سياسة واقتصاد

“فجر الجرود” في يومها الأوّل… هزيمة مؤكدة لـ”داعش”

“باسم لبنان، والعسكريين المختطفين، ودماء الشهداء الأبرار، وباسم أبطال الجيش اللبناني العظيم أطلق عملية فجر الجرود”. بهذه التغريدة، التي نشرت عبر الحساب الرسمي للجيش اللبناني، أعلن قائده العماد جوزيف عون، المعركة المنتظرة، ضد تنظيم “داعش” لتطهير كامل الحدود الشرقية للبنان من الخطر الإرهابي، وذلك بعد عمليات عسكرية تمهيدية قامت بها الوحدات العسكرية المختلفة طوال الاسبوعين المنصرمين
إطلاق عملية “فجر الجرود” من الجهة اللبنانية للحدود، تزامن مع إطلاق “حزب الله” والجيش السوري، معركة موازية، أطلقت عليها تسمية “وإن عدتم عدنا”، ضد تنظيم “داعش” الإرهابي في القلمون الغربي، وذلك “التزاماً منّا بالعهد الذي قطعناه لأهلنا بازالة التهديد الارهابي الجاثم على حدود الوطن”، حسبما جاء في بيان صادر عن “الإعلام الحربي”.
رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون واكب عملية “فجر الجرود” منذ بداياتها، انطلاقاً من غرفة العمليات في قيادة الجيش في اليرزة، حيث توجه برسالة مباشرة إلى العسكريين، قال فيها: “قلبنا وعقلنا معكم. أحييكم. لبنان كله ينظر اليكم وينتظر منكم الانتصار، واعرف انكم لن تخيبوا أملنا. أحيّيكم وأحيّي كل عسكري يقاتل معكم، وان شاء الله ستكتمل المعركة من دون خسائر مهما كانت الظروف”.
لم تكد ساعات قليلة تمضي على بدء المعركتين، حتى ظهرت بوادر الانهيار في صفوف إرهابيي “داعش”، فعلاوة على انسحابهم من مساحات شاسعة كانوا يسيطرون عليها في المنطقة الجردية الوعرة على جانبي الحدود بين لبنان وسوريا، على وقع التقدّم السريع والقصف المكثف من قبل الجيش اللبناني والجيش السوري و”حزب الله”، اختار عدد منهم الاستسلام، عبر معبر الزمراني، ومن بين هؤلاء قيادي “داعشي” بارز.
التقدم الكبير الذي حققته القوات المهاجمة من الجانبين، لم يكن مستبعداً، ولكنه سار بإيقاع أسرع من الخطة المرسومة، فالجيش اللبناني، من جهته، استبق معركة “فجر الجرود” بعمليات رصد واستطلاع دقيقة، ونجح في تضييق الخناق على الإرهابيين على مستويين، الأول من خلال الغطاء الناري الذي قامت به المدفعية والطيران، والثاني عبر عمليات برية أدّت إلى السيطرة على نقاط استراتيجية، تكتسب أهمية خاصة في المعركة الجارية حالياً.


ولا يبدو الحال مختلفاً مع “حزب الله”، الذي حقق خلال الشهر الماضي انتصاراً كبيراً على إرهابيي “جبهة النصرة”، حين تمكن من تحرير جرود بلدة عرسال، بداية من خلال تضييق رقعة سيطرة الإرهابيين إلى أقل من عشرة في المئة، ما أجبرهم على القبول باتفاق، أشرفت عليه الدولة اللبنانية، ممثلة بمدير الأمن العام اللواء عباس ابراهيم، وانتهى بانتقالهم إلى محافظة إدلب، وهو ما تكرر بعد أيام، حين أسفرت المفاوضات عن انسحاب فصيل مسلح، هو “سرايا أهل الشام” من جرود عرسال إلى القلمون الغربي.
وتكتسب المعارك التي يخوضها الجيش اللبناني من جهة، والجيش السوري و”حزب الله” من جهة ثانية، ضد “داعش” عند الحدود اللبنانية – السورية أهمية كبرى، لكوها المنطقة الأخيرة التي يسيطر عليها التنظيم الإرهابي عند الحدود اللبنانية-السورية، كما أنها المنطقة الأخيرة التي ما زالت تحت قبضته في الغرب السوري، باستثناء وادي اليرموك، عند الحدود بين الأردن وفلسطين المحتلة.

تمكن الجيش اللبناني من تحرير ثلث مساحة رقعة سيطرة “داعش” في لبنان، فيما نجح “حزب الله” والجيش السوري في تحرير نصف المساحة في سوريا

وتشي المعطيات الميدانية أن “داعش” لا يملك حالياً من خيار سوى الاستسلام أو الانتحار، فهو محاصر من كل الاتجاهات في منطقة الجرود عند الحدود اللبنانية – السورية، وبعد مصالحة الزبداني، لم يعد قادراً على تلقي الامدادات من الجنوب، وبعد طرده من بلدتي صدد ومهين، في شرق محافظة حمص، لم يعد قادراً على تلقي أية مساعدة من الشرق، كما أن تحرير جرود عرسال أدى عملياً إلى قطع آخر فرصة محتملة لحصوله على الدعم.
علاوة على ذلك، فإن “داعش” يجد نفسه اليوم في وضع أصعب من ذلك الذي واجهته “جبهة النصرة”، في معارك عرسال، بالنظر إلى اختلاف ظروف المعركة.
وللتوضيح فإن معركة عرسال استندت إلى ما يسمى في العلوم العسكرية بخطة المطرقة (حزب الله) والسندان (الجيش اللبناني)، وأما “داعش” فيواجه اليوم في مناطق سيطرته عند الحدود اللبنانية السورية معركة تخاض وفق خطة الكماشة، التي تجعله من قبل ثلاثة أطراف هي الجيش اللبناني (غرباً) والجيش السوري (شمالاً) وحزب الله (جنوباً)، وهو أمر يسهّل على الأطراف الثلاثة تحقيق الانتصار النهائي في وقت أسرع، وبخسائر أقل.
وفي ظل تأكيد الأطراف المشاركة في المعركة ضد “داعش” على أن سقف العمليات العسكرية مرتبط بتحقيق الأهداف الكاملة، والمتمثلة في تطهير الجرود الحدودية من الإرهاب، فإنّ ما تحقق خلال اليوم الأول، يعكس انتصاراً مؤكداً للجيش اللبناني والجيش السوري و”حزب الله”، بصرف النظر عن المدى الزمني للمعركة، والذي يفترض أن تحدده ظروف القتال.
وبحلول نهاية اليوم الأول من العمليات العسكرية، أكد الجيش اللبناني استعادته ثلث المساحة التي كان يسيطر عليها الإرهابيون من الجهة اللبنانية، في حين تحدّث الإعلام الحربي في “حزب الله” عن تحرير ما يقرب من نصف تلك المساحة من الجانب السوري.
وبرغم الانهيار السريع، الذي تبدّى في صفوف “داعش”، إلا أن الحرص يبدو واضحاً على ضرورة التعامل مع أي تقدّم ميداني بحذر شديد، خصوصاً أن التجارب العسكرية لـ”داعش”، في جبهات القتال في سوريا والعراق، أظهرت في السابق، أن إرهابييه قد يعمدون إلى نصب أفخاخ، سواء من خلال زرع المتفجرات، لإلحاق خسائر بالقوات المهاجمة، أو حتى اللجوء إلى العمليات الانتحارية والانغماسية.
وبحسب المعطيات التي كشف الجيش اللبناني النقاب عنها، مع بدء عملية “فجر الجرود”، فإن العناصر الإرهابية المرتبطة بتنظيم “داعش” عند الحدود اللبنانية – السورية تخضع لأمرة ما يسمى بـ”ولاية الشام – القلمون الغربي”، وتمتد رقعة انتشارها على مساحة 120 كليومتراً، داخل الأراضي اللبنانية – يضاف إليها نحو 180 كيلومتراً داخل الأراضي السورية – وهي موزعة بين ثلاث مجموعات هي “مجموعة بكر” و”مجموعة علي” و”مجموعة أسامة”، ويقدر عدد عناصرها الإجمالي بنحو 600 إرهابي.
ومن الناحية الجغرافية، تتوزع رقعة السيطرة بين منطقة شمالية تضم جرود رأس بعلبك والقاع، وغربية تضم جرود رأس بعلبك وبعض أجزاء جرود عرسال، وشرقية تضم جرود قارة والجراجير والبريج داخل الأراضي السورية.
وتشكل المنطقة الجغرافية الوعرة التي يسيطر عليها إرهابيو “داعش” تحدّياً كبيراً في العمليات العسكرية، خصوصاً أنهم يتمركزون ضمن تحصينات في المرتفعات، ما يعني أن أية عملية برية باتجاه مواقعهم، ينبغي أن تتم من أسفل إلى أعلى.
إلى جانب ذلك، يتمتع الإرهابيون بقدرة على التحرك السريع بين مواقعهم، سواء من خلال سيارات الدفع الرباعي، أو الدراجات النارية.
وبحسب المعطيات العسكرية، التي قدمها الجيش اللبناني، فإن الإرهابيين يتسلحون بمدافع هاون، وصواريخ موجهة، واسلحة مضادة للدروع، إلى جانب بنادق قنص متطورة، ومناظير ليلية، وطائرات من دون طيار (درون).
وبالرغم من امتلاكهم قذائف من عيار 105 ملم، يصل مداها إلى نحو أربعة كيلومترات، إلا انه حتى بعد ظهر اليوم الأول من العمليات، لم يتم استهداف أي من القرى المجاورة، كرأس بعلبك والقاع.
وبحسب مدير التوجيه في الجيش اللبنانية العميد علي قانصوه فإن المعركة الحالية ارتبطت باستكمال التحضيرات الميدانية، ولا سيما بعد تقدم الوحدات العسكرية واحكامها السيطرة على مرتفعات استراتيجية.
وقال العميد قانصوه، خلال مؤتمر صحافي، إن “لا أمد زمنياً للمعركة، وهي تبقى مرتبطة بالظروف القتالية”، ولكنه شدد على أن انتهاءها مرتبط بتحرير مناطق الجرود، والوصول إلى الحدود اللبنانية – السورية.
وشدد العميد قانصوه، من جهة ثانية، على أن “مخابرات الجيش اللبنانية في حالة يقظة تامة، تحسباً لتحرّك خلايا نائمة تابعة لـ”داعش”، في حال قررت تنفيذ عمليات إرهابية في الداخل اللبناني”، مع التشديد إلى أن الوضع الأمني تحت السيطرة بنسبة كبيرة، وإن كانت لا تصل إلى مئة في المئة.
وفي سياق معركتي “فجر الجرود” و”إن عدتم عدنا”، فإنّ ثمة أمرين لا يزالان موضع تكهنات، الأول يتعلق بالتنسيق بين الجيش اللبناني من جهة، وبين الجيش السوري و”حزب الله” من جهة ثانية. وأما الثاني، فيتعلق بباب التفاوض مع تنظيم “داعش” للوصول إلى اتفاق مشابه لذلك الذي تم التوصل إليه مع “جبهة النصرة”، مع العلم بأن الشرط الأساسي الذي وُضع في هذا الإطار، هو استعادة العسكريين اللبنانيين الذين أسرهم الإرهابيون في ما سمّي بـ”غزوة عرسال” في صيف العام 2014.
وفي ما يتعلق الأمر الأول، فإن مدير التوجيه في الجيش اللبناني نفى وجود أي تنسيق مباشر أو غير مباشر مع الجيش السوري و”حزب الله”، مقللاً من فكرة تزامن المعركتين، من الجهتين اللبنانية والسورية، لا بل أشار إلى ان العمليات العسكرية التي أطلقها الجيش اللبناني لم تبدأ اليوم، وإنما قبل أسبوعين، وأن الظروف الميدانية، التي تحققت خلال هذه الفترة، هي ما دفع باتجاه إطلاق معركة “فجر الجرود”.


