مجلة الكترونية عربية مستقلة

عمرو دياب .. بين الخفة والثقل

حين سُئل الشاعر الكبير صلاح جاهين  عن الشاعر الكبير فؤاد حدّاد،  والمقارنة بينهما، أجاب كالتالي: “حدّاد أشعَر… ولكن أنا أشطَر”.  ومن صلاح جاهين نستعير مفردة “أشطَر”،  للتدليل على المطرب الفنان عمرو دياب، الذي يعدّ، بحق، من “أشطَر” أبناء جيله، من المطربين.
المتأمّل لعمرو دياب، سيكتشف أنه ليس أمام مطرب فحسب، بل أمام مؤسسة بكاملها. مؤسسة يشغلها في النهاية الإطار، فمنذ اللحظة الأولى، والإطار هو الموضوع لدى عمرو، فلا موسيقى عنده من دون إطار يتفق وطبيعة اللحظة التي يغنّيها.
تجربة عمرو دياب كبيرة ومتنوعة، وتمتد لأكثر من ثلاثين عاماً، فمنذ انتقل إلى القاهرة، والتحق بالمعهد العالي للموسيقى في العام 1982،  ظلَّ، حتى هذه اللحظة، يبحث عن نفسه في ما يقدّمه، وكان دائماً ما يكتشف نفسه في التخفف أو التحرر من الثقل.
لعمرو دياب خفته، وإن كانت تختلف عن خفة ميلان كونديرا، ذلك أنّ الخفّة لدى كونديرا تعني التحرر من الافتعال الذي يخنق الروح، بينما هي لدى عمرو تعني  التقرّب  إلى ذاته البسيطة، لذا كان دائم التنقل من صوت إلى صوت آخر، من “فورم” إلى “فورم” مختلف ، ومن صورة إلى أخرى، فإذا تأملنا تجربة عمرو دياب، منذ أن بدأ في تسجيل أول ألبوم كامل في العام 1983 – وقد حمل إسم “يا طريق” – وحتى آخر ألبوماته، سنكتشف في كل مرة، محاولة جديدة للتخفف والبعد عن كل ما هو رمزي لصالح الصورة التي يرسمها في مخيلته عن الغناء.
ادّى عمرو دياب، من خلال تجربته، أغنيات  نستطيع أن نسمّيها فواصل ونقلات مهمة، كما قدّم أغنيات كانت أقرب إلى الهشاشة، أي أنّنا نستطيع القول إنّه إبن صورتين: الصورة المتغيّرة على مستوى الأفكار الموسيقية، والصورة الثابتة على مستوى الأفكار المكتوبة، في ما عدا  الأغنيات التي تعامل فيها مع  شعراء كان لهم أثرهم الأكبر في سيرة  الأغنية المصرية… لكنه استطاع، برغم ذلك، أن يصبح حديث العالم بتجربته الممتدة، والتي مهما اختلفت مع أجزاء فيها، فلن تستطيع أن تلغي تأثيرها المذهل على العالم بأجزائه.

صانع الذكريات

عمرو عبدالباسط عبدالعزيز دياب ، والمقسوم في التسجيل بين محافظتين، الأولى بورسعيد، وهي محل الميلاد، الذي كان في الحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر عام 1961؛ والثانية محافظة الشرقية، وتحديداً مدينة منيا القمح –  وهي مدينة الأهل أي أصل العائلة-  يشغل في  ذاكرة كلّ شابٍ أو متلقٍّ جزءاً ليس بسيطاً، فالمطرب الذي يمكنه أن يشتبك بتجربة مع متابعيه، يكون في هذه اللحظة شريكاً في الصورة الكلّية  للشريك المستقبِل، بوصفه هو الآخر شريكاً مُرسلاً، فالكثير منّا عاش الحب بتفاصيله، بمصاحبة أغنيات عمرو دياب .


البداية كانت من هنا… في العام 1983، حيث اللقاء مع ألبوم “يـا طـريـق” ، وهو من الألبومات المهمة في مسيرة دياب، إلا أنه لم يحظَ بالشهرة الكبيرة. الألبوم كان من الأعمال الغنائية الناضجة على مستوى الأفكار الشعرية  والموسيقية، حيث تعامل عمرو دياب مع الشعراء عبدالرحيم منصور، الذي قدّم له أغنيتين هما “ياطريق”  و “نور ياليل”، والإثنتين كانتا من ألحان الموسيقار هاني شنودة. كذلك قدّم مع الشاعر عصام عبدالله ثلاثة أغنيات هي “المدينة”، “الحياة” ، و”وقت وعشناه”، والثلاثة من  ألحان عزمي الكيلاني، بالإضافة إلى أغنيات “الزمن”، التي سبق أن سجّلها كأغنية فردية في العام 1982، أي قبل صدور الألبوم بعام، و”أحضان الجبال”،  والإثنتين من كلمات الشاعر هاني زكريا وألحان هاني شنودة، و “أحلى يا دنيا”، من كلمات عوض الرخاوي وألحان ياسر عبدالحليم، وقد قام بتوزيع الألبوم كاملاً الموزّع الموسيقي الموهوب عزيز الناصر.
كان الألبوم يحتفي بالأفكار الفلسفية المرتبطة بالبحث عن الجديد الفني والمختلف، وكانت أولى خطواتنا في الحب مع “يا طريق يا طريق.. ماشيين يا طريق.. بقلوب عطشانة أمل وسماح”، فالكثير منا يتذكّر كيف كان وَقعُ أغنيات الألبوم في نفسه، بل كنا نردّد منه “وقت وعشناه.. إنت وأنا ..جرح حفرناه .. لباقيت عمرنا.. دلوقتي خلاص.. مواعيدنا خلاص.. بتدق خلاص.. أجراس حزننا”،  وهي من كلمات الشاعر الراحل عصام عبدالله، وهو من أهم ما أنجبت التجربة الغنائية المصرية على إطلاقها.
ذكريات ما زالت صامدة أمام أي ريح تحاول أن تمحوها أو تختصرها في مجرّد لحظة ماضية أو قديمة.

المغنّي

يُعتبر عمرو دياب النموذج الأمثل لصورة المغنّي، كما ينبغي أن يكون، فهو في الأساس يغنّي، وهذا سرُّ خفّته الخاصة –  والخفة هنا بالمعنى الإيجابي – فنراه يحاول أن يتخلّص من كل ما هو مُلغز وأسطوري، ليصبح إبن التفاصيل الفنية البسيطة، إذا تجاوزنا البداية التي كانت إبنة روح أخرى. لقد خاصم عمرو دياب هذا المدار الفني على مستوى الأفكار، ليَعبُر إلى الناس مباشرة دونما تنصل من عمق التجربة الأولى.
أصبح عمرو دياب مطرب الشباب عن جدارة بألبومات (“خالصين” – “غني من قلبك” – “هلا هلا”)، قدّم في  معظمها الكلمة البسيطة المباشرة، والألحان الإيقاعية، التي لا تحتاج إلى مجهود ذهني كبير فى إستيعابها. كان الشاعر الراحل مجدي النجار هو رهان تجربة عمرو دياب، التي اختلفت مع تجربة ألبوم “يا طريق”، فالنجار كان يعرف الوصول إلى المتلقّي من دون عناء.
كانت أغنية “ميّال”  للشاعر مجدي النجار والملحن حجاج عبدالرحمن،  هي بداية الإنتشار الفني. كان ذلك في نهايات العام 1988، وتحديداً في آخر شهر كانون الأول/ديسمبر، أي في آخر يوم من السنة الوتيرة.
ومن “ميّال” إلى “شوّقنا”، يظلّ المُغنّي مع حالته البسيطة  ينشد الناس والجماهير بصراحة واضحة.
وأودُّ أن أشير إلى أنّ “ميّال” كانت بداية عمرو دياب في التعامل مع الفنان والموسيقي الموهوب حميد الشاعري، كما أنّ صدور ألبوم “شوّقنا” ترافق مع بداية عمرو دياب السينمائية في العام 1989، من خلال ظهوره في فيلم “العفاريت” مع مديحة كامل، ليبدأ صورة أخرى في برواز جديد، هو برواز “الممثل”.

1996… عام فارق في حياة عمرو

بعد تجارب عديدة قدّمها عمرو دياب، وكانت بمثابة نقلات مهمة في تجربته، تأتي التجربة الأهم على مستوى الحضور الفني والجماهيري، وهي  ألبوم “نور العين”، الذي حطّم الأرقام القياسية في المبيعات على مستوى العالم العربي، وحصل من خلاله على جائزة “ميوزيك أوورد”. وكان الألبوم من توزيع حميد الشاعري، بينما مثّل لحن “نورالعين”  لناصر المزداوي، أيقونة الألبوم،
والذي أخفى مع حميد الشاعري عيوب الشاعر أحمد شتا (مؤلف الأغنية).
نجحت أغنية “نور العين”،  وعبرت بباقي أغنيات الألبوم، إلى آفاق بعيدة، فهي من الأغنيات التي لا تستطيع أن تقاوم فتنة موسيقاها، وتعدّ من الحالات التي أثبتت أن البساطة هي الحل في كثير من المواضيع، فكثيرون منا ضُبِطوا “متلبّسين” بغناء هذا اللحن الآثر والغريب والموغل في البساطة، التي تمثّل سحر هذا العمل الفني.
قدّم عمرو دياب في “نور العين” أغنيات أخرى كانت هي السر في اختراق الألبوم آفاق لم تكن متوقعة في حينها، ومن بينها “أنا مش هضعف”، وهي من كلمات الشاعر مجدي النجار وألحان عمرو دياب نفسه، فيما ظهر الراحل رياض الهمشري بأغنية من أجمل أغنيات الألبوم وهي “نفس المكان”، من كلمات الشاعر مدحت العدل، وهي كأغنية مكتوبة قد تفوق أغنية الألبوم “نور العين” على مستوى الأفكار. حتى أغنية الشاعر مصطفى كامل “إوعدنى”، التي لحّنها رياض الهمشري، خلت من إرتباكات مصطفى كامل المعتادة. ولهذه الأسباب مجتمعة  كان ألبوم “نور العين” من التجارب الفارقة في مسيرة المغني / أو عمرو دياب .
عقب النجاح الساحق الذي حققه ألبوم “نور العين”، لم تتوقف نجاحات عمرو دياب، الذي ظلّ يخرج من مدينة إلى مدينة، ومن بحر إلى بحر، عابراً الشواطىء حتى نهايتها. غنّى وكنا معه هناك في الضفة الأخرى من المعنى. إحتفلت مشاعرنا حين غنى “تملّي معاك”  في العام 2000، وبالرغم من خفة معانيها، إلا أننا أحببناها منه، وكذلك أحببنا أيقونة الشاعر بهاء الدين محمد “عاملة إيه دلوقت”، التي أفسدها لحن عصام كاريكا المتسرع –أعني اللحن –  كذلك إحتلت أغنية “لو كان يرضيك” للشاعر أيمن بهجت قمر شارعاً من القلب، وكذا أغنيته “باعترف”، والألحان جاءت بين وليد سعد وعمرو مصطفى –أعني هذين اللحنين-  وتعتبر هذه المرحلة مرحلة الموزّع الموسيقي طارق مدكور،  الذي استطاع أن يضيف بعداً جديداً آخر لتجربة عمرو  دياب،  لا يمكن تجاهله، أو التفكير مجرد فكرة في نسيانه.

صوت عمرو دياب وإحساسه

من مبنى إلى معنى، ومن معنى إلى مبنى، يتغيّر صوت عمرو دياب بحسب الحالة الفنية التي يقدمها ، فــ “عمرو” صوت كنزه في إحساسه، وإذا أردنا أن نتذكر أغنيات قدّمها بأداء فارق، سنجد حالات كثيرة، إلا أنني أود أن نعود معا إلى ألبوم من الألبومات المهمة في تجربته، وهو ألبوم “راجعين”، لنتذكر على الفور رائعته “حاولت”، التي كتبها الشاعر عادل عمر، صاحب النصيب الأكبر في تجربة هذا الجيل، ولا سيما تجربة حميدالشاعري.
قدّم عمرو دياب أغنية “حاولت” بأداء المتماهي في معنى النص، لدرجة كادت تظهر إحساسه منفرداً خارج الصورة، أي أن إحساسه كان الأعلى على كل المفردات الأخرى.
من أشياء كثيرة يمكننا الإنتباه إلى أهمية صوت عمرو دياب وإحساسه، علماً بأن فتنته تكمن في خفته، التي ألقت وراء ظهرها سنين “الثقل” غير المفهوم لديه.

الدراما حاضراً لا يُنسى (السينما والتجربة)

الدراما هي التي تصنع الفارق بين الخفة المطلوبة والثقل المنشود.  الدراما هي التي تسمح لأي فنان أن يتخفف من أعباء التمثيلية المفرطة، ليصل إلى معناه. ليست تجارب عمرو دياب الدرامية على مستوى السينما بالكبيرة، إلا أن أهم ما قدمه في أعماله السينمائية  كان “آيس كريم في جليم”، مع المبدع خيري بشارة،  والفيلم عن نص للكاتب الكبير محمد المنسي قنديل، كتبه الشاعر مدحت العدل، وقام عمرو دياب فيه بدور البطولة مع الموهوب أشرف عبدالباقي والراحل الفنان علي حسنين.


الفيلم كان من الأفلام المهمة في مسيرة السينما المصرية، وكذا خيري بشارة، إضافة إلى المطربة سيمون. وفي الفيلم قدّم عمرو دياب حالات غنائية كانت بمثابة نقلة النوعية في مجال الأغنية الدرامية لديه،فكانت أغنية الصورة أو المشهدية، الأغنية التي فككت النسق المعتاد في الأغنية حينها، ونذكر أغنيات “أيس كريم في جليم”، “هتمرد على الوضع الحالي” ، “أنا حر”، و أغنيات أخرى.
لعلّ تجربة عمرو دياب كبيرة وتحتاج إلى كتابات أخرى، فقد لا تكفي تلك  الكتابة هذه التجربة بأبعادها المترامية

Leave A Reply

Your email address will not be published.