ثقافة

صلاح الدين الأيوبي وحقيقة هدم الأهرام وإحراق “دار الحكمة”

 

تاريخ العالم هو تاريخ السلطة، لأن التاريخ – مع الأسف الشديد- لا يهتم بالشعوب ولا يحترم الضعفاء ولا يتعقب المغمورين، ولهذا السبب أيضاً، فإنّ التاريخ أكثره مزيّف ومزوّر وغالبيته أكاذيب، لأن الذي يكتب التاريخ هو السلطة… ولذلك تجد أعداء السلطة دائماً على خطأ ، والحق دائما إلى جانب السلطان ، والويل دائما للمهزوم لأن التاريخ من أتباع المنتصر”.

هكذا كان يري الكاتب الساخر الكبير محمود السعدني، كتابة التاريخ ، بحسب ما جاء كتابه الرائع مصر من تاني”.

مما لاشك فيه، أنّ التاريخ ممتلىء بالكثير من القصص والحكايات، التي يحتوي بعضها على مغالطات تاريخية، ويخضع في كثير من الأحيان إلى أهواء شخصية لكُتَابه ومؤرخيه.

واحدة من التلك القصص والحكايات لـ يوسف بن نجم الدين أيوب الشهير بـ”صلاح الدين الأيوبي”، أحد أبرز القادة العسكريين في التاريخ الإسلامي ، حيث تحمل سيرته –بحسب العديد من المؤرخين- مغالطات، ترسخت تعليمياً، وسينمائياً، بسبب عدد من غُلاة المؤرخين، جعلت البعض يضعه فى مرتبة ليست قابلة للنقد والإتهام.

من ضمن هذه الإتهامات التي  لحقت بصلاح الدين الأيوبي، و لم يتحدث عنها بعض المؤرخين، أنه عقب الإطاحة بالدولة الفاطمية، قام صلاح الدين بهدم عدد من الأهرام الفرعونية لإستخدام حجارتها في بناء  قلعته الشهيرة – والمعروفة حالية بقعلة محمد علي- وإحراقه لكتب الفاطميين  الموجودة في مكتبة “دار الحكمة”، التي كانت تحتوي على وثائق ومخطوطات مهمة تؤرخ بشكل أفضل لتاريخ وفترة حكم الدولة الفاطمية.

المؤرخ تقي الدين المقريزي، يقول في كتابه “خطط المقريزي” أن هناك عدداً كبيراً من الأهرام في منطقة الجيزة، هدمها صلاح الدين الأيوبي بأكملها، وأخذ حجارتها ليبني بها قلعته المعروفة باسمه، تحت سفح جبل المقطم، والسور المحيط بالقاهرة، مشيرا إلى أنه لم يتبق من هذه الأهرام أعظَمها، والمعروفة حالياً باسم هرم خوفو، وهرم خفرع، وهرم منقرع، وهي التي لم يقو الزمن ولا صلاح الدين على تدميرها.

في الواقعة نفسها، يُشير عبد اللطيف بن يوسف البغدادي في كتابه “الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة بأرض مصر” أنه قد حدث معه  في عهد صلاح الدين الأيوبي ما وصفه بـ”الحدث التاريخي”، والمقصود بذلك، واحدة من أبشع محاولات هدم الآثار، قائلًا: “هدم قاراقوش وكان وزيراً لصلاح الدين عدداً من الأهرام الصغيرة، وبنى بحجارتها قلعة القاهرة وأسوار عكا والقناطر الخيرية”.

ويضيف البغدادي في كتاب أن “الملك العزيز عثمان بن يوسف، وهو خليفة صلاح الدين، حاول هدم الأهرام كلها عام 1193، فبدأ بالهرم الصغير، فأوفد إليه النقابين والحجارين، وجماعة من عظماء دولته وأمراء مملكته، وأمرهم بهدمه ووكلهم بخرابه، فخيّموا عندها، وحشروا عليها الرجال ووفروا عليهم النفقات، وأقاموا نحو ثمانية أشهر بخيلهم يهدمون كل يوم بعد بذل الجهد، واستفراغ الوسع الحجر والحجرين.

 إحراق “دار الحكمة

أجمع عدد كبير من أساتذة التاريخ والآثار، أنه عقب الإطاحة بالدولة الفاطمية،  قام صلاح الدين الأيوبي بإحراق كتب الفاطميين، وتحديداً مكتبة “دار الحكمة” التي كانت تحوي عشرات الوثائق والمخطوطات المهمة، التي كان من شأنها أن تؤرخ بشكل أفضل لتاريخهم، ونجح في محو هذا التاريخ تماماً من أذهان المصريين.

أما الدكتور أيمن فؤاد السيد فيقول في كتابه “التطور العمراني لمدينة القاهرة منذ نشأتها وحتى الآن”  يقول : “صلاح الدين الأيوبي بعد أن استولى على مقاليد الأمور في مصر بعد ذلك بنحو قرن من الزمان، نقل القاهرة عما كانت عليه من الصيانة وجعلها مبتذلة لسكن العامة والجمهور، وحط من مقدار قصور الخلافة وأسكن ذويه وأمراءه في بعضها، وتهدم بعضها الآخر وأزيلت معالمه وتغيرت معاهده، فصارت خططاً وحارات وشوارع ومسالك وأزقة  على حد قول المقريزي.” على حد قول المقريزي.

ويضيف السيد أن صلاح الدين الأيوبي  لم يكتف بذلك فحسب، بل استولى على ما في القصور من خزائن ودواوين وأموال ونفائس، وأباح بيع كل ما وجد في القصور، حتى أنه باع كل ما خرج منها لمدة عشر سنين، كما اقتطع أمراءه وخواصه ما كان للفاطميين من دور ورباع. ويتابع “فقدت القاهرة مكانتها كمركز للحكم وأخذت الأنشطة التجارية والحرفية تتسرب إليها وتنتشر في موضع القصور الفاطمية حول الشارع الأعظم أو قصبة القاهرة. وتحول مركز المدينة القريب من الجامع الأزهر إلى منطقة تجارية.

ويستكمل السيد روايته قائلاً: “أدت التغييرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها القاهرة في العصر الأيوبي إلى إعادة تشكيل النسيج العمراني للمدينة، فشهدت هذه المنطقة مولد العديد من المدارس السنية التي بدأت في العصر الأيوبي (السيوفية والكاملية والصالحية) وازدهرت في العصر المماليكي، والعديد من الأسواق النوعية حتى أصبح موضع بين القصرين سوقاً مبتذلاً بعد ما كان ملاذاً مبجلاً- كما يقول المقريزي”.

الدكتور محمود إسماعيل أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب بجامعة عين شمس  يؤكد في ندوة عقدتها لجنة التاريخ في المجلس الأعلى للثقافة في شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 2010 إن “صلاح الدين الأيوبي أكثر من اضطهد الفاطميين عندما قضى على دولتهم، من أجل دولته الوليدة”، مضيفاً أنه “أحرق أعظم مكتبة أنشأها الفاطميون، وهي دار الحكمة التي كانت تضم الكثير من المخطوطات الدالة على فترتهم، وكان من شأن هذه المخطوطات أن تعرفنا أكثر بعصرهم”.

يقول المقريزي أيضاً في كتابه “خطط المقريزي” إنّ “السلطان صلاح الدين استولى على ما في الجامع الأزهر من فضة قدر ثمنها بخمسة آلاف درهم ثم استولى على كل ما وقعت عليه يداه من فضة في بقية المساجد وبقي المسجد الأزهر معطلا لا تقام فيه صلاة الجمعة مائة عام ولا تلقى فيه دروس العلم من باب أولى حتى أعادها الملك الظاهر بيبرس”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق