مجلة الكترونية عربية مستقلة

فنزويلا … صراع مفتوح لا ينحصر بالعوامل الداخلية

يوماً بعد يوم يحتدم الصراع في فنزويلا ولا ينحصر بالعوامل الداخلية بين السلطة والمعارضة، بل إنّ لواشنطن دوراً أساسياً في التصعيد ودعم المعارضة الداخلية، وتحريضها ضد نهج السلطة البوليفاري الذي يتميز داخلياً بالاهتمام بتحسين حياة الفقراء والفئات الكادحة، وخارجياً بالسياسة الاستقلالية والتحررية على صعيد فنزويلا والقارة اللاتينية… ومع بدء تآمر دوائر واشنطن ضد نهج تشافيز المذكور، لجأت مع أدواتها الداخلية، في العام 2002، إلى القيام بالانقلاب العسكري. لكن جماهير فنزويلا الشعبية والفقراء فيها الذين ملأوا الشوارع والساحات، تمكنوا من تحرير تشافيز وإعادته إلى موقع الرئاسة.

لكن مطامع الولايات المتحدة، باستعادة هيمنتها على فنزويلا وبترولها الذي يشكل الاحتياطي الأكبر في العالم، وعدائها للدور الفنزويلي الاستقلالي في أميركا اللاتينية، دفعها لمواصلة تآمرها وحملاتها السياسية والإعلامية مستخدمةً ما للبرجوازية العليا في فنزويلا من إمكانيات مالية، ونفوذ وأدوات داخل مؤسسات الدولة، التي أبقت عليها حكومة تشافيز، بغرض تشويه نهج تشافيز البوليفاري، واستغلال كل نقطة ضعف في سياساتها ومواقفها تجاه الحالة العامة في الدولة والمجتمع… وما أن استطاعت الولايات المتحدة وقوى اليمين التابعة لها افتعال انقلاب فوقي برلماني ضد الرئيسة اليسارية ديلما روسيف في البرازيل العام الماضي، والإتيان برئيس يميني تابع لواشنطن، بديلاً لرئيسة الأرجنتين كريستينا كرشنر، حتى ركزت هجمتها مع قوى اليمين الفنزويلي والفئة العليا من البرجوازية، ضد حكومة الرئيس نيكولاس مادورو، الذي يواصل النهج الذي أسسه هوغو تشافيز… والأكثر سلبية في هذا المخطط الهجومي كانت الحرب الاقتصادية على فنزويلا وسلطتها… فهبوط سعر البترول حوالي 70% شكّل العامل الأساسي في الإرباك الداخلي، خصوصاً أن حجم البترول في الدخل الوطني العام أكثر من 85%، وهذا الأمر موروثٌ من العهود السابقة واستمرّ مع تشافيز وإلى اليوم، ما أحدث تقلصاً كبيراً في قدرة حكومة مادورو على مواصلة التحسينات الاجتماعية لمعيشة الفقراء والفئات الشعبية، وأوجد أزمة في البلاد… وقد ترافق ذلك بقيام البرجوازية التي يشكّل قطاعها الخاص ما يقرب من 90% من اقتصاد البلاد، بإخفاء بعض حاجات ومواد إستهلاكية من السوق، لا سيما الأدوية الطبية، وبأعمال السطو والجريمة، وبانتشار الفساد. كل ذلك لخلق حالة استياء لدى الناس تطال أوساطاً من التشافيزيين أيضاً، واستغلال هذا الاستياء للحض على التظاهر والتصادم مع السلطة، وإغراق الوضع بالفوضى والعنف.

ما يجري في فنزويلا جزء من هجمة تقودها الولايات المتحدة ضد كل شعوب أميركا اللاتينية

 

لقد شكّل قيام الضابط الفنزويلي السابق أوسكار بيريز، بخطف طائرة هيليكوبتر في الأسبوع الثالث من حزيران ورمي قنبلة على مقر الهيئة العليا للقضاء ووزارة الداخلية، مؤشراً لتصاعد الصراع والعنف الرجعي الذي رد عليه الرئيس مادورو بإعلانه أن السلطة ستحمي نهجها البوليفاري بما في ذلك بالسلاح إذا لزم الأمر ضد العنف المعادي… وفي حين دعت حكومة مادورو الشعب إلى انتخاب مجلس تأسيسي في 30 تموز الجاري لاعتماد آليات وتدابير تُخرج البلاد من الأزمة، تواصل قيادة المعارضة بدعمٍ من واشنطن هجومها الشرس ورفضها انتخاب مجلس تأسيسي بعدما رفضت قبل ذلك الحوار مع السلطة لإيجاد المخارج والحلول وتجنيب البلاد احتمال الانزلاق إلى حرب أهلية… ولم يكن أمراً عفوياً أن يعلن الرئيس الأميركي السابق أوباما في تصريحٍ له منذ سنة تقريباً أنّ فنزويلا تشكّل تهديداً للولايات المتحدة… ومع استسخاف هذا التصريح فإنه ينم عن سوء نية واشنطن وأدواتها الداخليين تجاه فنزويلا، فالتهديد للولايات المتحدة ليس من فنزويلا كبلد ودولة وإنما من تفلّت وتحرر أميركا اللاتينية من هيمنة واشنطن… وما جاء في تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ميامي، في منتصف حزيران الماضي، بأنه ألغى الاتفاق مع كوبا كخطوة نحو تطبيع العلاقات معها ومن طرفٍ واحد، يحمل تأكيداً على عداء سياسة واشنطن لشعوب أميركا اللاتينية ومطامحها في التحرر والتقدم.

إن ما تواجهه فنزويلا وبلدان أميركا اللاتينية اليوم، كثير الشبه بالمخططات الأميركية الصهيونية ضد شعوبنا العربية وافتعال النزاعات والفوضى في داخلها، ما يستدعي تضامن شعوبنا وشعوب القارة اللاتينية ضد العدو المشترك المتمثل بالإمبريالية الأميركية.

موريس نهرا    

Leave A Reply

Your email address will not be published.