*آراء وترجمات

في المرض وفي السُّلطة

وجدت نفسي أعود أكثر من مرّة الى تصفّح كتاب طريف ألّـفه الدكتور ديفيد أوين David Owen، وهو طبيب بريطاني وسياسي مخضرم، تخرّج من جامعة لندن. كان أوين عضواً لسنوات عديدة في مجلس العموم. بدأ حياته السياسية نائباً في حزب العمال البريطاني، ثم اشترك مع زميله العمّالي السابق روي جنكنز Roy Jenkins   في تأسيس الحزب الديمقراطي الاشتراكي، وتولى زعامته لعدة سنوات. وتولّى منصب وزير خارجية بريطانيا بنجاح باهر. وهو حالياً عضو بمجلس اللوردات البريطاني. وقد لعب الدكتور أوين دوراً هاماً في توثيق صلة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي، وفي التخفيف من كوارث الحروب في البلقان – بعد انهيار يوغوسلافيا…

يتناول كتاب الدكتور أوين العلاقة الغريبة المُـقلقة “بين المرض والسياسة” أو بشكل أدقّ “بين المرض والسلطة السياسية”؛ علاقة يمكن وصفها بأنها علاقة “تعايش مخيف”… ولا حاجة بنا إلى القول إنّ “التعايش المخيف” أصبح من الأمور المألوفة في منطقتنا العربية.

يجمع ديفيد أوين في كتابه – كما في سيرة حياته – بين السياسة والطب. ويمكن القول إنه يكتب كمؤرّخ مدقّق. وكتابه مهم في الكشف عن “أعراض المرض في السلطة السياسية”، وقد استفاد فيه من خبرته الطويلة كطبيب وسياسي ودبلوماسي في الوقت نفسه…

عنوان الكتاب بالانكليزية:

In Sickness and in Power: Illness in Heads of Governments in the Past Hundred Years

يمكن أن نترجم عنوانه بالعربية:

“في المرض وفي السلطة معاً : حالات المرض في رؤساء الحكومات في المئة سنة الماضية”.

يبدو لي أن العنوان الرئيسي للكتاب مستوحى من عبارة إنكليزية تُستعمل في طقوس الاحتفال بإكليل الزواج في الكنائس الغربية، والعبارة هي “في المرض وفِي الصحة”، كناية عن التزام الزوجين بالبقاء في رباط الزوجية “حتى

يفرقهما الموت”، كما تقول بقية العبارة الإنكليزية.

أتصوّر أن هناك بعض الإيحاء بمشكلة تمسّـك الزعيم السياسي بالسلطة

حتى لو أصابته الأمراض، وكأن علاقة السياسي بالسلطة “زواج كاثوليكي” كما يقول المثل…

إذا كان الزعيم السياسي مريضاً، أو صار يعاني من مرضٍ ما وهو في السلطة، فهل يبقى على رأس عمله أم يتركه؟

من وجهة نظر عربية، يمكن أن نفكّـر بمشكلة “الزواج بين الزعيم السياسي وكرسي السلطة”. وقد يكون زواجاً مؤبداً.

لا نحتاج لذكر أمثلة من التاريخ العربي الحديث والمعاصر… أمّا في العصور التي سبقت العصر الحديث، فنحن نعرف أن القاعدة العامة كانت بقاء الخليفة أو الملك أو الامبراطور أو السلطان في سدة السلطة مدى حياته. لا أعرف إلا هذا الاستثناء – قد يكون الوحيد- لهذه القاعدة:

وهو أن ملك الخزر (في منطقة بحر قزوين في العصور الوسطى) كان يتعرض للقتل من قبل العائلة المالكة نفسها عند بلوغه سن الشيخوخة المتقدمة أوالهرم. بطبيعة الحال المرض في أي سن شيء، والشيخوخة شيء آخر… ولا أعرف إلا خليفة (عباسي) اعتزل الخلافة بسبب المرض الذي أقعده (…).

كتاب الدكتور ديفيد أوين نُشر لأول مرة في لندن سنة ٢٠٠٨…  وكنت قد طالعته في ذلك الوقت، وَمِمَّا جعلني أهتمّ بهذا الكتاب أنني أذكر أن أحد أساتذتي في جامعة دمشق – وهو الدكتور عبدالكريم غرايبة رحمه الله-

أشار مرة في إحدى محاضراته – في ستينات القرن الماضي- إلى الخطر الذي يواجهنا عندما نجد زعماء ورؤساء دول يتنقلون باستمرار بين أسرّة المستشفيات أو كراسي الأطباء النفسيين وبين كراسي الحكم!

وقد عدت (في أيلول- سبتمبر ٢٠١٦) الى تصفّح كتاب الدكتور أوين بمناسبة الاهتمام الاعلامي بصحة مرشحي الانتخابات الرئاسية الأميركية. وعدت إلى قراءة بعض فصوله بعد ذلك لأسباب أخرى تتعلق بالعالم العربي خاصة.

يتناول الكتاب عدداً كبيراً من الزعماء السياسييين الأمريكيين والأوروبيين وغيرهم… ومنهم عدد من رؤساء الحكومات البريطانية السابقين مثل ونستون تشرتشل وأنتوني ايدن (أحد مخططي العدوان الثلاثي على مصر سنة ١٩٥٦، وقد انتهى به الحال إلى أحد المصحّات بعد فشل العدوان الثلاثي) وهارولد مكميلان وما رغريت ثاتشر وتوني بلير…

امتاز هارولد ماكميلان عن غيره بأنّه أصرّ على الاستقالة من منصبه كرئيس وزراء بريطانيا عندما شعر ان آلام المعدة التي كان يعاني منها لا تمكّنه من القيام بمهامه بكفاءة. وهذه من الحسنات التي تُسجّل له.

ويعالج الدكتور اوين نوعاً خطيراً من الأمراض التي يعاني منها بعض الزعماء السياسيين: وهو المرض الذي يسميه “السـكر بالسلطة”، أو “الإدمان على السلطة”، حيث يؤدّي الغرور بالزعيم السياسي بعد نجاحه في استلام السلطة إلى تصرفات وقرارات لا تصدر إلا عن واحد سكران مدمن أضاع توازنه كسياسي مسؤول، وصار “سكرانْ سُـلطة” (على وزن “سكرانْ طِينة”!)…

يعطي الدكتور أوين مثالين معاصرين بارزين يجسّـدان هذه الحالة، هما الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، وتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق. تصرفاتهما الهوجاء أدت إلى غزو العراق فيما يسمى “حرب الخليج” الثانية سنة 2003، وما نتج عنها من تداعيات خطيرة ما زلنا نعيشها اليوم.

وفي الكتاب معلومات قيمة – ومثيرة أحياناً – عن أثر المرض على عدد كبير من الزعماء السياسيين، وعلى تصرفاتهم في السلطة…

ويبدو أن مرض الاكتئاب من أكثر الأمراض التي كثيراً ما عانى منها

عدد من الزعماء السياسيين المعروفين، مثل رؤساء الحكومات البريطانية المذكورين أعلاه، ومثل عدد من الرؤساء الأمريكيين والفرنسيين، ومن هؤلاء دوايت أيزنهاور وريشارد نيكسون وشارل ديغول وفرانسوا ميتران. كما يتحدث عن شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي ومشاكله الصحية، خاصة النفسية منها. ويتطرّق المؤلف إلى نماذج أكثر تطرفاً وأشدّ خطورة، مثل أدولف هتلر في تاريخ ألمانيا وأوروبا الحديث، وبول بوت في كمبوديا…

عند استعراض الأسماء والأحداث والتفاصيل الموثّقة جيداً في كتاب الدكتور أوين، من السهل أن يستنتج القارئ أن معظم الحروب والكوارث السياسية في تاريخ العالم الحديث ترتبط إلى حد كبير بالمشاكل الصحية – خاصة المشاكل النفسية – لعدد من القادة والزعماء السياسيين عندما كانوا “في المرض وفي السلطة” في الوقت نفسه… وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل هناك

علاقة سببية بين النكبات التاريخية وبين الزعماء “المرضى في السلطة”…

لم يتطرّق الدكتور أوين لفترات تاريخية قبل المئة سنة الأخيرة، بل بقي ضمن الحدود الزمانية لعنوان كتابه. ولو أردنا الرجوع إلى التاريخ القديم والوسيط في أوروبا وآسيا وافريقيا (امبراطوريات الصين واليابان والهند وإيران وسومر وبابل ومصر واليونان والرومان وبيزنطة والأسر الحاكمة المتتابعة في تاريخ العرب والمسلمين – خاصة في الخلافتين العباسية والفاطمية وفي السلطنة العثمانية، لوجدنا الكثير من الأمثلة – مع أن الوثاثق

. أقل وفرةً وأقل تصريحاً مما نجد في وثائق ومصادر التاريخ الحديث

كما أنّ النظرة الى دور من يتولى السلطة في تلك العصور هو بالتأكيد غير ما نتوقعه اليوم من الزعماء السياسيين… (لا بد لي من أن استدرك هنا: أنا لست متأكداً من مدى توقعات “الشعوب العربية” من زعمائها السياسيين في هذا المجال. أعني: ماذا تريد الشعوب العربية أن ترى في زعمائها؟ هذا السؤال يحتاج الى دراسات ميدانية سوسيولوجية وأنثروبولوجية)…

لا شك في أنّ أسوأ مرض يمكن أن يصيب أي زعيم سياسي هو جنون

السلطة والتسلّط، والاستبداد بالرأي – خاصة إذا كان هو (أو هي) رأس النظام السياسي بقطع النظر عن اللقب، سواء أكان أمبرطوراً أو ملكاً أو سلطاناً أو أميراً أو رئيس جمهورية (أو جماهيرية!) أو رئيس(ة) وزراء.

وقد بيّن لنا الدكتور أوين أن هذا النوع من جنون السلطة قد يحدث حتى في الأنظمة الديمقراطية” الغربية في التاريخ الحديث، بما فيها نظام “

“وستمنستر” البرلماني العريق…

 

لعل من أهم النتائج التي توصل إليها المؤلف هي أن الخطر الحقيقي لا يقتصر على المرض الجسدي أو النفساني الذي قد يعاني منه زعماء سياسيون من وقت لآخر.

إذ يبدو أن المرض الأخطر هو المرض الذي يعاني منه “النظام السياسي” نفسه، حين يسمح “بالتعايش المخيف بين المرض والسلطة السياسية”،

بقطع النظر عن الدولة وطبيعة النظام القائم فيها. كأن الدكتور أوين يريد أن يقول: هناك مرض في السياسة وفي السلطة، يجب أن نحذر منه ونعالج أعراضه…

بطبيعة الحال لا أريد – ولا أحتاج – أن أذكر أسماء زعماء سياسيين عرب معاصرين، ممن انتهى بهم الأمر الى زجّ شعوبهم في ويلات الحروب الأهلية أو الى استدراج الاستعمار الجديد الى أوطانهم ومقدّراتها، نتيجة لجنون السلطة أو الخوف (الپارانويا) على مناصبهم. لا أقول هذا من باب الخشية من ذكر الأسماء، بل لأنّ الأسماء معروفة: سواء أسماء من طواهم الموت، هادم اللذات، أو ممن بلغوا “من الكبر عــتـيّـا”…

حين يشير المؤلف إلى المرض أو الفساد في السلطة، فهو لا يقصد الفساد المالي أو المحسوبية والرشوة، كما قد يتبادر لبعض القراء،

اذ قد يستذكر البعض تلك العبارة المعروفة (بالاستعمال الإنكليزي على الأقل): “السلطة تُفسِـد، والسلطة المطلقة تُـفسِـد بشكل مطلق”.

الفساد السياسي الذي يعالجه الدكتور أوين كمؤرّخ هو من نوع الفساد الذي يلحق الأطعمة المعلّبة بعد “انتهاء الصلاحية”. من هنا نجد الأنظمة الديموقراطية تحدّد المدة القصوى لتولي الرئاسة، أو عدد مرات الترشّح للرئاسة، كما هو الحال في الولايات المتحدة ولبنان مثلاً. ومن هنا كذلك نجد أنّٰ الأحزاب السياسية الديموقراطية تغيّر رؤساءها باستمرار. وفِي نفس الوقت نجد ظاهرة تداول السلطة، عن طريق الانتخابات في الأنظمة الديموقراطية…

 

أحمد هادي الشبول

سيدني- أستراليا

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق