مجلة الكترونية عربية مستقلة

“صاعقات القلوب” … السيادة المصرية في مهب “كامب ديفيد”

لا شك في أن الإصدار المرئي الذي بثه “داعش – سيناء” تحت عنوان “صاعقات القلوب” قد أثار التساؤلات في مصر والمنطقة العربية حول امتلاك الجيش المصري في هذا القطاع من سيناء لخطة وتكتيك (دفاعييَن في الحد الأدنى) في مواجهة الجماعة التكفيرية المجرمة.

تساؤلات مشروعة وموضوعية عليها ألا تمتزج بالذعر أو اليأس، إذ أنهما رسالة المقطع، والأثر المرجو منه، مضافاً إليهما دفع الشباب المصري إلى العزوف أو الاعتراض على الخدمة العسكرية في سيناء، وهو ما يُفتَرض به أن ينتج عن الذعر أيضاً.

على أي حال أثبتت العديد من التجارب الميدانية على طول بلاد الشام والعراق أن بالإمكان إلحاق الهزيمة بـ”داعش” بلا إمكانيات عسكرية “فائقة التطور”، أو ضخمة، وكل ما رأينا من تهويل في هذا الشريط المصوّر، وغيره من الإصدارات السابقة، لا يعدو أن يكون شبيهاً بما صاحب ظهور “داعش” في بادئ الأمر، من تهويل إعلامي مشابه، بمقاطع مصورة لقطع الرؤوس وارتكاب المذابح وأكل الأكباد للتخديم على “صورة إعلامية” عن مقاتلين خارقي القدرات، ذوي بأس شديد، لا يمكن مواجهتهم أو هزيمتهم.

وسرعان ما قال الواقع كلمته، حين جرت مواجهتهم وهزيمتهم مرة تلو الاخرى على أيدي الجيشين العراقي والسوري وحلفائهما على الأرض، ولكن باستيفاء الشروط والمقدمات اللازمة لذلك، فما هي تلك الشروط والمقدمات؟

الحقيقة أن هذا السؤال ليس “إشكالياً” جداً كما يبدو للوهلة الأولى، خاصةً إذا ما علمنا أن “كل” ما يصدر عن “داعش” من عمليات ميدانية في سيناء ينحصر ميدانياً في قطاع سهليّ جغرافياً في المجمل، طوله الساحلي حوالي 50 كيلومتراً، من رفح المصرية إلى العريش، وعمقه حوالي 60 كيلومتراً نحو الجنوب، وصولاً إلى الشيخ زويد ومحيطها.

ويثير هذا التساؤل عن تجربة الجيش العربي السوري تحديداً في إطار جغرافيا صعبة، حَرشية وجبلية، وعلى عدد كبير من جبهات القتال، وليس جبهة واحدة كبيرة منقسمة لعدة جهات، كما هي الحال في المربع الجغرافي المصري المذكور.

ما يمكن استنتاجه بسهولة أن ثمة نقاطاً وخطوطاً للتجهيزات والتحضير والإمداد خارج القطاع المذكور، كجبل الحلال، الظهير المرتفع جغرافياً له، والذي قام الجيش المصري باقتحامه مؤخراً باعتباره غرفة عمليات وتخطيط للإرهابيين، من دون أن يؤثر ذلك على نشاط هؤلاء، بصرف النظر عن الإصدار المصور الذي تم إعداده خلال فترة طويلة بطبيعة الحال، وروعيت في صنعه وإصداره عوامل الحرب النفسية والتوقيت.

نعم يشير الإصدار المصوّر إلى دلالات بالغة السوء بخصوص تدريب وكفاءة القوات المصرية في سيناء: جنود لا يبدو أنهم في حالة جهوزية كاملة مرتبطة بـ”حالة حرب” فعلية، ويتمركزون بلا آلية دائمة لاستطلاع الهجمات، ومن ثم ردعها قبل حدوثها.

ولكن السؤال الأكبر والاستراتيجي: لماذا لم تنجح القيادة العسكرية المصرية خلال سنوات كاملة مضت في القضاء القوة العسكرية للتكفير جذرياً؟ وما الذي يتطلبه وضع خطة دفاعية تؤمن وجود الارتكازات العسكرية للمصريين بموازاة اخرى هجومية تكفل القضاء على قوى التكفيريين؟

ثمة إجابة متعلقة بالتدريب، إذ يبدو أن على القيادة العسكرية إخضاع كل جنود الوطن المتوجهين إلى سيناء لتدريب حربي كثيف متجاوز كثيراً جداً لمستوى التدريب العادي للقوات غير الخاصة وغير النوعية.

وثمة إجابة اخرى متعلقة بالأدوات والإمكانات غير البشرية للفعل العسكري، والمقصود وسائل وتقنيات الاستطلاع الالكترونية المتطورة، ونظم معلومات الجغرافية العسكرية (الخفيفة منها والثابتة)، ونظم إدارة ساحة المعركة، والتسليح ولا سيما الثقيل منه، بالإضافة إلى سلاح الجو، وهو عماد الحروب الحديثة، وهو أيضاً ما يتناقض تطويره وتوسيع استخدامه مع نموذج “جيش مكافحة الإرهاب” الذي تريد الولايات المتحدة حصر الجيش المصري في إطاره، باستخدام المعونة العسكرية، التي تعود على الطرف المصري كزبون بالاختيار بين سلع معروضة ومحددة مسبقاً واستلام ما يختاره تحت سقف محدد من المعروض وفقاً للمبلغ المُخصص والمعتَمد من الكونغرس دورياً.

تلك الإجابة الثانية مستحيلة عملياً والقيادة العسكرية المصرية مكبلة في تحقيقها لسبب مختلف عن “نقص الموارد المالية” تماماً، ألا وهو اتفاقية كامب ديفيد بسياقها الممتد منذ البداية حتى اللحظة الراهنة، على النحو الآتي :

جذور الموقف الحالي.. كيف بدأ القصور؟

حملت بنود معاهدة واتفاقية كامب ديفيد ملامح كارثية طبعت السياسة المصرية بطابعها منذ توقيع الاتفاقية حتى الآن، واستمرت المهزلة الكبيرة الذي أحدثتها موافقة الإدارة المصرية وقتها على مثل هذه البنود، وترسّخت وصولاً إلى مرحلة تبادر فيها إدارة اخرى، ولكن معبّرة عن نفس النظام القائم منذ 1974 حتى الآن، على إعطاء جزر مصرية ذات موقع استراتيجي فائق الأهمية إلى دولة اخرى صارفةً النظر عن محددات الأمن القومي المصري المرتبطة بجذور البلاد طبيعياً.

والحقيقة أنه يصعب فهم ما حدث بخصوص قضية جزيرتيّ تيران وصنافير المصريتين من دون فهم ما تم الاتفاق والتوقيع عليه في كامب ديفيد، فالبنود التي أخفتها الإدارة السياسية عن عموم المصريين، مكتفيةً بإطلاق الألسنة التابعة لها للدفاع عن الاتفاقية، التي لم تقرأها الغالبية الساحقة منهم. وتردد تلك الألسنة المخادِعة سردية بالغة البؤس والترهل تقوم على كون كامب ديفيد معاهدة “صورية”، وأنها ورقة لا تعني شيئاً. لم لا، وغالبية المصريين لا يعرفون حتى الآن أن تلك “الورقة” قد حددت لنحو أربعين عاماً وحتى الآن حزمة كاملة من السياسات والإجرائات تبدأ من المجال العسكري وصولاً إلى المجال الثقافي والإعلامي مروراً بالمجالين الإقتصادي والسياسي.

كما أن الاتفاقية المذكورة حددت منظومة كاملة من الضمانات لتنفيذ تلك الحزمة، والعقوبات حال عدم تنفيذها.

وفي الإطار ذاته، تم التعتيم على ردود أفعال وزيرين للخارجية المصرية مشهود لهما بالاحتراف والوطنية (إسماعيل فهمي ومحمد ابراهيم كامل)، اللذين قدما استقالتهما احتجاجاً على كارثية ما حدث خلال المدى الزمني لعملية الاستسلام، التي بدأت في الكنيست الصهيوني العام 1977، بعد أشهر من انتفاض المصريين ضد تسليم ثروات البلاد لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية، وانتهت في منتجع أميركي فاخر في العام 1979 بعد أشهر من اجتياح صهيوني محدود للأراضي اللبنانية (عملية الليطاني).

كذلك، جرى التعتيم على موجة رفض كبيرة سادت أوساط الديبلوماسية والسياسة الخارجية في مصر ممن علموا وقتها بالتنازلات الحيوية التي يقدمها رأس النظام على مائدة تفاوض جلس عليها منتصراً، فإذا به يوافق على شروط لا تُفرض إلا على مهزوم.

مظاهر قضاء كامب ديفيد على السيادة العسكرية البرّية لمصر في سيناء

نصّت اتفاقية “كامب ديفيد” على تقسيم سيناء إلى ثلاث مناطق محدودة التسليح ، على النحو التالي:

المنطقة “أ” على الضفة الشرقية للقناة، وممنوع أن يتواجد فيها أكثر من 22 ألف جندي مشاة، بتسليح متوسط في حالة وحدات المشاة الميكانيكية.

المنطقة “ب” في وسط سيناء، وهي أكبر المناطق وتشمل أغلب المساحة الشاسعة لشبه الجزيرة وممنوع أن يتواجد فيها غير قوات حرس الحدود، وبحد أقصى أربعة آلاف جندي، بتسليح خفيف فقط، ويُسمح بالمَركبات والمروحيات لأغراض الانتقال فحسب.

المنطقة “ج” على حدود فلسطين المحتلة، وهي منطقة منزوعة السلاح ومسموح فيها بتواجد الشرطة المدنية فقط، وذلك لأغراض الأمن الداخلي، وفيها محطات “دولية” للإنذار المبكر تشرف على نشاط وتسليح الجيش المصري في المنطقة، وهي أميركية بحكم الأمر، لكون الولايات المتحدة طرفاً ثالثاً ضامناً في المعاهدة وصاحبة النصيب الأكبر من “القوات الدولية” في سيناء.

وتنص المعاهدة على قيام طائرات تابعة للقوة “الدولية” المذكورة باستطلاع دوري للتفتيش والرقابة على النشاط العسكري المصري في المنطقة.

تنص أحد مرفقات الاتفاقية على حق الولايات المتحدة تحديداً بصفتها الطرف الوسيط الضامن في “اتخاذ الإجراء الذي تراه مناسباً” في حالة أي “انتهاك” من الطرف المصري للمعاهدة، من دون توضيح أو تفصيل ماهية الانتهاك المحتمل وحجمه، ومن دون أن يشمل هذا الحق الطرف الآخر أي اتخاذ إجراء ضد الكيان الصهيوني في حالة انتهاكه لها، بل على العكس، فقد وقّعت الولايات المتحدة مذكرة تفاهم مع الكيان الصهيوني بالتوازي مع كامب ديفيد، تتعهد من خلالها بإجبار مصر عسكرياً “إذا لزم الأمر” على الالتزام بشروط المعاهدة بالتدخل العسكري المباشر.

يعتمد مؤيدوا كامب ديفيد في تأييدهم على تجاوز الشروط السابقة بدءاً من العام 2011، ومع موجة الإرهاب التي تنامت في سيناء إذ تمت زيادة القوات والتسليح المصرييَن في المنطقة “ج”، ولكن الحقيقة أن الزيادة المذكورة تمت بدورها تحت أحد بنود الاتفاقية، وهو الالتزام بعدم تغيير الترتيبات المذكورة، عديداً وتسليحاً، إلا بموافقة المؤسسة العسكرية الصهيونية، أي أن زيادة أو تطوير تسليح القوات المصرية يلزمه أولاً “الاستئذان” الذي قد يواجه بالقبول أو الرفض، ويتطلب إتمامه وقتاً قد يطول أو يقصر.

ومن هنا نقرأ الاكتفاء الهجومي المصري باستقدام قوات خاصة ونوعية كل فترة لتنفيذ عمليات هجومية ومداهمات لنقاط ارتكاز مرصودة للتكفيريين، في ظل واقع حربي كامل يعيشه الناس والدولة المصرية في المنطقة “ج”، تحت ضربات الإرهاب التكفيري المتسارعة ومرنة الحركة، فالمواجهة الكاملة الكفيلة بسحقه تتطلب بطبيعة الحال إمكانات عملياتية ولوجيستية كبيرة في النقل والإمداد والتسليح والدعم الجوي القريب والمباشر المرافِق للعمليات البرية، ومراكز اتصال ونقاط استطلاع ورصد متطورة وبعيدة المدى، مع سقف مفتوح لاستخدام الطيران الحربي، وغير مقيِد لعدد العناصر العسكرية، التقليدية منها والنوعية، وإمكانية دائمة للتحرك والانتشار فائقيّ السرعة، فضلاً عن حرية كاملة في استخدام خيارات مفتوحة من التسليح كماً وكيفاً.

إن كل هذا يمثل ببساطة خطاً أحمراً أميركياً وصهيونياً برغم كل “الكلمات” الأميركية حول التعاون مع مصر والاعتماد عليها في “مكافحة الإرهاب”.

ولكن ثمة عاملاً آخر قد يبرز في بعض المواقف كأولوية على تلك المكافحة وهو أمن الكيان الصهيوني، وضمانة خلو محيطه الحيوي القريب من أي قوة عسكرية كبيرة وقادرة أو متطورة نوعياً.

بديهياً وبقراءة تجربة الجيشين العربي السوري والعراقي في مواجهة الإرهاب خلال السنوات الماضية، نصل إلى نتيجة بالغة الوضوح مفادها الضرورة القصوى لإنشاء قاعدة عسكرية كاملة (أو أكثر) تشمل مطاراً عسكرياً في المنطقة “ج” بالتحديد، وهو ما يستحيل مع الالتزام بكامب ديفيد بشكلها الحالي، ومن ثم تطول المواجهات العسكرية مع الإرهاب وتستنزف قوى الجيش المصري من دون مردود إيجابي حاسم يُذكر .

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.