ولكن المعطيات الميدانية ربما تشي بغير ذلك، فالمعركة ضد “داعش” تتم تزامناً وتكاملاً بين الأطراف الثلاثة – الجيش اللبناني والجيش السوري و”حزب الله” – إذا ما تمّ النظر إليها في إطارها العام، لا بل أن ثمة من يعتبر أن أهميتها تتمثل في كونها المعركة الأولى التي تُفتح ضد الإرهابيين على هذا النحو من التكامل.
ويرى مراقبون أن الجانب اللبناني ربما يستشعر الحرج في الإعلان عن وجود تنسيق مباشر مع “الجيش اللبناني” و”حزب الله” لاعتبارات سياسية، بعضها مرتبط بالخلافات السياسية الداخلية في لبنان، والبعض الآخر مرتبط بعلاقات لبنان مع الدول الغربية، خصوصاً أن الولايات المتحدة، وهي من بين الجهات التي تقوم المساعدات العسكرية للبنان، أرسلت إشارات عدّة، صريحة وضمنية، باحتمال وقف الدعم، في حال حدث مثل هذا التنسيق.
ولكن من الناحية العملية، فإن الخبراء القارئين لظروف الميدان، يدركون جيداً على المعركة تكتسب درجة معينة من التنسيق، وتجمع بين أطرافها الثلاثة وحدة الهدف والتوقيت.

امكانية التفاوض مع “داعش” دونها تعقيدات متعددة

وبصرف النظر عن الجدل حول مسألة التنسيق، فإن الانتصار سيكون للجميع، بطبيعة الحال، لا سيما ان تزامن العملية يقلل من هامش المناورة لدى تنظيم “داعش”، فشن هجوم من الجانب اللبناني فقط، يزيد المخاطر المرتبطة بلجوء الإرهابيين إلى الدخول في حرب استنزاف ضد الجانب الآخر، والعكس صحيح، ومن هنا يمكن التشديد على أهمية تزامن المعركتين، بما يساهم في تضييق الخناق على “داعش”، تمهيداً لتحقيق الانتصار الشامل عليه.
وفي ما يتعلق بالنقطة الثانية، أي خيار التفاوض، فإن الأمر يبقى مرتبطاً بعوامل بالغة التعقيد.
وفي هذا الإطار، فإنّ الشرط الأساسي الذي يفترض أن يبقي الباب مفتوحاً أمام التفاوض، هو تحديد مصير العسكريين الأسرى. وحتى الآن، لا يزال الغموض يكتنف هؤلاء الجنود، الذين أسرهم “داعش” في هجومه على عرسال قبل ثلاثة أعوام، وعددهم تسعة. وفي هذا السياق، برز تطوّر أثار الكثير من التكهنات، حيث تم الإعلان عن “مهمة”، احيطت بسرّية تامة، يقوم بها اللواء عباس ابراهيم، الذي ترددت معلومات صحافية عن توجهه إلى منطقة الزمراني، بناء على اعترافات أدلى بها عناصر من “داعش” سلّموا انفسهم إلى “حزب الله” في بداية المعارك.
وحتى الآن، لا يمكن تأكيد هذه المعلومات من مصادر رسمية، خصوصاً أن اللواء ابراهيم نفسه، طلب من وسائل الإعلام عدم إطلاق التحليلات في هذا الشأن، وإن كان قد ألمح، بشكل غير مباشر، إلى أن مهمّته مرتبطة بالعسكريين، حين أضفى عليها طابع “القدسية”.
ووفقاً لما نقلته وسائل إعلام لبنانية، فإنّ التحرّك يرتبط بوجود عدد من الجثث تم الإبلاغ عنها، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تعود إلى العسكرييين، خصوصاً أن ثمة سابقة شهدها هذا الملف قبل فترة، حين ترددت معلومات صحافية عن العثور على جثامين تعود إلى العسكريين الأسرى، قبل أن يتبيّن عدم دقة هذا الأمر.
وبالنظر إلى حساسية هذا الملف، فإن التفاصيل المرتبطة بمهمة مدير الامن العام تبقى رهناً لما سيكشفه “قريباً” بنفسه، لكونه الجهة المخوّلة حصراً الحديث عن هذا الموضوع.
ولكن مصير العسكريين الأسرى ليس العامل الوحيد الذي قد يعقّد المفاوضات مع “داعش”، في حال حصلت، فثمة تعقيدات أخرى مرتبطة بالتنظيم الإرهابي نفسه، إذ لا سوابق تفاوضية معه، سواء في لبنان، أو في العراق وسوريا. وعلاوة على ذلك، فإن أية عملية تفاوضية ستصطدم بافتقاد التنظيم الإرهابي إلى ملاذ آمن، خلافاً لما هي الحال مع “جبهة النصرة”، التي كان ممكناً الاتفاق معها على نقل إرهابييها إلىى معقلها في محافظة إدلب، سواء في اتفاق عرسال، أو في المصالحات التي جرت في أماكن عدّة في سوريا.
وانطلاقاً من ذلك، فإن أي اتفاق تفاوضي مع “داعش” لا بد من أن يتوافر له شرطان عمليان – إلى جانب الشرط المتعلق بالكشف عن مصير العسكريين – الأول هو تحديد المكان الذي يفترض أن يتم الانسحاب إليه، والثاني التوصل إلى تفاهمات مع الدولة السورية في هذا الشأن.
وأياً تكن الحال، فإن ثمة إجماعاً على أن الحديث عن التفاوض مع “داعش” سابق لأوانه، وهو ما أكده مدير التوجيه في الجيش اللبناني، الذي قال أن لا معطيات رسمية حتى الآن في هذا الشأن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق