مجلة الكترونية عربية مستقلة

“طي الخيام”… خيام مطوية وحياة مفرودة

يعادل فعل الطي في مجموعة الكاتب حمدي ابوجليل “طي الخيام” (دار ميريت 2010) ، التوقف والسكون والموت المؤقت، وهو هنا  يحيل كل هذا الموات إلى حياة كاملة، مليئة بالكره والحب، بعبادة التقاليد، واعباء الماضي، وأزمة الحاضر، ولا كلام وأمنيات عن المستقبل. فالمعركة الدائره بين الماضي والحاضر على أشدها، ­­­­­­­­وغبار المعركة يحجب المستقبل ويواريه، هذا العالم الذي تدور فيه معظم قصص المجموعة.
هو عالم بدو رحلوا عن  صحراء ليبيا منذ مئتي سنة تقريباً، واستوطنوا صحراء الفيوم، وتتعدد الأقاويل (مثل أي ماضي) في سبب مجيئهم إلى هنا.

وسواء أكان جدهم الأول فرّ الى صحراء الفيوم من فُجر الايطاليين “خوفاً  علي خيمته وعرضه  وبناته البكاري، العذاري، التي لا تري الواحدة منهن الرجل إلا حين يضاجعها ليلة الزفاف”، أو رفضاً لتنصيب عمر المختار قائداً لقوات المقاومة، أوحتى جُبناً عن المناصرة وخوض الحرب، فقد جاءوا من الصحراء وأقاموا في صحراء، ولم تتولد أزمة حقيقية داخل أرواحهم، إلا عندما اختلط الطين بالرمل، فغاصوا في الأزمة.

في لحظة ما من التاريخ، أصبح هؤلاء البدو الذين يحملون السلاح  مهددين لحلم الدولة الذي حلم به الباشا محمد علي لمصر، ومن أجل أن يشيد دولته، أغراهم بترك الرمل والاقتراب من الطين والماء، فسحبهم من الرمل وثبتهم في الطين، فطووا خيامهم للأبد، والتصقوا بالنيل والأرض، وبقوا حتى الآن يخوضون لجج التيه والمتاهه.

ومن داخل هذا التيه والمتاهه الصحراوية  على حواف الطين وفوقه، يفرد الكاتب  خيمة قصصه المدهشة، معتمداً في قصص المجموعة كلها على أخص سمات القصة القصيرة وهي “التفرد”.

في القصه المعنونة بـ”أبي”، يقص الكاتب حكاية شاب بدوي  تتملكه رغبة شديدة في أن يقول كلمة “أبي” لأحد، ويشكل هذا الـ”أحد” على وفق ما يتمنى ويشتهي، ويستغني عن بناطيله، ويرتدي الجلابية الفضفاضة، وينزل على عادة البدو، ويخجل من حلق ذقنه أمامه، ويوعد نفسه أن يُحدث مشاكل لا أول لها ولا آخر، حتى يشكوه الناس إلى أبيه. فقد امتنع طوال عمره عن احداث المشاكل، ليس لأنه كان ولداً مطيعاً ولكن “خوفاً من رعشة المهانة التي احسها تضغط بقسوة على قلبي حين يشكوني الناس لأمي”. تلك طريقة الحياة التي قرر الابن أن يحياها في حضرة الأب البديل! لكن هل وجده؟! لقد توفرت صفات الأبوة كلّها في شخص واحد، يعمل مقاول أنفار في القاهرة، ويخص الشاب البدوي بمعاملة خاصة، تفرقه عن باقي الأنفار، وحين يتهيأ الشاب ليقول الكلمة له، لا يستطيع أن يقولها… لماذا ؟! لأن الماضي في قلبه عائشاً! إن مقاول الانفار فلاح من نجعهم “وهذا يدمر الرغبة في قولها من الأساس”، فالخيمة مطوية على الأرض، ولكن الصحراء تملأ الروح كلها وتسكنها، ولا فكاك منها، ولا مهرب ،حتى بعدما ترك نجعه وجاء ليعيش في القاهرة.

وهذا يقوده  إلى أن يستعرض اللفظ الذي سيقوله للأب البديل. سيقول له “باتي” كما يقول البدو، أم سيقول له أبي، أم سيقول له بابا! انظر الى المهابة  التي يقولها البطل عن احساسه بكلمة “باتي” البدوية:  “البدوي حين يقول كلمة باتي ترتفع عيناه إلى السماء مع وجود لمسة ابتهال وخضوع واضحة”.

في النهاية يدرك البطل أن الأزمة ليست في اللفظة، ولا في نطقها، ولا في الصفات التي سيضفيها على الأب البديل… الازمة كلها في الأب الغائب، أي في ذلك الماضي البعيد الذي يشكل حنينه ووعيه، ولا يجد مهرباً من هذا الحنين سوى أن يرجع طفلاً، ويجمع اصدقاءه ويضربهم بقسوة “ليدلوني على رجل -أي رجل- فأناديه بهذه الكلمة المهيبة  نفسها التي تختال على شفاههم حين يرون آباءهم”.

ثم أن البطل  يعرف سبب التيه، ومن فعل به كل ذلك، لكنه يعرف أنه سيظل غائباً، لذا يتساءل في يأس “هل يمكن أن يدلوني عليه هو… هو بالذات؟!”.

وفي قصة “عمي عطوة” ستجد يسوعاً جديداً معادلاً لـ”كاكي اكاكيفتش” بطل قصة “المعطف” لـ”جوجول”. إنه رجل عجوز، “آخر أبناء البدو الذين اكتشفوا أن جفاف لهجتهم الصحراوية لا يناسب طراوة حواف القري التي استقروا فيها إلى الأبد” فبقي صامتاً، لا يستطيع أن يغيّر لغته الأم الجافة، ويخجل من ترديد لغة فلاحين هذه القرى، وكانت لدى هذا العجوز أمنية تتلخص في أن يقابل الاذاعية الشهيرة  آمال فهمي، في برنامجها “على الناصية”، ويطلب منها أن تتوسط له لدي المسؤولين،لكي يمنحوه “كارنيهاً” يسيح من خلاله في قرى مصر ومدنها!

انه يسوع الذي أدرك  أن المكان الذي وَطّنهم فيه محمد علي باشا هو الذي صنع الازمة، ويتمنى أن يغادره ويرتحل، فربما وجد مكانا آخر يستطيع فيه أن يقول لغته الجافة، أو ألا يخجل من نفسه حين يتفوّه بلغة الفلاحين. لكن يسوع يدرك أن صليبه مثبت في روحه، وسينتقل معه أينما ذهب، لذلك كان “يتمناها بنبرة تناسب الأحلام التي لا يمكن تحقيقها على الاطلاق”

في الجزء الأول من قصص المجموعة “مراسم تسليم الدية”، “أمي”، “خود”، “فمي”، “انت الخفير”، أمسك الكاتب بـ”جماعته المغمورة”، التي تشبه تلك الجماعات المتوافرة عند كُتاب القصة، أمثال موباسان (التي كانت جماعته المغمورة هي البغايا) وانطون تشيخوف (الذي كانت جماعته المغمورة متمثلة في المدرسيين والأطباء في روسيا القيصيرية)، لكنه  أفلتها من يده عامداً، وطامعاً في الرحلة، وقادماً إلى القاهرة! هذه المدينة التي  تمثل “اللامكان” لكل الأرواح المثقلة بالماضي العابرة لها، حيث تدور معظم قصصه التي تشكل الجزء الثاني من المجموعة، وهي “دم غزير”، وهي أكثر قصص المجموعة دهشة وفناً، و”بخار الشاي”  و”الزعيم ” التي تختلف لغتها عن لغة باقي المجموعة، اذ تميل إلى الكلّية، واستخدام الواقعية السحرية في القص، و”أسراب النمل”  و”مسألة بسيطة”  و”تفاصيل”  و”لحظاتي “، وهي كلها قصص تدور حول روح البطل البدوي الذي جاء إلى القاهرة، واقام فيها، فيما بقيت الخيمة مطوية في روحه!

ثم يعود الكاتب إلى العالم مرّة أخرى، ويختتم مجموعته بقصة “بطل وحيد”، وهي حادثة مهمة في حياة بطل شعبي هناك اسمه “عولة”، والحادثة باختصار أن “عولة” وابن عمه “معيوف” كانا جائعين وعطشانين، وأفنيا وقتاً طويلاً في الصحراء للبحث عن صيد، وجاءهما الصيد على هيئة تاجر يسكن الريف  المجاور، ويسير وحده، معه عشرة جمال محمّلة، واذ تُنكر تقاليد البدو مهاجمة صيد كهذا، فانتفض عولة (لكنه عابر وحيد في وطننا،  ضعيف في حمانا، والحر لا ينهب سوى الأقوياء)، ويصر معيوف على رمي تقاليد الأباء البالية، ومهاجمة التاجر، لكن الأخير يقتله بخبطة هائلة من عصاه. هنا لا يتردد عولة عن الانتصار للماضي، فيرمي من بندقيته رصاصة تستقر في قلب التاجر، إذ “دم البدوي يتلوى كافعى هائلة تشتت مضارب القبيلة”، واذ يعود ساحباً جثة ابن عمه والعَشرة جِمال المُحملة، تستقبله القبيلة كبطل عظيم، وتتناول الألسنة سيرته كفاتح عظيم، من دون أن يقص أحد شيئاً عن موضوع النهب الذي خالف العادات والتقاليد التي تحكم الانسان البدوي!

هل عولة سارق أم منتصر لدم بن عمه البدوي؟ ألم يكن بإمكانه أن يمنع معيوف عن مهاجمة التاجر ومخالفة التقاليد؟ ماذا لو أنه قصد الأمريين معاً – ايقاع ابن عمه في شرك مخالفة التقاليد، وايقاع التاجر في شرك مخالفة التقاليد – ليصير هو وحده “بطل وحيد”؟

هنا ازدواجية في التفكير واضحة، لكنها قد تكون  “تعويذة ناجعة لكل بدوي يرتحل الارتحال النهائي، ليس في شعاب الصحراء هرباً من قبائل أشد بأساً، أو طمعاً في مراع أكثر سخاءً، ولكن لاستقرار دائم على حواف المدن”.

إن الازدواجية  التي في روح هؤلاء البدو  الطاوين لخيامهم، مردّها إلى ازدواج الطبيعة نفسها، فالصحراء والرمل في ذاكرتهم لم ينبذوها ويتخلصوا منها، والطين والفلاحيين بجوارهم  وهم مع كرههم الشديد لهم وتعاليهم عليهم، داخلوهم وصاحبوهم وهزوا رؤوسهم أسفاً على الزواج منهم، وظلت خيامهم مطوية وكامنة في قلوبهم، وبيوتهم مشيّدة بجوارها… وبين الخيمة والبيت يهرس الانسان ويفرم، ولم يأت السلام بعد، فهي أزمة مكافئة لأزمة الانسان، أزمة اي انسان في هذه الحياة، وأزمة أنّى ولي الانسان وجهه وجد نفسه محاطاً بالماضي والحاضر، وفي وجهه دائماً ينتظرالألم! هذا عالم انساني مدهش وغريب ومتفرد .

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.