سياسة واقتصاد

“شياطين” الإرهاب و”تنانينه”.. محاولة لفهم الجغرافيا السياسية للإرهاب

  في كتاب “الجغرافيا السياسية الجديدة للإرهاب: الشياطين والتنانين”، يحاول ويليم هويكنسون، وجوليان ليندلي وجون سي ألين سبر أغوار هشاشة السلطة العربية ، والفراغ الذي خلفه غياب القوى الاستعمارية السابقة –  فرنسا وبريطانيا، بروز دور الولايات المتحدة.

يقول جوليان ليندلي في تدوينة له حول كتابه الجديد، إنّ الفكرة المركزية في الكتاب  هي “عدم استقرار الشرق الأوسط” بسبب تدخل القوى الغربية، وذلك عبر قادة غير أكفاء وفاسدين في المنطقة، والمهمة الجوهرية للكتاب، أن ينظر إلى ما يمكن أن يفعله الغرب ليقلل من تهديد الخطر على الشرق الأوسط وعلى نفسه والآخرين.

ويتناول الكتاب،  فشل السياسات الغربية في المنطقة، على مدى قرن من الزمان،  بدءاً من العام 1916، حين وقعت اتفاقية سايكس- يكو. ولتعزيز هذه الرواية، يضع الكتاب الصراع الحالي في سوريا والعراق في سياقه الإقليمي الاستراتيجي والجيوسياسي.

ويقصد الكتاب بـ”الشياطين” العديد من الجماعات الإجرامية والإرهابية في الشرق الأوسط، والتي تسعى للسيطرة محلياً أو إقليمياً.

أما  “القاعدة” و”داعش”، بحسب وجهة نظر الكتاب، فيمثلان ظاهرة جديدة نسبياً تتخطى التمييز بين المحلية والإقليمية والجيوسياسية، ولها جذور عميقة في كل من المجتمع السني، وطموح السلطات النظامية، وبهذه الطريقة وجدت العلاقة بين الإرهاب والجغرافيا السياسية.

أما “التنانين” في عنوان الكتاب، فالمقصود به الدول، حتى الضعيفة منها، في منطقة تصارع من أجل البقاء، ذلك أنّ هناك صراعاً استراتيجياً إقليمياً من أجل التفوق في الشرق بين تكتل تقوده إيران من جهة، وبين السعودية ودول الخليج من جهة ثانية.

على السطح نرى الصراع يعكس انقساماً طائفياً بين السنّة والشيعة، ولكنه في العمق يقود إلى حسابات واقعية أكثر من مجرد مسائل الإيمان.

وشدد الكاتب في تدوينته على أن مستقبل مصر هو أساسي لهذا الصراع، ولا يستبعد الكاتب وجود حرب في الشرق الأوسط، تستخدم فيها تقنيات مدمرة وتحدث تأثيراً مدمراً.

وحول تركيا، يقول جوليان في تقرير نشره  موقع “ديلي جورناليست” عن كتابه الجديد،  إنّ الأهمية الحيوية لتركيا تكمن في أنها أمن واستقرار أوروبا، وكذلك الشرق الأوسط،  والكثير من دول آسيا الغربية، تركيا أيضا عنصر حيوي في الناتو، ولا تزال أنقرة تتعاون في قضية اللاجئين حيث تستضيف 3 مليون لاجيء وهي تغير كثيرا من دول الاتحاد الأوروبي.

والغرب الذي يراه الكاتب “فاشلاً” في المنطقة لديه الكثير ليجيب عليه، والخلاف الرئيسي في هذا الكتاب،  أنه وللمرة الأولى منذ قرن، نجد الغرب الآن يتراجع  في المنطقة بقدر كبير، وقد مكّن هذا التراجع قوى خارجية مثل روسيا وبقدر أقل الصين، لاستغلال هذا الفراغ، واليوم تأثير أمريكا وأوروبا في أدنى مستوى لها في المنطقة، وبالتالي أوروبا بشكل خاص باتت فريسة للقوى المناهضة للغرب التي تغرس نفسها في المنطقة.

تراجع الغرب عن الشرق الأوسط له أوجه كثيرة بحسب الكاتب؛ فالأميركيون والأوروبيون غير متفقين على سياسة أو استراتيجية، وليسوا على استعداد لتخصيص مواردهم أو قوات لازمة لتغيير الوضع على الأرض، وأوروبا نفسها في تراجع واسع النطاق جيوسياسياً، للمرة الأولى منذ 400 عام، ولا تريد الدفاع، ولا تأمين نفسها، ولا الدخول في منطقة حيوية استراتيجياً لحماية أمنها. وكل هذا الفراغ لا يترتب عليه فقط جعل الشرق الأوسط مكانا أكثر خطورة، ولكنه يقود إلى خسارة تركيا، التي لا تزال عاملا حيويا في المنطقة كما كانت عليه منذ مئات السنين.

وبحسب الكتاب يوجد صراع كبير في الشرق الأوسط على السلطة بمستوى لم يحدث من قبل، والمنطقة حيوية لأي قرار في صراع محتمل، فأي قرار يتطلب سياسة منتقاة وتنسيقاً في الوقت والمكان تبدو كنوع من استراتيجية كبرى لم تُر منذ خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

ويخلص الكتاب إلى أربع خيارات سياسية أمام الغرب: إما ألا تفعل أوروبا وأميركا شيئا، أو تنظم دعماً ومساعدة إنسانية جادة، أو تتدخل عسكريا لهزيمة “داعش” وفرض حل على سوريا، أو تتعهد بإجراء عسكري وغيرها من التدخلات لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

وبحسب الكاتب لا يوجد خيار مما سبق جذاب أو مضمون النجاح على الرغم من ذلك، فما لم يكن الغرب جادا لإعادة الانخراط  في المنطقة باستخدام جميع الوسائل الممكنة والسبل المتاحة، وفي حالة عدم حدوث ذلك، فإن المعاناة لن تقتصر على شعوب الشرق الأوسط ولكنها ستمتد لأوروبا والعالم كله.

وسيجد العالم نفسه في نهاية المطاف يواجه عواقب هذا الفراغ في المنطقة بين الإرهاب الجديد ، والجغرافيا السياسية الجديدة،  والتي تعتبر مصدر رعب في المنطقة.

كتاب “الجغرافيا السياسية الجديدة للإرهاب: الشياطين والتنانين”،   تأليف مشترك من ويليام هوبكنسون المدير السابق للدراسات ونائب مدير المعهد الملكي للشؤون الدولي “تشاتام هاوس” في بريطانيا، ومساعد سابق لوزارة الخارجية البريطانية.

وجوليان ليندلي هو محلل استراتيجي ونائب رئيس جمعية “معاهدة الأطلسي”، ومؤلف العديد من الكتب بما فيها “دليل أكسفورد للحرب”، وكتاب “الناتو تحالف دائم”.

الكتاب 126 صفحة، أصدرته مؤسسة “روتليدج” البريطانية، مطلع العام الجاري.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق