آراء وترجمات

عاشت قبرص!

على هامش ردود الفعل على الاعتداءين الإرهابيَّين اللذين استهدفا إسبانيا:
بعض الأصدقاء يُريحون ضمائرهم حين يحصرون سبب الإرهاب في أميركا وإسرائيل. يلتفتون إلى الظروف الموضوعيّة ويغيّبون تغييباً شبه كامل الظروف الذاتيّة، كأن لا مسؤوليّة أبداً تقع على عاتق الدول التي تدعم الحركات الإسلاميّة المتطرّفة وتُخصّص سنوياً مئات ملايين الدولارات لنشر الفكر الديني المتطرّف، ولا على عاتق الدول التي حوّلت مجتمعاتها إلى سُجون كبيرة لا قيمة فيها لأيّ مخلوق إلاّ بمقدار ولائه وبمقدار تَقبُّله لعبوديّته وكأنّها هِبَة نزلت عليه من السماء. تلك الأنظمة التي لم تبنِ، منذ الاستقلالات الوطنيّة حتى اليوم، مدرسة واحدة بالمعنى الحديث للكلمة، هي التي أوجدت الظروف الملائمة لتفشّي الجهل والأمّيّة والبطالة، ولانتشار التديُّن الأعمى الذي تحوّل هو أيضاً أداة قهر وعنف وظُلم.
بعض الأصدقاء يُفاضل بين مجرم ومجرم، بين مجزرة وأخرى. يدين هذه ويبرر تلك، أو، في أحسن الأحوال، يغطّي عليها، والويل لمن لا يُشاطره الرأي…
ليس جديداً القول إنّ العالم العربي يعيش اليوم، ومنذ عقود من الزمن، في ظلّ مُفرَدَتين اثنتَين: التخوين والتكفير، وهما مُفردَتان من قاموس حافل بمُفرَدات القتل.

في طريقه إلى الجنّة، يمرّ الانتحاري بشارع مكتظّ بالمارّة، بأُناس لا يعرفهم ولم يلتقِ بهم من قبل (رجال ونساء، شباب وصبايا وأطفال يتنزّهون أو يَعبرون). يوجّه شاحنته المُسرعة نحوهم ويدهسهم.
الذين يموتون يتخلّصون من الخوف لا الذين ظلّوا بالصُّدفة أحياء.
هل من طريق أخرى إلى الجنّة غير هذا الجحيم؟

جئنا إلى قبرص للاحتفال بزواج سمير مخلوف (إبن أخي) وجيسيكا سلهب. الإثنان من طائفة واحدة ولا يستطيعان أن يتزوّجا في بلدهما زواجاً مدنياً. “بلد الأبجديّة والأرز الخالد”. البلد الذي لا يعرف كيف يتخلّص من عَوادِم طوائفه الأثريّة ومخلّفاتها…
عاشَت قبرص.

الذي يمضي، لنتركه يمضي. كالنهر لا نحرفه عن مجراه. كالغيمة السارحة. الذي يمضي حتّى لو عاد إلينا، لن يعود. لأنّه من جهة الغياب عائد. يلوِّح به كلّ لحظة، بعدما كان الغياب، في الماضي، سرّاً وراء إشراق وجهه.
يمضي الوجه ويبقى جماله. ينطفئ المصباح ويبقى النور.

الذي يمضي لنتركه يمضي. لا نتعقّب أثره ولا نناديه. ولا نتحسّر على عدم قولنا له الكلمة الأخيرة.
ولِمَ الانتظار وهو أصبح خارج انتظارنا له. حُرّاً، طليقاً؟
خارج الانتظار، لا يعود من حاجة إلى الآخر الذي نفرغ منه كمن يطبق كتاباً وينام. ثمّ حين نصحو نرى الوقت الذي لا يُرى. نراه يعبر من أمامنا ومعه أجسادنا جميعاً. مطعونةٌ هي تلك الأجساد ولا تسيل منها الدماء.
الذي يمضي لنتركه يمضي.

تلك الظهيرة، وقفتِ على شاطئ البحر. أرخيتِ رأسكِ إلى الوراء والتفتِّ إلى أعلى حيث تحوم النوارس. ذلك النورس بالذات، وكان يحاول الاقتراب منكِ. يقترب ويصيح ولا يجرؤ على الاقتراب أكثر. كأنّه لا يجرؤ على اختراق حدود غير مرئيّة. وأنتِ جامدة في موضعِكِ. كنتِ تصرّين في وقفتكِ على معرفة ما يريد إيصاله إليكِ. على علوّ منخفض يطير مترنّحاً منسكباً، ثمّ فجأة يجمد في مكانه، فوق رأسكِ تماماً، ومنقاره مصوَّب نحوكِ.
بعد أن أطلتِ التحديق به، تلتفتين إليّ وتقولين: “الطير الذي في عليائه هو أنتَ. لكن لماذا لا تتقدّم؟ لماذا تنظر إليّ كأنّكَ لا تعرفني. تشتهيني من بعيد كمن يشتهي امرأة غيره. تَقدَّم. تَعال وخُذني”…

من يمضي لنتركه يمضي ولا نتعقّب أثره. من الآن فصاعداً سيكون بلا أثر. خفيفاً كالهواء. الذي يمضي لا يعرف أنّه يمضي. يسير على الدرب ذاتها التي جاء منها.

لنتركه يذهب من يريد أن يذهب. نلتفت إليه محفوراً في داخلنا. نَضِراً كما كان يوم كان. نلتفت إلى الداخل نجد فيه ما لا يجده هو في نفسه.
الذي يمضي لنتركه يمضي بسلام.
(من كتاب “رسالة إلى الأختَين”)

عيسى مخلوف

*مواقف ومحطات الكاتب عيسى مخلوف تبعاً لصفحته في “فيسبوك”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق