العرب والعالم

عامان على التدخل الروسي في سوريا: نصر قريب على الإرهاب

في 30 أيلول العام 2015، أعلنت روسيا عن بدء عملية واسعة لمكافحة الإرهاب في سوريا، وذلك من خلال سلسلة ضربات جوية أولية استهدفت تجمعات تابعة لتنظيم “الدولة الإسلامية”.

بعد عامين على هذا الانخراط العسكري غير المسبوق منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، تؤكد القيادة الروسية إنّ العملية تدخل مرحلتها النهائية، وأن الانتصار على المجموعات الإرهابية قريب جداً، في وقت يجمع المراقبون على أن التدخل الروسي في الصراع السوري أدّى تغيير جذري في موازين القوى، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أن الجيش السوري الذي يتمتع بدعم جوي روسي استعاد السيطرة على 85 في المئة من أراضي البلاد.

هذا التغيير الدراماتيكي تظهره الوقائع الميدانية بشكل جلي، إذا ما نُظر إليها على نحو بانورامي، فقد أدّت روسيا، من خلال عملياتها العسكرية، دوراً أساسياً في تقويض الجماعات الإرهابية، وتشتيت قواها، بعدما الاندفاعة الكبرى التي حققتها خلال الفترة السابقة على بدء التدخل الروسي.

وعلى مدار العام الثاني من التدخل الروسي، تمت استعادة السيطرة على مناطق واسعة في سوريا، كانت تحت سيطرة الإرهابيين، أبرزها حلب وتدمر، فيما سمحت السيطرة على مدينة عقيربات فتح الطريق إلى دير الزور، حيث تمّ كسر الحصار الذي فرضه “داعش” طوال ثلاث سنوات علىتلك المدينة، ما مكّن الجيش السوري من بدء عملية واسعة لاستعادة السيطرة كامل المحافظة الشرقية.

على هذا الأساس تبدو التوقعات الرسمية الروسية بشأن فرص النجاح في إنجاز عملية مكافحة الإرهاب أكثر تفاؤلاً، في حين يبقى التحدّي الرئيسي في كيفية ترجمة هذه الانتصارات الميدانية على النحو الذي يضمن تحقيق التسوية السياسية التي من شأنها أن تنهي الحرب المستمرة منذ العام 2011، والشروع في عملية إعادة إعمار سوريا.

من حلب وتدمر.. إلى دير الزور

التحوّل الكبير، الذي أفرزته الحملة العسكرية الروسية في سوريا، كان في حلب، فالمدينة الواقعة في شمال سوريا، والتي تعد بمثابة العاصمة الثانية للبلاد، تعرضت لهجمات المسلحين ابتداءاً من العام 2012، حتى بات نصفها تقريباً تحت سيطرة المجموعات المسلحة، بحلول نهاية ذلك العام. وبرغم استمرار القتال في حلب طوال السنوات الثلاث اللاحقة، إلا أن أية تغييرات جوهرية في الوضع لم تحدث حتى خريف العام 2015، حين شنت الطائرات الروسية الضربات الأولى ضد أهداف إرهابية في محافظة حلب، ما مكّن الجيش السوري من شن هجوم مضاد واستعادة قاعدة كويرس الجوية في نوفمبر / تشرين الثاني.

وفي صيف العام 2016، بدأ الجيش السوري عملية واسعة النطاق بهدف استعادة السيطرة على حلب. وفي تشرين الأول / أكتوبر، بدأت روسيا في إنشاء ممرات إنسانية للسماح للمدنيين بمغادرة المدينة، لكن المسلحين فتحوا النار مراراً على من يحاول الهرب. وفي تشرين الثاني / نوفمبر، شن الجيش السوري عملية واسعة النطاق لاقتحام المدينة، انتهت في السادس عشر من كانون الاول / ديسمبر، باعلان قيادة الاركان العامة الروسية عن “تطهير  حلب من الارهابيين”.

وعززت استعادة حلب فرص التوصل إلى تسوية سلمية للنزاع في سوريا، إذ وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العملية بأنها أكبر جهود انسانية فى العالم الحديث.

وبمجرد انتهاء العملية، قال بوتين إن روسيا تخفض وجودها في سوريا. وبالفعل، أعلنت روسيا، في السادس من كانون الثاني/يناير العام 2017، عن إرسال حاملة الطائرات “الادميرال كوزنيتسوف” في مهمة خارج سوريا، وهو ما حدث أيضاً مع مجموعة من السفن الحربية الروسية الأخرى.

ومع ذلك، فإّن العمليات العسكرية الروسية استمرت في مناطق أخرى في سوريا، بالنظر إلى التطورات الميدانية التي شهدتها جبهات القتال منذ ذلك الحين. ففي الوقت الذي انصب التركيز الرئيسي لوحدات الجيش السوري على جبهة حلب، أخفقت محاولات صد الهجوم المفاجئ للإرهابيين على مدينة تدمر، بعد أشهر على استعادة السيطرة عليها (آذار/مارس 2016). وأمام الواقع الجديد، كان لا بد من خوض المعركة في تدمر مرّة أخرى، وهو ما حدث بالفعل ابتداءً من الأول من آذار/مارس الماضي. وفي اليوم التالي دخل الجيش السوري والمجموعات الحليفة – مثل “حزب الله” تدمر، بغطاء جوي وبري من قبل القوات الروسية. وفي اليوم ذاته، أبلغ وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الرئيس بوتين بأنّ عملية استعادة السيطرة على تدمر اكتملت، وأنّ دير الزور، ستصبح النقطة الرئيسية على خريطة سوريا، في حسم المعركة النهائية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”.

لم يكن ممكناً البدء بعملية عملية دير الزور من دون السيطرة على عقيربات، باعتبارها مركز النقل الرئيسي، ومقر القيادة للإرهابيين في شرق محافظة حماه. وكان المسلحون قد حولوا عقيربات إلى معقل رئيسي، مع وجود شبكة متطورة من الانفاق تحت الارض يتراوح طول كل منها بين 100 و 800 متر، ونظام متعدد المستويات من التحصينات والمخابئ والملاجئ.

وفي محاولة الاحتفاظ بالسيطرة على عقيربات، استخدم الإرهابيون عددا غير مسبوق من الانتحاريين، بعشرات العمليات اليومية (ما بين 15 و25 عنصراً يرتدون أحزمة انتحارية وأربع أو خمس مركبات محملة بالمتفجرات). ومع ذلك، تمكن الجيش السوري من السيطرة على هذا المعقل، وتأميل جميع الطرق المؤدية إليه.

وخلال العملية الهجومية، قامت مجموعة الطيران الروسية بتنفيذ اكثر من 300 ضربة ضد المسلحين.

ومع فقدان السيطرة على عقيربات، لم يعد الإرهابيون قادرين على إعادة تجميع قواتهم، وتلقي الذخائر والإمدادات، في حين تمكن الجيش السوري من الوصول إلى دير الزور، الذي كان محاصراً بالإرهابيين قبل ثلاث سنوات.

كان على حامية المدينة أن تصد كل الهجمات المنهجية من قبل الإرهابيين. وبمجرد أن استجابت روسيا لطلب الرئيس السوري بشار الأسد للانضمام إلى عملية مكافحة الإرهاب بدأت طائرات النقل العسكرية طلعات عدّة لإسقاط إمدادات إنسانية إلى دير الزور. وقد قدمت الامم المتحدة بعض المساعدات التى نقلتها جوا الى دير الزور.

وفي 5  أيلول/سبتمبر الماضي، قامت القوات السورية بقيادة العقيد سهيل حسن بكسر حصار الدولة الإسلامية على دير الزور. دعمت روسيا القوات السورية على الأرض بضربات جوية وصواريخ “كاليبر” التي أطلقتها فرقاطة البحر الأسود “الأميرال إيسن”.

وبعد ثلاثة أيام، قامت الطائرات الروسية بقصف مركز قيادة ومركز اتصالات، وتصفية أربعة من أمراء “داعش”، من بينهم “وزير الحرب” غلامورود خاليموف.

وفي 14 أيلول/سبتمبر، سددت القوات الروسية ضربة جديدة بصواريخ “كاليبر”، من الغواصتين “فيليكي نوفغورود” و”كولبينو”.

وفي 26 أيلول/سبتمبر ساهمت قاذفات استراتيجية من طراز توبوليف -95MS في العملية عبر إطلاق صواريخ موجهة من طراز X-101، في ضربات أدّت إلى تدمير مراكز القيادة الإرهابيين، وكمية كبيرة من العناصر المقاتلة ومستودعات العتاد والذخائر.

وحتى الآن تم ابعاد المسلحين إلى مسافة تتراوح بين  5 و 7 كيلومترات من حدود مدينة دير الزور خارج نهر الفرات.

وفي احدى الاعتداءات الإرهابية، قتل قتل رئيس مجموعة من المستشارين العسكريين الروس، هو الجنرال فاليري اسابوف، في في 23 ايلول/سبتمبر، ويعد أول ضابط روسي رفيع المستوى يُقتل في الصراع في سوريا.

وبحسب وزارة الدفاع الروسية، فإن الجنرال أسابوف هو العسكري الروسي الثامن والثلاثين الذي يقتل في في سوريا خلال العملية المستمرة منذ 24 شهراً.

دور أميركي مريب

برغم أجواء التوتر، لم يحدث أي احتكاك ميداني مباشر بين الولايات المتحدة وروسيا في سوريا، فالمسؤولون العسكريون على اتصال لمنع وقوع حوادث جوية في السماء فوق سوريا. ولكن على خلفية الفتور والرفض الواضح للدعوات الروسية بتوحيد الجهود من أجل تشكيل جبهة واسعة وموحدة في الحرب على الإرهاب، يمكن سماع الشكوك في مختلف المنصات الدولية، أكثر من أي وقت مضى، بأ، الأهداف الحقيقية للولايات المتحدة في سوريا مختلفة تماما.

وقال المسؤولون الروس والسوريون أكثر من مرة أن النصر على الإرهابيين في دير الزور كان يمكن تحقيقه بتكلفة أقل بكثير فيما لو حصل ذلك بتعاون مع “التحالف الدولي”.

وبحسب ما قال مبعوث سوريا لدى الامم المتحدة بشار الجعفري فإنّ الولايات المتحدة وحلفاءها، وجماعات المعارضة المسلحة التي يدعمونها، علّقت العملية لاستعادة الرقة من الارهابيين، ونقلت قواتها الى منطقة دير الزور لمنع الجيش السوري من السيطرة الكاملة على المدينة.

وبحسب الجعفري، فإنّ الطائرات الأميركية قدمت منذ عام الدعم الناري لمسلحي “الدولة الإسلامية” لمهاجمة مرتفع استراتيجي يسيطر عليه الجيش السوري بالقرب من دير الزور.

بدوره، أعرب وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف عن اعتقاده بأنّ أولويات الولايات المتحدة في سوريا قد تغيرت، فهي تسعى حالياً إلى منع الجيش السوري من السيطرة على الحدود مع العراق، بعد هزيمة “الدولة الإسلامية”.

ويرصد الخبراء الروس مؤشرات في الاتجاه ذاته، ففي حزيران/يونيو ا لماضي، قال رئيس إدارة العمليات الرئيسية في الأركان العامة الروسية سيرغي رودسكوي إن الجماعات المسلحة التابعة لـ”الدولة الإسلامية” بالقرب من تدمر ودير الزور تمكنت من تعزيز  قدراتها العسكرية إلى حد كبير لأن “التحالف الدولي” أعاق هزيمتها من قبل الجيش السوري .

وفي 19 أيلول / سبتمبر، قالت وزارة الدفاع الروسية أنها رصدت دعماً استخباراتياً أميركياً لهجوم كبير شنته “جبهة النصرة” في منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب، بهدف تعطيل تقدم الجيش السوري في دير الزور، كما حاصرت فصيلة من الشرطة العسكرية الروسية، تضم 29 عسكرياً، وقد قامت مجموعة كوماندوس خاصة، تتمتع بالدعم الجوي، بإحباط الهجوم، ونقل عنصار الشرطة العسكرية إلى مكان آمن. وقد اصيب ثلاثة من رجال الشرطة الروسية بجروح فى العملية.

وذكرت وزارة الدفاع الروسية ان روسيا لم تتلق اى تفسيرات معقولة من الولايات المتحدة بعد بشأن الوضع في اعقاب اشتباكات بالقرب من دير الزور.

واعترف المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في سوريا، ستيفان دي ميستورا، بأن دير الزور والمنطقة المحيطة بها تحولت إلى مشهد للمواجهة بين الجيش السوري وما يسمى بـ”قوات سوريا الديمقراطية”  التي تحظى بدعم من الولايات المتحدة.

التسوية السياسية

مهد تحرير حلب الطريق أمام محادثات الهدنة، ونتيجة لذلك وقعت الحكومة السورية وجماعات ممّا يسمى بـ”المعارضة المسلحة” اتفاقات لوقف إطلاق النار والأعمال التحضيرية لمحادثات السلام، وقد دخلت هذه الهدنة حيز التنفيذ في منتصف ليل 30 كانون الأول/ديسمبر العام 2016.

وفي 22 شباط/فبراير الماضي، تبنى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي السابق باراك أوباما بياناً مشتركاً بشأن وقف إطلاق النار في سوريا، ابتداءً من 27 شباط/فبراير. وتعهد الطرفان بالتأثير على القوى السياسية في نطاق نفوذ كل منهما من أجل وقف الأعمال القتالية. وأعلنت الغالبية الساحقة من الجماعات المسلحة التي تقاتل تحت رعاية الجيش السوري الحر موافقتها على الهدنة ابتداء من 27 شباط/فبراير.

وقبل ساعة من الموعد النهائي، اعتمد مجلس الأمن بالإجماع قراراً يؤيد إنهاء العمليات القتالية في سوريا.

وسمح شكل جديد للمحادثات في العاصمة الكازاخستانية أستانا، اقترحه الرئيس الروسي، بتحقيق نتائج أكبر بكثير في ستة أشهر، مقارنة بالمحاولات السابقة التي دامت سنوات طويلة. وتمكنت الدول الضامنة – روسيا وتركيا وإيران – من جلب العديد من قادة المعارضة المسلحة السورية إلى العاصمة الكازاخستانية. وكان من أهم نتائج محادثات أستانا فصل المعارضة المسلحة عن الإرهابيين، وهو أمر طلبت روسيا من الولايات المتحدة القيام به خلال العامين الماضيين.

وبدلا من قتال بعضها البعض، بدأت جماعات المعارضة السورية في التوحد في العمليات القتالية ضد الإرهابيين والانضمام إلى القوات الحكومية في عملياتها.

وقد وضعت عملية أستانا مشروع دستور سوريا الجديد، بالاضافة إلى تشكيل اللجان الوطنية للمصالحة في جميع أنحاء البلاد، وأربع مناطق لتخفيف حدة التصعيد في محافظة إدلب، والغوطة الشرقية في دمشق، ووفي جنوب غرب سوريا.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان اقامة مناطق لتخفيف التوتر ساعد فى منع العنف، وضمان احترام وقف اطلاق النار، واصفاً ما تحقق بأنه “انجاز رائع” جمع أطراف الصراع السوري حول طاولة المفاوضات في أستانا لإجراء مناقشة مباشرة.

ويولى اهتمام كبير للجان المصالحة الوطنية المسؤولة عن معالجة قضايا المصالحة محليا، ما يمكّن الأطراف المتصارعة من إجراء حوار مباشر. وتضم اللجان سلطات الحكم الذاتي في المقاطعات والمعارضة المسلحة.

اعادة الاعمار

ويجري العمل على شكل أولي من إعادة الإعمار، حيث يتم اصلاح البنى التحتية – إمدادات المياه والطاقة الكهربائية  في المقام الأول – بشكل تدريجي، فيما تحتل المؤسسات الاجتماعية، مثل المدارس والمستشفيات، صدارة قائمة الأولويات العليا للسلطات السورية.

كما يجري العمل على اعادة الآثارات والمعالم التاريخية إلى حالتها الأصلية، فبعد تحرير تدمر، على سبيل المثال، شارك خبراء روس في إصلاح وترميم المباني والمنشآت والأثارات في هذه المدينة التاريخية، ثم وصل الباحثون إلى استنتاج مفاده أن الآثار المعمارية الثقافية المدمرة، مثل معبد بيل وقوس النصر يمكن استعادتها، لكن المسلحين فجروا ما بقي من القوس الأثري عندما استولوا لفترة وجيزة على المدينة للمرة الثانية. وبهدف إجراء تقييم دقيق لحجم الخسائر، يقوم معهد التاريخ الثقافي في الأكاديمية الروسية للعلوم بإنشاء نظام للمعلومات الجغرافية في تدمر، في مسعى قد يساعد على استعادة المدينة القديمة إلى حالتها الأصلية.

وثمة جهود أخرى تبذل في مناطق أخرى، مثل القلعة الصليبية في حمص، والجامع الأموري في دمشق، وبلدة معلولا المسيحية.

النصر القريب

تأمل موسكو في أن ينتهي الكفاح ضد الإرهابيين في غضون أشهر.

وقال رودسكوي إن إنهاء حصار دير الزور أكمل هزيمة إحدى أقوى جماعات “الدولة الإسلامية” ويعتقد رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي كونستانتين كوساشيوف أن الضربة الجوية الروسية في دير الزور كانت بمثابة تحول نفسي وعسكري درامي في الوضع في سوريا، وهو سبب قوي للقول إن الحرب الأهلية في هذا البلد تقترب من نهايتها.

وحول فرص المصالحة، تقول وزارة الخارجية الروسية إنه لا ينبغي السماح بتفكيك سوريا بأي وسيلة، وإلا فإن سلسلة من ردود الفعل ستتبع في كل منطقة الشرق الأوسط.

وتركز الجهود الدبلوماسية الآن على عملية التسوية السلمية، في حين يؤكد القادة العسكريون الروس والسوريون عزمهم على المضي قدماً في العمليات العسكرية حتى القضاء على آخر إرهابي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق