مجلة الكترونية عربية مستقلة

“عشق المجوس”… ما تقوله رائعة دا فينتشي المنسيّة

سمحت عملية ترميم للوحة “عشق المجوس” بإظهار تفاصيل مهمّة تحت الطلاء، وهي الرسوم الأصلية التي وضعها ليوناردو دا فينتشي، في عمله الفني الذي ظل منسياً.

حين شرع ليوناردو دا فينتشي في رسم لوحة “عشق المجوس”، لم يكن الفنان الإيطالي قد أتمّ الثلاثين من العمر، لكنّه قدّم، برغم صغر سنّه، واحدة من أهم روائع الفن التشكيلي في التاريخ.

ليس من قبيل المبالغة القول إنّ “عشق المجوس” تضاهي في عظمتها، وأيضاً في أسرارها، اللوحة الأكثر شهرة لدا فينتشي، وهي “الموناليزا”، والتي ما زالت حتى اليوم قبلة السيّاح في متحف اللوفر.

“عشق المجوس”، التي يحتضنها معرض اوفيزي في فلورنسا منذ العام 1670، ظلت شبه منسيّة لقرون ، ليس بفعل الإهمال، وإنما ببساطة، لكون دا فينتشي لم يكملها أصلاً، بعدما اضطر إلى مغادرة فلورنسا للعمل في ميلانو، تاركاً لوحة مرسومة بالزيت على الخشب، بطول 2.45 متر، وعرض 2.46 متر.

تحفة ليوناردو دا فينشى، وهى لوحة طولها 2.43 متر وعرضها 2.46 متر، طلبها دير سان دوناتو فى سكوبيتو من الفنان وكانت أول طلبية رئيسية له، الا ان عبقرى النهضة لم يتمكن من انجازها لانه استدعى للعمل فى ميلانو عام 1482.

ورسم دافينشي هذه اللوحة، التي تجسد السيدة مريم مع طفلها يسوع، وهما محاطين بالزوار، بين العامي 1481 و1482، وذلك بطلب من رهبان أوغسطينيين من دير سان دوناتو ميلانيزي في فلورنسا.

“عشق المجوس” ظهرت مجدداً، في آذار العام 2017، بعد ست سنوات من التجديد، لتصبح أكثر نظافة وإشراقاً، وذلك في عملية معقدة،

لا تقتصر أهمية تلك العملية المعقّدة التي نفذها فريق من “أوبيفيشيو ديل بيتر دوري”، وهو معهد البحوث والحفظ في وزارة الثقافة الايطالية، على الشق الترميمي فحسب، وإنما في ما كشفته من خطوط رسمها دافينتشي، ويمكن من خلالها التعرف إلى العمل كاملاً.

مدير معرض أوفيزي، أوضح تلك المسألة، في تصريحات أدلى بها للصحافيين، يوم تمّت إزاحة النقاب عن اللوحة المُجددة، قائلاً “لم يقتصر الامر على استعادة اللوحة لمعالم اضافية لم تكن ظاهرة من قبل، بل استعادت أيضاً حيزاً مكانياً عميقاً، فهي لم تعد عادية وبسيطة كما كانت، بل نرى أشكالاً ومعالم في الامام والوسط وفي الخلفية… ومع كل هذا نرى الحيوية في العمل الفني مرتبطة مع بعضها البعض جنبا الى جنب”.

وبحسب خبراء أوبيفيشيو ديل بيتر دوري”، الذين درسوا اللوحة، فإنّ فإنّ عملية الترميم سمحت بإظهار تفاصيل مهمّة تحت الطلاء، وهي الرسوم الأصلية التي وضعها ليوناردو دا فينتشي، ولاسيما أيادي الشخصيات الواردة فى اللوحة.

في عددها الأخير (تشرين الثاني – كانون الأول 2017)، خصّت مجلة “لوموند – الأديان” الفرنسية الشهيرة مقالة خاصة للحديث عمّا تحويه “عشق المجوس” من تفاصيل فنّية، وذلك بعين ايفا بينسارد، خرّيجة مدرسة اللوفر، والصحافية المختصة بالفنون.

أولى ملاحظات بينسارد لامست الإطار العام للوحة “عشق المجوس”، باعتبارها “تجسيداً شخصياً للغاية” من قبل دا فينتشي لثيمة الملوك المجوس الثلاثة، الذين شهدوا على الحدث الكوني، المتمثل في ولادة السيد المسيح في مغارة بيت لحم.

وعلى عكس الايقونات الكنسية القديمة، ولوحات الفنانين في العصور المختلفة، لهذا المشهد الانجيلي، فإنّ دا فينتشي قدّم عملاً فنياً، تبدو مشهديته عاصفة جداً، على نحو مناقض لذلك المشهد الهادئ، الذي غالباً ما يظهر الملوك الثلاث يسيرون في موكب بسيط باتجاه مغارة بيت لحم في ليلة الميلاد، أو يحيطون بصمت وخشوع بمهد الطفل يسوع المحتضن من قبل مريم العذراء والقديس يوسف النجار.

يمكن تفسير الرسالة التي أراد دا فينتشي من خلال ذلك المشهد الصاخب أن يجسّدها في لوحته، وهي الانقلاب الكبير الذي أحدثه ميلاد الطفل يسوع في الحالة الانسانية، والفوضى التي اعترت تلك الانسانية الغارقة في “الخطيئة الأصلية”، التي جاء السيد المسيح ليخلّصها منها.

قدّم دا فينتشي عملاً فنياً، تبدو مشهديته عاصفة جداً، على نقيض اللوحات التقليدية التي تجسّد ميلاد السيد المسيح.

وتشير بينسارد، في معرض شرحها للوحة دا فينتشي، إلى أن الفنان الإيطالي سعى من خلال “عشق” إلى الدمج بين الحدث الانجيلي الأول، المتمثل في ميلاد الطفل يسوع، وبين “الابيفانيا”، أي تلك اللحظة التي تجسّدت فيها الطبيعة الإلهية للسيد المسيح، والتي غالباً ما ترتبط، في الليتورجيا المسيحية، بيوم تعمّده على يد القديس يوحنا، في نهر الأردن.

ثمة تفاصيل اخرى يمكن استخلاصها من قراءة التخطيط الفني لـ”عشق المجوس”، فقد صوّر دا فينشي مريم العذراء والطفل يسوع في المقدمة، ليشكلان، مع الملوك الساجدين، مثلثاً هرمياً، نقطة الارتكاز فيها عين السيدة مريم، وتمتد خلفه نصف دائرة من الشخصيات المصاحبة.

ويتضح من ذلك أن نمط المثلث الهرمي، الذي يتوسط اللوحة، قد بدأ باكرا مع ليوناردو دا فينتشي، وهو ما تتسم به الكثير من أعماله، واشهرها على الإطلاق لوحة العشاء السري.

أما في الخلفية، فتظهر  إلى اليسار أطلال مبنى كلاسيكي، ثمة من يعتقد أنه يرمز الهياكل الوثنية من جهة اليسار، فيما يعتقد البعض الآخر أنه إشارة مرجعية الى كنيسة ماكسنتيوس، التي تقول الأسطورة التي كانت سائدة في القرون الوسطى، إنّ الرومان تنبأوا بانهيارها في اللحظة التي تلد فيه مريم العذراء ابنها المخلص، وبالتالي يفترض أن تكون قد انهارت في ليلة ميلاد المسيح (في الواقع لم تكن الكنيسة قد بنيت في هذا الوقت بحسب الكثير من المراجع التاريخية”.

وأما في الجهة اليمنى من الخلفية، فتظهر اللوحة خيالة في وضعية قتال، عند مكان صخري، ويمكن تفسير حضورهم، باعتباره إشارة إلى حالة الاضطراب التي سادت حين استشعر هيرودس الخطر على عرشه، حين أنذره عرّافوه بولادة ملك العالم، وهو ما جعله يرسل جنوده لذبح الأطفال الحديثي الولادة، وفق الرواية الانجيلية.

وفي وسط الخلفية شجرتان، الأولى هي شجرة النخيل التي يمكن ربطها بمريم العذراء، ويرجع ذلك جزئياً إلى عبارة “أنت قامة كشجرة نخيل” من نشيد سليمان، أو يمكن ربطها بما يمثله النخيل من رمز للانتصار في روما القديمة، وانتصار الشهادة في المسيحية. أما الشجرة الأخرى فهي الكروب، التي كانت تستخدم ثمارها وبذورها كوحدة قياس للمجوهرات والأحجار الكريمة، وهي ترتبط بالتالي مع التيجان التي تشير إلى المسيح ملك الملوك، أو العذراء كملكة المستقبل من السماء.

يمكن اعتبار “عشق المجوس” واحدة من أغرب لوحات ليوناردو دا فينتشي، وأكثرها خصوبة في التراكيب، فهي تجمع بين شخصيات من الرجال المسنين والفرسان المسلحين، وتحوّل مشهداً في الكتاب المقدس إلى مشهد بانورامي شامل لتاريخ البشرية.

Leave A Reply

Your email address will not be published.