ثقافة

في الجامعات المصرية .. ” لست حرا وإن لم تضر”

 “هل نريد مواطناً يصفِّق.. أم مواطناً يفكِّر؟، أنريد عقلاً يوافق.. أم عقلاً يشك؟، أنريد تاريخاً نقدّسه.. أم نريد حقائق نفحصها؟.. أنبحث عن ماضٍ يُحيرنا أمره.. أم عن مستقبل يحيره أمرنا؟”. لم يكن الكاتب الكبير محمود عوض يعلم أن هذه الجملة الشهيرة التي أوردها في كتاب “أقلام ضد الرصاص” ستظل معبرة عن الوضع الذي تعيشه الحريات في الجامعات المصرية حتى في عصرنا الحالي.

 

منى برنس.. “محكمة تفتيش” على “نشر البهجة”

 

منى برنس طلبت من أحد تلاميذها مناقشة “التمييز العنصري” فاتهمت بازدراء الأديان، رفضت طلب رئيس قسمها ارتداء الحجاب فعطَّل تعيينها في درجة مدرس ستة أشهر، وعندما رجع مرة أخرى من الخليج، حرمها من تقاضي مرتبها لستة أشهر أخرى، وواجهت شائعات بأنها “بهائية” تارة و”ملحدة” تارة أخرى، وبأنها تدرّس قصصاً جنسية مصورة لطلابها، وتم اعتبارها بأنها منقطعة عن العمل، إلا أنها عادت بإنذار على يد محضر، حتى عندما تولت عميدة جديدة في كليتها أحالتها إلى التحقيق بتهمة السب والقذف بسبب منشور على “فيسبوك”… كل ذلك لم يفلح في التنكيل بأستاذة الأدب الإنكليزي في جامعة قناة السويس، لكن “وصلة رقص” فوق منزلها فعلت.

أزمة منى برنس – كما تحكيها – بدأت عندما نشر صحافي محلي الفيديو الموجود على صفحتها الشخصية من دون إذنها، ليثير ضجة كبيرة ضدها، استغلها مسؤولو الجامعة في تحويلها إلى التحقيق بدعوى “خروجها عن التقاليد”، إلا أن أستاذة الأدب رفضت هذا الاتهام، مؤكدة عدم أحقية أحد في التدخل في حياتها الشخصية، ما دامت خارج إطار عملها، وتساءلت “هل التقاليد التي يتحدثون عنها تقاليد آبائنا الفراعنة، أم تقاليد وهابية وافدة علينا”، لتكمل: “أنا أنتمي الى الحضارة المصرية، وليست لديّ أزمة مع الفن والأغاني والرقص والبهجة”.

وسوم وعبارات التضامن مع أستاذة الأدب الإنكليزي قابلها تصريح مثير للجدل من وزير التعليم العالي خالد عبدالغفار، قال فيه إن قانون الجامعات يحاسب الأستاذ خارج الحرم وداخله، في ما يخص الآداب العامة، لأنه قدوة للشباب والفتيات، مشيراٍ إلى أن رئيس جامعة قناة السويس يحقق في الواقعة، وسيرفع تقريره إلى الوزارة لتطبيق العقوبة المناسبة، بحسب قوله. اما البرنس فانطلقت من تفجيري كنيستي طنطا والإسكندرية للتأكيد على وجهة نظرها، قائلة: “شوفتوا نظام التعليم في مصر وصّلنا لإيه، طبعاً صور بمايوه وفيديو رقص خرب عقول الطلبة، والأساتذة اللي بتخش تشتم في النصارى واليهود والحضارة المصرية همّا اللي بيحافظوا على القيم و التقاليد ويتمتعوا بحسن السمعة، وبيطلعولنا مفجرين وإرهابيين”.

لكن منى برنس – وبالرغم من شهرة قضيتها – لم تكن الأولى في سلسلة أزمات الحريات داخل الجامعات المصرية، وقد لا تكون الأخيرة، فقد سبقها في هذا السياق أساتذة بالجملة، منهم من تم فصله، ومنهم من انتهى به الأمر إلى النيابة العامة، فيما اختار البعض المنفى الإجبارى، بينما فضل آخرون مواصلة معركتهم إلى النهاية بحثاً عن مزيد من الاستقلال داخل الحرم الجامعي وخارجه.

الملك والأعيان و”الشعر الجاهلي”.. ثالوث الإطاحة بعميد الأدب

 

في العام 1932، أقال مجلس الوزراء الدكتور طه حسين من منصبه كعميد لكلية الآداب في جامعة القاهرة حينها، ما أثار ضجة واسعة استقال على إثرها رئيس الجامعة أحمد لطفي السيد اعتراضاً على القرار، فيما خرج طلاب الجامعة في تظاهرات حاشدة في التاسع من آذار/مارس، رفضاً لتدخل السلطة في فصل أو تعيين أساتذة الجامعة.

السبب المعلن للأزمة حينها كان كتاب “الشعر الجاهلي”، الذي اتُهم فيه طه حسين بـ”الكفر والطعن في القرآن”، قائلاً إن الشعر الجاهلي منحول على قائليه، وإن أشعار طرفة بن العبد وعنترة بن شداد وامرؤ القيس هي اختلاق أعراب واختراع محدثين ومتكلمين، ولا يمكن أن تكون قيلت أو أذيع قبل ظهور القرآن، مشككاً في رواية بناء الكعبة بواسطة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ما دفع عدداً من علماء الأزهر إلى تقديم بلاغات ضده تتهمه بـ”الزندقة”.

لكن هناك سببان آخران للأزمة، نشرهما محمود عوض في كتابه، أولهما غضب الملك فؤاد من عدم حفاوة عميد كلية الآداب وطلابه به أثناء زيارته للجامعة، وتصفيقهم لحديث رئيس مجلس النواب عدلي باشا أكثر منه، ما دفعه إلى تبييت النية للإطاحة به قائلا: “هذا تدبير الملعون طه حسين”.

أما السبب الآخر، فيحكيه طه حسين بنفسه، قائلاً إن “وزير التعليم – المعارف حينها – حلمي عيسى طلب منه منح الدكتوراة الفخرية لعدد من الأعيان، فرد عليه: أنا عميد كلية الآداب ولست عمدة أتلقى تعليمات من وزير”، فاستشاط عيسى غضباً، وقال: “هتشوف مين هينفذ كلامه”.

قاد هذا الثالوث عميد الأدب العربي إلى التحقيق أمام “رئيس نيابة مصر” محمد نور، الذي قرر حينها حفظ أوراق قضية “الشعر الجاهلي” إدارياً، موضحاً أن “غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه جاءت في سياق البحث العلمي، مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها”.

نصر حامد أبو زيد.. تفريق بين الأستاذ وزوجته لأنه “يفكر”

 

كانت كلية الأداب ذاتها في جامعة القاهرة شاهدة على واقعة أخرى، بطلها الراحل نصر حامد أبو زيد، الذي وصلت قضيته إلى أروقة القضاء وحكمت فيها محكمة الأحوال الشخصية بالتفريق بينه وبين زوجته أستاذة الأدب الفرنسي الدكتورة ابتهال يونس، في دعوى “حسبة” بعد اتهامه أيضا بـ”الردة” بناء على تقرير من اللجنة العلمية المشرفة حينها على منحه الأستاذية، في وجود الدكتور عبدالصبور شاهين، وذلك تحت ذريعة دعوة أبحاثه – التي حملت عنوان “نقد الخطاب الديني” – إلى “الثورة الفورية على القرآن والسنة”، وقوله إن القرآن “منتجاً ثقافياً بشرياً”، فضلا عن إنكاره المصدر الإلهي والغيب، ما دعاه وزوجته إلى الهجرة من البلاد في منفى اختياري في هولندا.

في حوار لاحق، أعاد عبد الصبور شاهين – أبرز رموز جماعة “الإخوان المسلمين” – الجدل بشأن الأزمة، حينما أكد أن تقريره لم يتطرق إلى عقيدة الباحث، أو اتهامه بالكفر، وأنه لا يمكن أن يورّط نفسه في هذا الاتهام البشع، وأن كل ما قاله إن الأبحاث تحتاج إلى إعادة نظر و”لا تؤهل لمنح درجة الأستاذية”، إلا أنه في الوقت ذاته اتهم من وصفهم بـ”العلمانيين والشيوعيين والماركسيين” بإقامة “مناحة للبكاء على حرية الفكر، وإثارة “فضيحة في الحرم الجامعي”، على حد تعبيره، مدّعيا أن أبو زيد كان “طالب شهرة وليس طالب علم”.

نصر حامد أبو زيد، الذي رفضت الكويت ومؤسسات تابعة لوزارة الثقافة استضافة ندواته في السابق، نعته أستاذة العقيدة والفلسفة في جامعة الأزهر الدكتورة آمنة نصير قائلة: “كم حكى لي معاناته الشديدة من الحملة التي أثيرت ضده، والتي لا يعلم إلا الله تعالى مدى ظلمه فيها. كم كانوا قساة عليه فى التجريح والهجوم، لأننا للأسف في مصر والدول العربية لا نعرف ثقافة الاختلاف، وهذا مرض عضال يوجد في مجتمعاتنا ونسأل الله العافية منه”.

“الخبز الحافي”.. المنع بذريعة “أخلاقية”

منذ ما يقارب 18 عاماص، تدخل الدكتور جلال أمين لمنع تدريس رواية الكاتب المغربي محمد شكري “الخبز الحافي” – التي تمثل الجزء الأول من مأساته في عالم البؤس مع تجار المخدرات والصعاليك والبغايا – داخل الجامعة الأميركية في القاهرة، بدعوى أن بطل الرواية لابد أن يكون شريفا مهما كانت قذارة الأعمال التي يفعلها رغماً عنه، وهو ما رد عليه شكري في رسائله “ورد ورماد” بجملته الشهيرة “من لم ينغمس في دم الحياة لا يحق له أن يتكلم عن الجرح”.

رفض شكري منع روايته تحت ذريعة عدم اتساقها مع الأخلاق، قائلا في حوار صحافي سابق: “عندما تحضر الأخلاق تختفي الكتابة، لأن هذه الأخيرة نقد للمجتمع في جميع مساوئه ومحاسنه أيضاً، فإذا خضعت للإرشاد فقدت قيمتها”، معتبرا أن دعمه “مؤازرة دفاعا عن الإبداعات المضطهدة والمشجوبة من عقليات متخلفة”، وتابع” ما كتبه جلال أمين ليست له أية أهمية بالنسبة لي، لأنه يشتم ولا ينتقد وأظن أنه تمنى لو أنه اغتالني”.

خلود صابر.. إنذار بالعودة “لأسباب أمنية”

واقعة ثالثة شهدتها كلية الآداب في جامعة القاهرة، بطلتها المدرسة المساعدة خلود صابر، التي تلقت إنذاراً بالعودة إلى مصر في كانون الأول /ديسمبر العام 2015، على الرغم من منحها إجازة دراسية – بدأتها في تشرين الأول / أكتوبر من العام ذاته –  للحصول علي درجة الدكتوراه من جامعة لوفان الكاثوليكية في بلجيكا، لأسباب أمنية.

خروج المدرسة المساعدة في علم النفس على نفقتها الخاصة، وحصولها على جميع الموافقات المطلوبة من الكلية والجامعة، لم يشفعان لها للإفلات من التضييقات، حيث أوضحت عضو حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات أن موظفي إدارة العلاقات الثقافية في الجامعة أصروا على استكمالها استمارة استطلاع رأي من أربع نسخ، موجهة إلى إدارة الاستطلاع والمعلومات التابعة لمكتب الوزير، حيث ترسل ثلاثة من هذه النسخ إلى الأمن الوطني والأمن القومي والمخابرات العامة، ولم يعرف مصير الرابعة، وهي الاستمارة ذاتها التي كانت موجهة إلى إدارة الأمن قبل “ثورة 25 يناير”.

لم يستغرق إنهاء أزمة خلود صابر سوى شهرين، والسبب في ذلك يرجع إلى إقامتها دعوى قضائية ضد الوزير ورئيس الجامعة وعميد الكلية ومديري إدارتي الاستطلاع والعلاقات الثقافية، طعنا على القرار، فضلا عن تزايد حملات التضامن الأكاديمية معها، وتخوف الجهات المسؤولة من تدويل القضية، خاصة أن الجامعة المانحة كانت ستطلب سبباً منطقياً لإلغاء الإجازة.

تلقت خلود إخطارا يفيد بصدور قرار رسمي من رئيس جامعة القاهرة بسحب قرار إنذارها بالعودة، والتوصية باستمرار إجازتها الدراسية، بعد ضغط حقوقي شديد، إلا أنها أوضحت أبعاد القضية قبل صدور القرار قائلة: “القضية هي استقلال الجامعات في ما يتعلق بتدخل جهة خارجية ليس لها حق التدخل، التي هي الأمن، بس مش بنقول على النت، وبنسميها وزارة التعليم العالي ساعات، وإدارة البعثات ساعات، واستطلاع الرأي والمعلومات ساعات ثانية، وفي الوقت نفسه حرية أكاديمية، في ما يتعلق باستخدام حجج الأمن القومي والخوف من نقل معلومات حساسة لدول أجنبية، من أجل اعاقة البحث العلمي الأكاديمي”.

جامعة الأزهر هي الأخرى كانت شاهدة على عدد من الوقائع المشابهة ومنها قرار فصل الأستاذ المساعد في كلية الهندسة “بنين” في القاهرة محمود سعد داود، بعد إجرائه عملية تحول جنسي إلى أنثى وتغيير اسمه إلى “نورهان”، حيث تمنع الجامعة الاختلاط بين الجنسين، كما رفضت طلبه التحويل إلى كلية البنات “خوفا على الطالبات منه بعدما كان ذكراً”، على الرغم من إثبات التحاليل أن هرموناته الأنثوية غلبت على الذكورية.

بخلاف قضية محمود “نورهان”، فصلت الجامعة عددا من الأساتذة وعشرات من الطلاب لمشاركتهم في تظاهراتهم وانتمائهم إلى جماعة “الإخوان المسلمين”  بعد إعلانها “إرهابية”، ومن بينهم الأستاذ في كلية الطب محمد البلتاجي، والأستاذ المساعد في كلية الدعوة حسن يونس عبيدو، والأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية مجدي شلش، والطالبة في كلية الصيدلة عائشة ابنة مفتي الجماعة عبدالرحمن البر.

وفي وقت سابق، فصلت جامعة الأزهر 10 طلاب وطالبات بدعوى “إساءتهم إلى الجيش بعبارات تخرج عن حدود اللياقة والأدب”، كما ألغت مناقشة رسالة دكتوراه لباحثة في كلية الدراسات الإسلامية بعنوان “التكييف الفقهي للثورات” بسبب “عدم ملاءمتها للفترة الحالية، نظراً للظروف التي تمر بها البلاد”، كما أوقفت الدراسات العليا في كلية الدعوة الإسلامية، وشكلت لجنة لمراجعة جميع الرسائل بها، فضلا عن وقفها منح درجة الدكتوراه للباحث محمد إبراهيم أبو عطية وتحويله والأساتذة المشرفين على رسالته إلى التحقيق، لوصفه 30 يونيو بأنها “انقلاب”.

ماذا بعد ؟

أكد إعلان ليما في العام 1988 أن الحرية الأكاديمية شرط مسبق للوظائف المسندة إلى الجامعات، مع أحقية كل عضو في المجتمع الأكاديمي في التمتع بحرية الفكر والضمير والتعبير والاجتماع والانضمام للجمعيات، فيما شدد إعلان عمان في العام 2004 على ضرورة التصدّي لفرض السلطات العمومية وصايتها المباشرة على الحياة الجامعية، مع إلزام السلطات باحترام استقلال المجتمع العلمي بمكوناته الثلاثة من أساتذه وطلاب وإداريين”.

وبخلاف القضايا الشخصية، تطول قائمة أوضاع الحريات في الجامعات المصرية، فتشمل منع ارتداء النقاب، وإغلاق الزوايا (أماكن صغيرة مخصصة للصلاة) بدعوى مساهمتها في إخراج أجيال متشددة فكرياً، فضلا عن منع التظاهرات الطلابية لأسباب سياسية وأمنية، وغيرها، إلا أنها على الجانب الآخر لا تحدث أي تغيير حقيقي في جوهرها.

تتمنى العضوة المؤسسة في حركة 9 مارس في جامعة القاهرة ليلى سويف، أن تتراجع جامعة قناة السويس عن قرارها تجاه منى برنس، إلا أنها أكدت صعوبة التنبؤ بما يحدث على أرض الواقع، موضحة أنه ليس من المفروض إحالة عضو هيئة تدريس أو طالب أو حتى موظف للتحقيق، بسبب آرائه أو معتقداته أو ما ينشره عبر حساباته الشخصية على مواقع التواصل، طالما لا يشكِّل جريمة.

وأضافت ليلى سويف: “سبق أن تلقينا شكاوى من زملاء وطلاب أحيلوا للتحقيق بسبب ما نشروه على صفحاتهم الشخصية، وهو غالباً ما يكون بسبب آرائهم في السلطة العامة أو السلطة الجامعية، وكنا نحرص على التضامن معهم، وأحيانا كانت تتم تسوية الأمور، وفي أحيان أخرى كان تصدر أحكام تأديبية ونستنكرها”.

وشددت القيادية في حركة “9 مارس” على أن وزير التعليم العالي ليست له سلطة على الجامعات في ما يتعلق بتحويل أعضاء هيئة التدريس للتحقيق من عدمه، فهذه سلطة رئيس الجامعة ومجلسها وحدهما، وفقا للقانون، معتبرة أن جملة “حسن السمعة” تحتمل تأويلات كثيرة، إلا أن العرف جرى على تفسيرها في أضيق الحدود، بمعنى عدم وجود سابقة جنائية أو تأديبية، على غرار التحرش أو إفشاء أسرار المرضى، أما ما يسمى بـ”الخروج على الأعراف” فلا يصلح أساسا تتبنى عليه التهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق