سياسة واقتصاد

فنزويلا اليوم وشراسة الضغوط الأميركية

كاراكاس | أتاحت لي دعوة وزارة الخارجية الفنزويلية للمشاركة في نشاطات الذكرى الرابعة لرحيل هوغو تشافيز، الاطلاع الحيّ، أنا وزوجتي، على الوضع القائم، والاحتكاك بالناس، ووفّرت اللقاءات مع قيادات وكوادر في السلطة، ومع الحزب الشيوعي الفنزويلي، الاطّلاع المتبادل على الأوضاع في بلدينا ومنطقتينا، العربية واللاتينية.

ولم أجد غرابةً في ما سمعتُه من ممارسات تآمرية وحرب اقتصادية، تشنّها سلطات واشنطن، ودور وكالة المخابرات المركزية الأميركية، على فنزويلا ونهجها التحرّري الأميركي اللاتيني… فما تشهده بلداننا العربية من نزاعات وحروب ومجازر وحشية مفتعلة، على يد تنظيمات إرهابية، صحيح أنّه يرتبط في جانب منه بعوامل داخلية إقليمية ومحلّية، لكنّ الأساسيّ فيه من صنع المخطّط الأميركي الصهيوني لنشر “الفوضى البنّاءة” وإقامة “شرق أوسط جديد”، باصطناع دويلات مذهبية ودينية وإثنية متصارعة، تصبح معها إسرائيل الدولة الدينية اليهودية الأقدر، والشريك مع الاحتكارات الأميركية والأطلسية، في السيطرة على منطقتنا ونهب ثرواتها الكبيرة من البترول والغاز، مروراً بتصفية قضية فلسطين.

لم يكن عداء وتآمر إمبريالية الولايات المتحدة مكشوفاً وواضحاً كما هو عليه الآن. فمنذ عام تقريباً، أعلن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، في تصريح له، أنّ فنزويلا تشكّل تهديداً للولايات المتحدة… ومثل هذا التصريح الذي يثير السخرية، يظهر نوايا الإدارة الأميركية وحقدها على نهج تشافيز المستمر وشعبه، وعلى نجاحات التيّار الاستقلاليّ التحرّري لشعوب أميركا اللاتينية. وقد كان رد الرئيس مادورو، أمام حشد ضم حوالي 100000 شخص، أنّ فنزويلا تنشد السلام ولا تهدّد أحداً. لكنّ شعبها وجيشها الوطني سيدافعان بكل قواهما عن سيادة البلاد ضدّ أيّ تدخّل جارجي. وفيما كنتُ في هذا الاحتفال على المنصّة، قريباً من الرئيس نيكولاس مادورو، صافحتُه، معرباً له عن تضامن الشيوعيين والوطنيين اللبنانيين مع فنزويلا وشعبها، فرفع يدي بيده هاتفاً أمام الحشد الكبير: Viva Libano “عاش لبنان”.

ويأتي التهديد الوقح الصادر مؤخراً على لسان رئيس منظّمة الدول الأميركية (OEA) لويس إلماغرو، بتعليق عضوية فنزويلا في هذه المنظمة، إذا لم تجرِ إنتخابات حرّة وشروطاً سياسية أخرى، خلال مدة شهر، ليثير موجة سخط واستنكار وحملة تضامنية واسعة مع فنزويلا… ويدلّ هذا التصريح على أمرين هما: استمرار اعتبار واشنطن أنّ أميركا اللاتينية هي حديقتها الخلفية، وأنّ منظّمة الدول الأميركية، لا تزال أداة لتغطية تدخّلات واشنطن في شؤون أميركا اللاتينية.

أليس معروفاً دور وكالة المخابرات المركزية الأميركية ودعمها لليمين الرجعي في البرازيل، وفي التضليل والخداع، لإحداث إنقلاب برلماني على الرئيسة ديلما روسيف ومعها لولا؟ ألم تقم في الباراغواي بالانقلاب على الرئيس التقدّمي لوغو (مطران سابق) وعلى رئيس هندوراس، وبالانقلاب الفاشل على الرئيس كورييا في الإكوادور؟ وهل صدفةً أن يصاب بالسرطان هوغو تشافيز، ورئيسة البرازيل ديلما روسيف، والرئيس الأسبق لولا، ورئيس الإكوادور، ورئيسة الأرجنتين السابقة… وهل ننسى مئات المحاولات الفاشلة لاغتيال فيديل كاسترو؟ أوليس ذلك من وسائل حرب الـ CIA على قيادات وشعوب أميركا اللاتينية؟

لقد جرى التركيز الأميركي على الحرب الاقتصادية كوسيلة أهم ضد فنزويلا؛ فهبوط سعر برميل البترول أكثر من 50%، خلق إرباكاً وصعوبات جدّية، خصوصاً أنّ أكثر من 90% من الدخل الوطني، قبل تشافيز وأثناء حكمه، هو من البترول. ومع أنّ تشافيز أنفق قسماً كبيراً من هذا الدخل على تحسين معيشة الفقراء والفئات الشعبية، إلا أنّ الاقتصاد الإنتاجي، بقي كما كان تقريباً، وهذا ما انعكس الآن، تراجعاً في الوضع الاقتصادي والحياتي، وفي معيشة الناس الاجتماعية، وفي قيمة العملة الوطنية (البوليفار). مما أدّى إلى توقّف وتباطؤ المشاريع الاجتماعية والتقدّم المطلوب. ولا شكّ في أنّ ضعف مكافحة الفساد الموروث والمستمر وأعمال التخريب والسطو أحياناً على الأفراد، بغرض السرقة، هي ظاهرات وإن كانت أساساً موروثة إلاّ أنّ استمرارها وتزايدها ينعكسان سلباً على الوضع العام. وإذ يستولد ذلك الاستياء لدى الناس إلاّ أنّ هؤلاء الذين تركت التشافيزية بصمةً ووعياً في أذهانهم، يعتبرون المعارضة اليمينية أكثر فساداً وسوءاً.

لقد شعرنا من خلال الاحتكاك مع الفنزويليين بمدى طيبة هذا الشعب وحياته القائمة على البساطة وعدم التكلّف أو التعقيد. كما أتاح لنا السفير اللبناني في كاراكاس الأستاذ إلياس لبُّس رؤية عيّنة من جمال طبيعة تلك البلاد.

 بوسعي القول إنّ من يزور فنزويلا يشعر بالحب لشعبها النبيل وجمال طبيعتها الخلاب…

موريس نهرا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق