ثقافة

شيللر.. المسرح ساحة لنقد الطغاة

لم تشهد ألمانيا في تاريخها الأدبي، ألمع من ذلك العصر الذي يغطي النصف الثاني من القرن الثامن عشر والثلث الأول من القرن التاسع عشر، تألق في سمائها نجمان ساطعان: جوته (1749 – 1832) وشيللر (1759 – 1805)، أما جوته فقد أتيح له عمر مديد، وأحاطه القدر منذ مولده بالظروف المواتية، فأبدع في كل الأنواع الأدبية أعمالاً أقل ما يقال عنها إنها ذخيرة من ذخائر الإنسانية، وأما شيللر فقد مات قبل أن يتم عقده الخامس من العمر، وتعرض منذ مولده لظروف صعبة، فعاش حياة المكافح العنيد، المطالب بالحق والحرية، وأبدع في الفن المسرحي أعمالاً رائعة.

كان يوم 13 يناير 1782 يوماً لا ينسى في حياة شيللر، بل في ألمانيا كلها، ففيه عرضت مسرحية «قطاع الطرق» باكورة أعمال شيللر على المسرح القومي، بحضور المؤلف الشاب الذي كان يعمل طبيباً في الجيش، لقد فقد المشاهدون السيطرة على أنفسهم أمام عمل جديد يتأجج بالعبقرية، وقد طبعت المسرحية عام 1781 وتكررت طباعتها إلى ما لا نهاية، من سعوا إلى التعرف إلى ذلك الشاب وجدوا أنفسهم أمام شاب معتدل خجول شديد التواضع، وقالت إحدى الفتيات «رأيت شاباً أشقر الشعر، أزرق العينين، متواضعاً تمتلئ عيناه بالدموع، ويتملكه الخجل، فلا يكاد يجرؤ على مبادرتنا الحديث، كان تواضعه يؤثر في أصدقائه وفي معارفه وفي كل من يلقاه، ولم يكن هناك شيء يثير خجله قدر تهافت الناس على تحيته، والتلويح له، ويقول أحد المخرجين المسرحيين: إن شيللر كان يختار الطرق التي يعتقد أنه سيكون فيها بعيداً عن الأنظار، فيسير فيها، وكان إذا صادفه من حيّاه، رد التحية بانحناءة مهذبة، مهما كان قدر من حيّاه، وكان يجمع إلى التواضع أدباً جماً، ورقة غير متكلفة وكرماً شمل به أصدقاءه ما مكنته يداه».

كان الحديث إذا دار عن العمل تحمّس، وإذا دار عن شخصه ونجاحه وشهرته، حوّله إلى العمل والمثل التي يسعى إليها، وعلى رأسها الحقيقة والحرية، لم يكن يقيم اعتباراً لذاته، بل لعمله، ويكفي أنه حين استبد به المرض في الثلث الأخير من حياته، لم يركن إلى الراحة، وكانت السنوات العشر التي سبقت وفاته هي أخصب سنوات حياته كلها، ويبدو أنه كان يعرف كيف يسيطر على آلامه في أثناء الكتابة.

يقول د. مصطفى ماهر في كتابه «شيللر حياته وأعماله»، إن شيللر شاعر مسرحي قبل أي شيء آخر، أتيحت له القدرة الفائقة على تقمص الشخصيات تقمصاً تاماً، وعلى تشكيلها تشكيلاً متكاملاً، وأتيحت له بعد ذلك القدرة الفائقة على ربط هذه الشخصيات التي يتميز كل منها بميزاتها الفريدة، ربطاً محكماً، يضع كل واحدة منها في مكانها، ويحركها في دائرتها، وإذا كان شيللر يفضل النغمة الخطابية، والجملة الحماسية، على ما عداها، ويوليها اهتمامه الأكبر، حتى أصبحت هذه النغمة الخطابية الحماسية من أبرز سمات مؤلفاته.

تطور نشاط شيللر الإبداعي، وتنقل من مرحلة إلى أخرى، ويتسم نشاطه الإبداعي المبكر بالثورية المباشرة والهجوم على الطغيان والقوى التي تنال من حرية الإنسان، وتعرقل سعيه إلى الحقيقة، وانتهت هذه المرحلة الأولى العنيفة إلى مرحلة ثانية تتسم بالكلف بالتاريخ وبمحاولة ربط الماضي بالحاضر، وأدت المرحلة التاريخية بدورها إلى مرحلة أكثر عمقاً هي المرحلة الفلسفية، وما لبثت هذه المراحل كلها أن اجتمعت كالروافد، تصب في النهر الكبير، وأتاحت للشاعر المؤرخ الفيلسوف قمة الإبداع في الأعمال الأخيرة.

كان شيللر يرجو أن يعيش حتى يبلغ الخمسين، ووضع خطة لحياته المستقبلية حتى عام 1809، دوّن فيها الأعمال التي يريد أن يكتبها، والمبالغ التي يرجو أن يحصل عليها، وكان في ذلك يريد أن يرتب لأسرته الأمور من الناحية المالية، حتى لا يتركها عرضة للمطالبين بالديون، وكان في ذلك الوقت شاحباً شحوباً مخيفاً، كان لون وجهه – كما يصفه المعاصرون – يميل إلى الرمادي، ومع ذلك كان يتحدث عن الموت دون خوف «لا يمكن أن يكون الموت شراً فهو شيء عام». وفي التاسع من مايو عام 1805 زادت حالة شيللر سوءاً، وكان يهذي بكلمات لاتينية غير مفهومة، ثم بدأت حصونه تنهار وسرت في جسده رعدة كالصدمة الكهربائية، وفاضت روحه في مساء ذلك اليوم، ولم يستطع أحد نقل الخبر إلى جوته، وحين انتهى الطبيب من تشريح جسد شيللر قال: «إن الإنسان ليدهش والحال هذه كيف استطاع المسكين أن يعيش هذه السنين»، وبعد موته انتشرت في ألمانيا النصب التذكارية تخليداً له، وحوّلت الأماكن التي اتصلت بحياته إلى متاحف، وخاصة البيت الذي ولد فيه، والبيت الذي عاش فيه سنواته الأخيرة، وكانت كلماته الباقية التي دخلت في ثقافة الناس كافة هي أعظم النصب التذكارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق