اسرائيل برتبة قوّادة، والتي توفيت يوم الاحد الماضي عن عمر يناهز المئة عام.

***

ضربة موجعة للموساد

 

لم يكن كشف أمر شولا كوهين مجرّد انجاز عادي لـ”المكتب الثاني”، ذلك الجهاز الأمني الوليد في عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب، وذو الامكانات المحدودة.

كان الأمر في الحقيقة، ضربة موجعة للموساد الإسرائيلي، فالجاسوسة التي مارست نشاطها الاستخباراتي خلف ستار “سيدة المجتمع” البيروتي، المخترق بمئات أو ربما آلاف الجواسيس بجنسياتهم المتعددة ومسمّياتهم المختلفة، لم تكن مجرّد عميلة يمكن التضحية بها، فما قدّمته للموساد، بشهادة رؤسائه، كان كبيراً جداً، من ناحية امتداداته، التي تجاوزت لبنان إلى أقطار عربية مجاورة، وأشكاله، التي تراوحت بين تهريب يهود لبنانيين وعرب إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة وبين تهريب كميات هائلة من الأموال، وأيضاً في استهدافاته التي شملت شخصيات حساسة في النظام اللبناني.

 نقل بعض أفراد وحدة المداهمة شولا كوهين، مغمى عليها، إلى السيارة، بينما تولى آخرون القاء القبض على أفراد شبكة التجسس التي ضمت 13 شخصاً آخرين، تناقلت الصحافة اللبنانية حينها اسماؤهم على النحو التالي: محمود سعد الله عوض (45 عاماً – لبناني)، علي نصرت العبد الله (31 سنة – لبناني)، علي حسن العبد الله (28 عاماً – لبناني)، البير عبد الله ايليا (57 سنة – لبناني)، ألفرد انطون حنا (34 عاماً – لبناني)، يوسف ابراهيم كشك (61 عاماً – لبناني)، فيلمون زكي درويش (38 عاماً – لبناني)، فكتور صالح لافي (47 عاماً – ايراني)، بهيج محمد علي الزين عبد الله (38 عاماً – لبناني)، ريمون ادمون تولنشد (31 عاماً – إيطالي)، ساسون ايلي سوفير (31 عاماً – عراقي)، وعزرا كوهين شمعون (40 عاماً – عراقي).

***

النشأة … من الأرجنتين إلى القدس

بات حدث تفكيك الشبكة الاسرائيلية حديث الصحافة، بعناوينها العريضة، لأشهر طويلة، حتى تحوّلت شولا كوهين من مجرّد جاسوسة برتبة مومس، إلى أسطورة تنسج حولها الحكايات، المتعددة الأغراض. ومن هنا اختلفت الروايات حول شخصيتها، وبداياتها في الجاسوسية، ونشاطها اللاحق، وإن كان ثمة خطوط عريضة، يمكن تتبعها لتحديد سيرة من باتت تعرف بـ”لؤلؤة الموساد”.

في كتابه ” شولا كوهين: أخطر جاسوسة إسرائيلية عرفها الشرق الأوسط”،  ينقل الصحافي اللبناني حاتم خوري – على ذمّته كمتابع للقضية – ما ورد في محاضر التحقيق الذي أجرته النيابة العامة العسكرية مع  “لؤلؤة الموساد”:

  • ما اسمك الأصلي، وكامل هويتك؟
  • اسمي زيلاما ابنة مايرو كوهين (معروفة باسم شولا كوهين)، وهو اسمي بالعبرية، ويعني سليمى، وقد دُوّن خطأ هذا الاسم في سجل النفوس، حيث أصبح زيلامي. والدتي اكرا. عمري 37 عاماً. مولودة في أميركا الأرجنتين، ومقيمة حالياً في بيروت في وادي أبو جميل بملك القزي. متأهلة من يوسف كشك. متعلمة واتقن العبرية والانكليزية والاسبانية والفرنسية. واحسن التكلم بالعربية. لبنانية التبعية. محكومة سابقاً بعشرين يوم حبس بجرم تسهيل وتهريب أشخاص إلى إسرائيل.

وفقاً للمراجع التي تناولت سيرة شولا (شولاميت) كوهين، فإنها الابنة الرابعة، من أصل 11 أبناً، لرجل الأعمال اليهودي المصري مائير كوهين، الذي هاجر الى الارجنتين في مطلع القرن التاسع عشر، ثم عاد إلى مصر، ومنها إلى القدس، ليتزوّج من اكرا، وهي ابنة حاخام.

وتشير بعض المصادر إلى أن شولا كوهين هاجرت، مع أهلها واخوتها، إلى العراق، حيث  تنقلت تلك العائلة اليهودية في عده مدن عراقية حتى أواسط الثلاثينات، ثم عادت إلى فلسطين، وعاشت فترة في مدينة حيفا، قبل أن تنتقل للعيش في القدس.

وفي هذا الإطار، يبدو الاختلاف في ما نسب إلى شولا كوهين من أقوال، بأنّها ولدت في الأرجنتين في العام 1917، وبين ما ترويه المصادر الأخرى، التي يقول بعضها إنها ولدت في مدينة القدس العام 1920.

ولكن هذا الاختلاف، لا ينفي وقائع ثابتة، من بينها أن “شولا كوهين” ترعرعت في القدس، وتحديداً في حارة اليهود، قبل أن تنتقل إلى حي وادي أبو جميل البيروتي.

وأمّا انتقال “شولا” إلى لبنان، فكان للزواج من التاجر اللبناني يوسف كشك، صاحب متجر للأقمشة في سوق سرسق، في العام 1936، أو بالأصح تزويجها من ذلك الثري، الذي كان يكبرها بعشرين عاماً، بعدما ساءت الأحوال الاقتصادية للعائلة.

ويوسف كشك هذا، كان من بين أفراد الشبكة التجسسية الذين القي القبض عليهم، وقد أنجبت منه سبعة أبناء، من بينهم اسحق ليفانون، الذي شغل في ما بعد منصب السفير الإسرائيلي في مصر.

***

البدايات… صهيونية في قلب بيروت

خلال التحقيق، أقرّت شولا كوهين بأن علاقتها الفعلية مع الاستخبارات الاسرائيلية بدأت قبيل نكبة فلسطين في أيار  العام 1948، وذلك بعدما سطع نجمها في المجتمع البيروتي، وباتت محطمة قلوب الرجال – والنساء معاً – حيث نسجت علاقات عدّة، سواء مع شبان يهود وغير يهود، من البيئة البيروتية، ثم تدرّجت في علاقتها المشبوهة نحو الطبقة المخملية، حيث باتت ضيفة دائمة على السهرات التي يقيمها رجال أعمال ومسؤولين بارزين في الدولة اللبنانية في أرقى الملاهي اللبنانية.

ولكنّ للحكاية جذور تبدأ من الاحداث التي سبقت ورافقت قيام الكيان الصهيوني في العام من أحداث، وما تلا ذلك من تطوّرات، اتصلت بسيرة  “أخطر جاسوسة إسرائيلية” في الوطن العربي.

وبحسب مراجع عدّة، بما في ذلك مذكرات شولا كوهين نفسها، فإن نشاط “اللؤلؤة”، قد يكون سبق تأسيس جهاز “الموساد”، لا بل ولادة الكيان الصهيوني نفسه.

وليس ذلك بالغريب، فالحركة الصهيونية أدركت منذ بداياتها أهمية العمل الاستخباراتي، كأكثر أساليب الحرب فتكاً بالعرب، فعملت على مستويين، الأول عسكري، تمثل في تشكيل العصابات المسلحة كال”هاجاناه” والـ”ارغون”؛ والثاني استخباراتي، تمثل في تجنيد عملاء يعملون لصالح القسم السياسي في “الوكالة اليهودية”، الذي كان مكلّفاً بهذا النوع من النشاطات، بقيادة إلياهو ساسون، اليهودي السوري.

وبالفعل، فقد قام القسم السياسي في “الوكالة اليهودية” بجهد مكثف لجمع المعلومات التفصيلية عن الفلسطينيين بشكل خاص، والمجتمعات العربية المحيطة بفلسطين، بشكل عام.

هذا العمل الاستخباراتي تطوّر بشكل ملفت، مع قيام إسرائيل، ففي كانون الأول/ديسمبر من العام 1949، كانت الولادة الرسمية لجهاز الموساد، عبر تشكيل معهد الاستخبارات والمهمات الخاصة. لكن التنظيم الاستخباراتي لإسرائيل بدأ عملياً، في الأيام الأولى لنكبة العام 1948، حين وزّع ديفيد بن غوريون المهمات الأمنية للكيان الصهيوني إلى ثلاث: الاستخبارات العسكرية، الـ”شين بت” (الامن الداخلي)، والاستخبارات الخارجية التي تأسست من خلال إلحاق القسم السياسي في “الوكالة اليهودية” بوزارة الخارجية.

وثمة ثلاث روايات لبداية نشاط شولا كوهين مع الاستخبارات الإسرائيلية.

وتشير الرواية الأولى، إلى أن شولا كوهين عملت في عيادة في تل أبيب، حيث تعرفت إلى ضابط إسرائيلي بولندي،  ارتأى تجنيدها في الاستخبارات الإسرائيلية،  فوافقت على الفور، وخضت لتدريب، قبل إرسالها إلى لبنان، بأوراق ثبوتية مزوّرة، حيث وصلت إلى بيروت، في العام 1947، نزلت في فندق “غراند أوتيل”، أشهر فنادق بيروت آنذاك ، ثم انتقلت إلى إحدى الشقق الفاخرة في بناية “الأمباسادور” الشهيرة، وعرفت عن نفسها أنها مندوبة لإحدى الشركات السياحية الأوروبية. وتعاني هذه الرواية من ثغرة أساسية، وهي أنها تتجاهل واقع أن شولا كوهين قد عاشت في بيروت كزوجة للتاجر يوسف كشف. وبالرغم من أن أصحاب هذه الرواية يقولون بأنّ زواج  شولا كوهين من يوسف كشك، قد تم بتدبير من الموساد، بعد عام على قدومها إلى لبنان، وذلك للتغطية على نشاطها التجسسي، إلا أن ثمة وقائع تدحض هذه الرواية، ومن بينها أنها أنجبت أحد أبنائها، السفير الاسرائيلي السابق لدى القاهرة اسحق ليفانون، من زواجها بيوسف كشك، في العام 1945، بحسب ما تفيد السيرة الذاتية لليفانون، الذي اكتسب لقبه (ليفانون)، على ما يبدو لأسباب أمنية، بالنظر إلى ترعرعه في لبنان.

أما الرواية الثانية، فقد وردت في كتاب الصحافي حاتم خوري، المشار إليه أعلاه، الذي يتحدث عن المغامرات الانثوية لشولا كوهين، في وادي أبو جميل، وتسللها إلى البيئة المخملية البيروتية، حيث تمّ تجنيدها، بعد سهرة صاخبة في إحدى الحفلات الساهرة، على يد رجل أعمال يهودي فرنسي يدعى جورج مولخو، وزوجته آن ماري. وإذ يستند خوري في ذلك إلى ما نُسب لشولا  كوهين في التحقيق معها، إلا أن الرواية تلك لا تختلف عن سابقتها في جانبين: الأول، أنها تتحدث عن ترعرع شولا كوهين في وادي أبو جميل من جهة، وعن زواجها المتأخر (بعد التجنيد) من يوسف كشك من جهة ثانية.

وأما الرواية الثالثة، والتي تبدو في بعض جوانبها الأقرب إلى المنطق، فتقول إنّها هي من بادر بالاتصال مع مشغّليها في تل أبيب، من خلال رسالة مقتضبة بعثت بها إلى المسؤولين الاستخباراتيين في الكيان الصهيوني، عبر بائع متجوّل، وجاء فيها: “اسمي شولاميت كوهين. اعيش في وادي ابو جميل في بيروت. اريد أن أساعدكم”، وذلك بالنظر إلى تعصبها للصهيونية من جهة، وحصولها على معلومات حول التحركات على الحدود الجنوبية من خلال أحاديث مع زبائن كانوا يأتون إلى متجر زوجها في سوق سرسق.

هذه الرواية تؤكدها مذكرات شولا كوهين نفسها، التي تشير إلى أمر الرسالة هذه، وأيضاً إلى أول لقاء بينها وبين مسؤولي الاستخبارات الاسرائيلية في مستعمرة المطلّة، التي تسللت إليها، برفقة “موسى العبد الله”، أحد شركائها، عبر بلدة الخيام، وهي الرحلة التي التقت خلالها بمشغّلها “ريزنيك”، فتقول “انتقلت بسيارة جيب من بيروت إلى الخيام. مكثت حتى ساعات الليل المتأخرة في منزل موسى نفسه، وكان رجاله يرصدون دوريات مراقبة الحدود لتأمين انتقالي”.

ومن المعلومات المتداولة عن شولا كوهين، نقلاً عن “مركز تراث الاستخبارات” في إسرائيل، فإنها عشية إعلان قيام الكيان الصهيوني، حصلت على معلومات عن استعدادات عسكرية لبنانية وعربية للحرب ضد إسرائيل، وشعرت أن بإمكانها أن تساعد في المجهود الحربي، فاتصلت لهذا بمسؤولين يهود في الاستخبارات العسكرية.

وسواء كانت هي من اتصلت بالاستخبارات الإسرائيلية، أم أن الأخيرة هي من بادر للاتصال بيها، فإن شولا كوهين مثلت حاجة ماسّة لإسرائيل، في تلك الفترة، لأسباب عدّة، أبرزها قلة المعلومات عن “العدو”، وقلة الجواسيس الذين يعملون لصالح الكيان الصهيوني في الدول العربية، بما في ذلك لبنان وسوريا، فضلاً عن أفكارها الصهيونية المتشددة، التي يُقال إنها نتيجة مقتل ابيها وأحد اشقائها، أو مقتل عشيقها، على ايدي الفدائيين.

***

عمل منظّم

في لقاء المطلّة، تم تكليف شولا كوهين بمهمّات محددة، أبرزها الاستمرار في جمع المعلومات عن التحركات العسكرية على الحدود اللبنانية-الفلسطينية، والمساعدة  على تهريب عائلات يهودية لبنانية وعربية إلى فلسطين المحتلة، بالإضافة إلى تهريب الأموال، فضلاً عن تشكيك شبكة تجسس قادرة على القيام بتلك النشاطات.

وبالفعل، عادت شولا كوهين إلى بيروت، لتمارس مهامها بشكل مكثف، وكان يعاونها مجموعة من الأشخاص، من بينهم جورج مولخو وزوجته، اللذين زوّداها بالحبر السري وغيرها من الحاجات التقنية للعمل التجسسي. وتدرّجت وسائل الاتصال بين شولا كوهين ومشغّليها، من استخدام الرسائل المكتوبة بالحبر السري واستلام رسائل مشفرة عبر الاذاعة الاسرائيلية، أو من خلال جهاز ارسال بشيفرة “مورس” المعدّلة، والتي سرعت عملية التواصل.

وخلال هذه الفترة، استغلت شولا كوهين علاقاتها في المجتمع اللبناني، لإقامة علاقات متعددة الاشكال مع مسؤولين وموظفين إداريين في الدولة اللبنانية، من خلال واجهتين، الأولى صالون اجتماعي كانت تقيمه في منزلها في وادي ابو جميل، وتدعو إليه علية القوم، حيث تقوم، بجانب مجموعة من الفتيات الفاتنات بترصّد الأحاديث السياسية والاقتصادية والعسكرية، أو من خلال شبكة دعارة، كانت تمارس عملها انطلاقاً من “بار رامبو” في شارع الحمرا، وبعض الشقق المفروشة في بيروت، وفي مرحلة لاحقة من خلال نادٍ للعب القمار باسم “كازينو أوليمبياد”، الذي استقطب مسؤولين كبار في النظام اللبناني، بما في ذلك قادة أحزاب يمينية، تعاونت معهم، حسبما قالت في مذكراتها.

اتسع نطاق عمل الشبكة الجاسوسية التي أسستها شولا، وتعددت مصادر التقارير والأسرار، وكانت تعاني من صعوبة نقل هذه المعلومات المتدفقة عليها إلى إسرائيل، فلجأت إلى تجنيد أحد اللبنانيين من سكان الجنوب، نظراً لسهولة تسلله إلى إسرائيل بالمعلومات والتقارير، من دون أن تثير تحركاته أحداً. وسرعان ما ضمّ هذا الشخص اثنين من اقاربه إلى الشبكة، التي باتت قادرة على التحرك بمرونة أكثر، إن في نقل المعلومات أو في عمليات التهريب.

ونجحت شولا أيضاً بتجنيد موظف يدعى “جورج أنطون”، وأسست جماعة تدعى “القوات اليهودية للدفاع عن النفس”، التي اخترقت الأحزاب اليمينية. وكانت أوليات المهام المطلوبة من شولا في بيروت، السيطرة على أكبر عدد من العاملين في مؤسسات الدولة بواسطة الجنس والمال، حتى إذا ما ترقوا في وظائفهم وأصبحوا ذوي شأن في صناعة القرار، تم تسخيرهم لخدمة شولا وكانوا مصدراً للمعلومات.

ومن المهام الكثيرة التي كانت تعمل عليها شولا بالتعاون مع عملائها، سرقه البنوك، وتهريب أموالها إلى إسرائيل. وكان ضابط الموساد الإسرائيلي “إدوارد هيس” مسؤولاً عن تنفيذ مثل هذه الأمور بالتنسيق مع شولا حيث استطاعا القيام بعدة عمليات جريئة لتهريب أموال اليهود اللبنانيين لإسرائيل، بوسيلة “إشهار الإفلاس”، فكانت البداية في تهريب التاجر اللبناني اليهودي إميل نتشوتو، بعدما سرق ملايين الليرات من البنوك والتجار اللبنانيين. ثم جاءت عملية تهريب إبراهيم مزراحي التاجر اليهودي الطرابلسي الشهير الذي هرب أيضاً مع الملايين من الليرات المسروقة إلى اليونان، ثم لإسرائيل، في حين بقيت خطيبته ليلى مزراحي في لبنان وتعاونت مع شبكة شولا لتنظم تهريب أموال أخرى إلى إسرائيل بما لها من علاقات بزوجات أثرياء اليهود.

ولكن الصحافي حاتم خوري يقول في كتابه أن نشاطات شولا كوهين اتخذت منحى أكثر خطورة، حيث تحدث افراد شبكتها عن هدف آخر هو “إيجاد جو سياسي وشعبي للصلح مع اسرائيل”!

***

صدفة تقود إلى رأس الخيط

في سلسلة “غابي لحود يتذكر”، التي نشرتها مجلة “الوسط” اللندنية في العام 2015، روى رئيس “المكتب الثاني” السابق للصحافي غسان شربل الخطوط العريضة لقضية “شولا كوهين”: “هي امرأة يهودية لبنانية، كانت تعيش في وادي بوجميل في بيروت وكان معروفاً أنها جاسوسة لاسرائيل، نجحت في إقامة علاقات واسعة، بما في ذلك في الوسط السياسي. كانت هناك شبهات حول نشاطها، لكن لم يكن لدينا أي دليل حسي. كنت أعمل مساعداً لرئيس الشعبة الثانية انطون سعد ومسؤولاً عن الأمن العسكري. أقامت كوهين شبكة تجسس وراحت تجمع المعلومات بواسطة مخبرين وجندت موظفاً لبنانياً اسمه محمود عوض عمل لها خصوصاً في الاتصالات التي لا تريد اجراءها شخصياً لتفادي افتضاح أمرها”.

ويتابع رئيس “المكتب الثاني”، الذي كان له دور بارز في تفكيك شبكة شولا كوهين: “حاول محمود عوض اختراق (الشعبة الثانية) وتعرف الى موظف مدني فيها اسمه ميلاد القارح وحاول تجنيده. أبلغني القارح فطلبت منه ان يتظاهر بالموافقة، وتوثقت علاقته مع عوض. بعدها صار عوض يدفع أموالاً للقارح … وسجلنا كل قرش حصل عليه من الاستخبارات الاسرائيلية. في النهاية تمكنا من تسجيل لقاء، وضبطنا محمود عوض وكوهين، ونجحنا في ضرب الشبكة”.

لكن التفاصيل المرافقة لضرب شبكة “شولا كوهين” لا يخلو من التفاصيل التي تقترب من أن تكون سيناريو ممتاز لفيلم سينمائي.

ومنذ تأسيس “الشعبة الثانية” في بداية عهد الرئيس فؤاد شهاب، بدأت الشكوك تحوم حول شولا كوهين.

ويشير الصحافي نقولا ناصيف في كتابه “المكتب الثاني في الظل” إلى أنه في عام 1960، قادت مصادفة غابي لحود إلى مفاجأة مذهلة. طلب وزير المال رشيد كرامي من الشعبة الثانية معلومات عن الموظف محمود عوض لشكوك في اختلاسه أموالا من صندوق الوزارة. فكلّف سعد غابي لحود المهمّة، وكان مسؤولاً عن بيروت ورئيسًا للفرع العسكري. أخضع هاتف عوض للمراقبة، فإذا بالتنصّت يكشف علاقة كانت تربطه بامرأة إسمها شولا، وبدا حوارهما غامضًا وتناول أحيانًا أسماء غامضة برموز وإيحاءات وألغاز.

تتقاطع هذه الرواية مع ما قاله الضابط في “المكتب الثاني” حينها، ووزير داخلية لبنان لاحقاً، سامي الخطيب،  من أن الشكوك حول شولا كوهين ترافقت مع فقدان عدد كبير من الأوراق وطوابع من وزارة المالية، فأوعز كرامي إلى الشرطة القضائية والمكتب الثاني بمراقبة الأمر والتحرّي عنه.

ويشير اللواء سامي الخطيب إلى أنها “لم تكن مهمة مخابرات الجيش، ولكن بسبب خطورة القضية تم تكليفهم بالتعاون مع الشرطة القضائية، وبالفعل قام رئيس شعبة المكتب الثاني العقيد أنطوان سعد بتكليف الملازم غابي لحّود لمراقبة إتصالات ومنزل ومكان عمل محمود عوض، وتم تكليف سامي الخطيب  والملازم عباس حمدان بالمراقبة.

لفتت المعلومات غابي لحود فطلب الاستقصاء عن المرأة فتبيّن أنّها يهودية لبنانية تقيم في حيّ وادي أبو جميل، وان إسمها هو شولا ماير كوهين. وكلّف لحود ميلاد القارح أحد المتعاونين مع الشعبة الثانية نسج علاقة مع كوهين.

وعبر عوض، الذي كان يعرفها منذ أوائل عام 1956، أصبح القارح صديقًا لشولا كوهين، ثم نجح في اقامة علاقة غرامية وهمية معها، واقنعها بأنه راغب في التعامل مع “الموساد”، ونجح في كسب ثقتها، لا سيما بعد خطأ غير مقصود ارتكبه أحد موظفي الجمارك في مطار بن غوريون.

تروي شولا كوهين في مذكراتها ما حدث بالقول: “قمت بتسهيل لقاءات سمعان بضباط استخبارات اسرائيليين في اكثر من دولة، وكانت اللقاءات تتم بشكل خاص في روما. رافقته في عدد الرحلات عبر تركيا، كما رافقته في رحلة الى تل أبيب. يومها ختم موظف الجمرك جواز سفري، ولم تكن عودتي الى بيروت ممكنة، لولا تدخل سمعان، الذي اتصل بصديق له، عمل على اصدار جواز سفر جديد بسرعة فائقة”.

في شهر تموز من العام 1961، بدأ “المكتب الثاني” في تنفيذ خطة ضرب شبكة شولا كوهين.

سكن الملازم عباس حمدان في الطابق الخامس من مبنى “الإمباسادور”، أي فوق شقة شولا فوراً، وكان يراقب سهراتها اليومية التي غالباً لا تخلو من لعب الميسر والدعارة، ولفته زيارة عدد من الشخصيات العسكرية والسياسية لها، وبعد فترة إكتشف أن لدى كوهين خطان هاتفيان، وهذا الأمر كان نادراً جداً آنذاك، ولايحصل إلا داخل بيت مسؤول كبير، كما أنه قام بوضع صحن لاقط على أرضية الشقة للإستماع إلى الأصوات والمحادثات التي تجرى داخل منزلها.

كما قام أحد عناصر من مخابرات الجيش يُدعى جان ناصيف بتحويل نفسه إلى بائع زهور تحت منزلها. ومعاون له آخر كان يتنكر بأنه بواب العمارة، فيما حين تولى غابي لحّود فقد تولّى مراقبة منزل محمود عوض في الروشة.

وأما مراقبة الاتصالات الهاتفية لشولا كوهين، فكشفت عن رسائل مشفرة كانت ترسلها تتضمن مواقع عسكرية، واسلحة للجيش اللبناني، وحتى أسماء ضباط عسكريين ومسؤولين في الدولة اللبنانية.

***

المحاكمة والتبادل

بعد أيام قليلة صدر الأمر من العقيد أنطوان سعد لمداهمة منازل المتهمين جميعاً.

اختر ليل السبت 9 آب من العام 1961، وهو يوم العطلة اليهودية حيث تكون شولا في منزلها مع عائلتها، وعند الساعة الحادي عشرة والنصف ليلاً وصلت قوة من الجيش اللبناني بقيادة الملازم حمدان إلى وادي ابو جميل، وإنتظروا ثلاث ساعات قبل مداهمة الشقة.

أما غابي لحود وصل مع عناصره إلى الروشة للقبض على محمود عوض، فيما تولى ضباط آخرون، بينهم سامي الخطيب، قيادة وحدات مداهمة أخرى، وبشكل متزامن، من بحمدون إلى بيروت.

فجر اليوم التالي، كان كل أفراد الشبكة التجسسية قد باتوا في قبضة “المكتب الثاني”، فبدأت التحقيقات معهم، حيث أقروا بتورطهم،  بإستثناء كوهين، التي ظلت متماسكة.

وبعد تحقيقات مضنية، لا سيما مع كوهين،  أصدرت المحكمة العسكرية في 25 تموز من عام 1962 حكماً على شولاميت كوهين بالاعدام، خفف إلى مدة عشرين عاماً،  ثم إلى سبع سنوات بعد تعديل قانون التهريب في لبنان، واعتبر زوجها شريكا معها وحكم عليه بالسجن، ثم أخلي سبيله بعدما استأنف الحكم لعدم وجود شهود. كما حكم على محمود عوض بالسجن المؤبد، في حين تراوحت الأحكام على باقي أفراد الشبكة بين سنتين وخمسة عشرة عاماً.

وفي العام 1962 تم ترحيل زوجها واولادها إلى قبرص قبل أن ينتقلوا من هناك إلى إسرائيل.

وفي العام 1963 توفي محمود عوض داخل السجن بظروف لا تزال غامضة.

لم تكمل شولا كوهين محكوميتها، فبعد حرب العام 1967، جرت مفاوضة بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي على أن تُسلم كوهين، إلى جانب شريكتها راشيل رفول ويهوديتين أخريين من بنات الليل، إلى السلطات الإسرائيلية، في مقابل تسليم الأخيرة 300 لبناني وقعوا في الأسر، بعضهم عند الحدود، وبعضهم الآخر في البحر، وتمت العملية بواسطة الصليب الأحمر الدولي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق