سياسة واقتصاد

في ذكرى النكبة … جيل فلسطيني جديد يواجه خطر “التصفية”

تسعة وستون عاماً مرت على عام النكبة ، وها هو بنيامين نتياهو، رئيس الحكومة رقم 34 في إسرائيل، والتي يطلق عليها حكومة المستوطنين، وتمثل أعتى المجموعات العنصرية المتطرفة المعادية للفلسطينيين، يعلن موجها حديثه إلى محمود عباس والسلطة الفلسطينية قائلا: “ولا متر واحد سوف أعطيكم”، ويؤكد نتياهو مرة أخرى “هضبة الجولان ستبقى فى يد إسرائيل إلى الأبد”! ، وأن” القدس عاصمة الشعب اليهودي فقط”، وتصدر الحكومة الإسرائيلية التشريعات والقوانين التى تنص على أن إسرائيل دولة اليهود فقط، ولا يتمتع أي سكان في داخلها بأي حقوق طالما أنهم غير يهود.

ولم تعد إسرائيل تشغل مساحة 78% من مساحة فلسطين التي كانت تحت الإنتداب، بل أنها – في واقع الأمر- تحتل كل أراضي فلسطين، ولم يعد للسلطة الفلسطينية أدنى سيطرة على أية بقعة من أرض فلسطين.

وأصدرت إسرائيل قانونا يكفل “الشرعية” للاستيطان وتبعد عنه الطبيعة الاقتلاعية العنصرية لدولة الاحتلال القائمة على إغتصاب أراضي وحقوق الفلسطينيين”، وكانت سياسة الاستيطان التي نفذتها سلطات الوصاية والانتداب على أراضي فلسطين هى التي مهدت لاعلان قيام إسرائيل عام 1948.

وهذا القانون يمثل تحديا للشرعية الدولية الممتدة منذ الإعلان عن قيام دولة الإحتلال في أيار/مايو العام 1948 استنادا إلى اهدار حقوق الفلسطينيين كما تجلى بوضوح في قرار التقسيم رقم  181 للعام 1947 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما يمثل هذا القانون تحديا لقرارات مجلس الأمن 242 للعام 1967 ، 338 للعام 1973، 478 للعام 1980، 2334 للعام 2016. كذلك يعد قانون شرعنة الاستيطان انتهاكا لقرار منظمة “اليونيسكو” في العام 2016، وما صدر عن مؤتمر باريس الدولي في العام 2017 ، ومحكمة العدل الدولية في العام 2004 ، وكافة قرارت وتوصيات الأمم المتحدة التي تؤكد حقوق الشعب الفلسطيني غير القالة للتصرف.

تهويد وإستيطان

 

وخلال السنوات العشر الماضية لم تتوقف إسرائيل عن تطبيق سياسة التهويد والاستيطان ومصادرة أراضي الفلسطينيين وهدم بيوتهم والغاء الطابع الفلسطيني والعربي للقدس الشرقية وتهويدها.

وتتصاعد هذه الاجراءات الإسرائيلية في الآونة الأخيرة في ظل الكنيسيت الاسرائيلية الحالية، التي وصفتها صحيفة “هآرتس” الاسرائيلية نفسها في 26/6/2015 بأنها “الأكثر عنصرية في تاريخ إسرائيل. ولا حاجة للتذكير بقانون إقصاء اعضاء القائمة العربية المشتركة في هذه الكنيست. وتشن قوات الإحتلال حرباً يومية على الضفة الغربية وتمارس عمليات الاعتقال للعناصر الوطنية وتحتجز اعدادًا كبيرة من الأسرى وراء الأسوار بينهم 438 طفلاً فلسطينياً.

حـل الدولـتـيـن

 

والآن يمكن القول ان إسرئيل نجحت في أن تقطع الشوط الأكبر على طريق تصفية “حل الدولتين” ، وقد شنت إسرائيل ثلاثة حروب ضد قطاع غزة منذ ما سمى بـ “عملية الفصل” : حملة الرصاص المسكوب في العام 2008، وعمود السحاب العام 2012 ، والجرف الصامد في العام 2014 .

وفي الوقت ذاته، تشن إسرائيل غارات من الجو والبحر ضد أهداف في دول مختلفة في المنطقة، بهدف ضرب ما تعتبره تل أبيب مخازن أو قوافل أسلحة معدة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وقامت بسلسلة من الغارات الجوية على مخازن سلاح في سوريا، وهو السلاح الذي يستخدمه الجيش السوري لمواجهة المنظمات الارهابية.

وكتب المحلل العسكري الاسرائيلي رون بن يشاي يقول أن اسرائيل قررت الآن من هو الأخطر على مصالحها: وهو نظام الحكم السوري وليس تنظيم “داعش” ! وفي كانون الثاني/يناير العام 2016، أكد وزير الدفاع الاسرائيلي السابق موشيه يعالون أنه يفضل وجود “داعش” في مرتفعات الجولان على نظام الحكم السوري وحلفائه.

وقد استطاعت إسرائيل تكريس احتلالها لأراضي فلسطين واغتصاب ما يزيد على ستين في المئة من الضفة الغربية –إلى جانب القدس والجولان- بفضل الدعم الأميركي العسكري والتكنولوجي والاقتصادي والسياسي والدبلوماسي، وهو ليس دعماً لما يسمى بـ”أمن إسرائيل”، وإنما هو دعم كامل ومطلق وغير مشروط للتوسع الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، ومساندة غير مسبوقة للاحتلال الإسرائيلي.

وقد تسلمت إسرئيل مؤخرًا من الولايات المتحدة الدفعة الأولى من طائرات f-35   المتطورة التي تتميز بقدرتها على الاختفاء عن شاشات الرادار، وعلى حمل الأسلحة الذكية ، كما أنها تحتوي على أفضل أجهزة استشعار بين المقاتلات العالمية.

والمعروف منذ سنوات عديدة أن الولايات المتحدة ملتزمة بسياسة تقضي بالمحافظة على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل على كل الدول العربية مجتمعة مع ضمان حصولها على أفضل منظومة  السلاح والعتاد والتكنولوجيا. كما وقعت اسرائيل في آواخر عهد الرئيس الأميركي السابق بارك أوباما على اتفاقية تقضي بحصولها على أكبر معونة مالية في تاريخها. وكانت واشنطن قد وافقت على طلب اسرائيل زيادة المعونات العسكرية السنوية التي تقدمها لها ابتداءاً من العام 2017 ، ومبلغ الزيادة هو 800 مليون دولار، لتصل المساعدة إلي 4 مليارات دولار سنوياً. وتسعى إسرائيل في الحصول على زيادة أخرى لتصل المعونة إلى 5 مليارات سنوية!

الإقصاء والإلغاء

 

ثمة جرائم حرب إسرايلية في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية الثالثة الجارية الآن، منها التعجيل في اطلاق النار بهدف القتل العمد، حتى ولو كان الضحية الفلسطيني جريحاً وممدداً على الأرض. ولم يتسطع الفلسطينيون أو العرب حتى مجرد توفير الحماية للشعب الفلسطيني الأعزل الذي يواجه جيشاً من القتلة يمارس عمليات الإعدام الميداني  بكل وحشية، إلى جانب المستوطنين القتلة الحاقدين والمتطرفين.

وقد برهنت العقود الماضية على أن الكيان الإسرائيلي مؤسس على فكرة الإقصاء والإلغاء، حيث أن بناء “الدولة اليهودية” يقتضي التخلص من السكان الأصليين أصحاب الأرض، والسيطرة على من تبقى منهم من خلال عملية ممنهجة لسرقة الأرض والتراث وحتى الذاكرة، لأن مصادرة التراث والذاكرة والتاريخ هي شرط فرض وتصنيع وتثبيت الوجود الإسرائيلي اليهودي.

إنها أيدولوجية مبنية على الاحتلال والاحلال والتمييز والعنصرية والتدمير والقتل، وفرض وقائل على الأرض بالقوة الغاشمة.

وقد كشف استطلاع للرأي فى اسرائيل أجراه معهد “بيو” الأميركي للأبحاث في واشنطن خلال الفترة الممتدة بين تشرين الأول/أكتوبر العام 2014 وأيار/مايو العام 2015، أنّ أربعة من كل خمسة يهود يقفون إلى جانب التمييز  لصالح اليهود، وأن 48 في  المئة من اليهود في إسرائيل يؤيدون طرد المواطنين العرب. وصدر كتاب في إسرائيل بعنوان ” عقدة الملك” يشجع اليهود على قتل الفلسطينيين، بمن في ذلك الأطفال الرضع، بالاستناد إلى أحكام الشريعة اليهودية.

ومن هنا ، فإن كل ما يشغل رئيس الحكومة الإسرائيلية الآن بعد 69 سنة من النكبة هو إحاطة إسرائيل بجدران أمنية لحمياتها من “الحيوانات المفترسة”!

جيل جديد

غير انه – برغم ذلك كله – يعترف بعض المفكرين في إسرائيل بأن الجيل الفلسطيني الجديد يختلف عن جيل الإنتفاضتين السابقتين. صحيح انه جيل محبط ومكتئب وضائع، ولم يزر إسرائيل قط، ولم تر عيناه البحر ولم يسافر إلى الخارج، لكنه يعيش من خلال الشبكة العنكبوتية، ويتعلم ويتعرف على العالم من خلالها. هذا العالم الاعلامي الجديد قد كسر احتكار المعلومات، وأصبح متاحاً للشباب في مخيمات اللاجئين التواصل مع هذا العالم الذي يعيش سكانه ظروف أفضل من ظروف هذا الشباب.

شباب فلسطين اليوم يقاوم الاحتلال دون أن يكون منتمياً إلى أي منظمة. إنها ظاهرة أفراد لا يهمهم أن تجري أو لا تجري مفاوضات فلسطينية-إسرائيلية. هؤلاء الشباب لا يقبلون أن يتوحش الاسرائيليون ويعربدون، بينما السلطة الفلسطينية تتراجع مكانتها، والمؤسسات الفلسطينية لم تعد موضع ثقتهم. كل مايهم هذا الجيل هو حقوقه كإنسان، واسرائيـل تحرمه من حقوقه التي يطالب بها كإنسان.

ويوجد في الأراضي المحتلة مليون فلسطيني تتراوح أعمارهم بين 15  و30 سنة، وهم الخزان الرئيسي لقوى المواجهة ضد الاحتلال، وقد أكمل ثلثهم دراسة متوسطة وعُليا غير أن ثلثهم عاطل عن العمل.

وفي الأراضي المحتلة يوجد شباب فلسطينيون يحملون شهادات جامعية في الكيمياء، ولكنهم يعملون كنجارين، كما أن هناك حملة شهادات في الرياضايات، ولكنهم يعملون في بناء المساكن. ويوجد في الضفة الغربية 1.7 مليون فلسطيني يستخدمون “الفيسبوك” من مجموع 2.8 مليون فلسطيني، و يقول  الإسرائيلي الون بن ديفيد “انه جيل فلسطيني مختلف ومرفوع الرأس أكثر من كل الفلسطينين الذين عرفناهم في المواجهات الماضية، وهذا الجيل لن يخضع”.

ولكن الحكومة الاسرائيلية تعيش في عالم آخر. يقول المعلق العسكري الإسرائيلي عاموس هرئيل في صحيفة “هآرتس” (20/2/2016) أن إسرائيل تتمنى استمرار سفك الدماء المتبادل لعدة سنوات من دون حسم . وهناك بين الإسرائيليين من يؤكد أن الحكومة الحالية لن تسمح بإنهاء النزاع حتى لو قُدم لها الحل على طبق من فضة على حد تعبير آري شافيط، المحلل السياسي الإسرائيلي، ذلك أن كل الغرائز الظلامية تسطير على هذه الحكومة، ورئيس الحكومة الإسرائيلية مقتنع بأن الوضع الراهن ممكن أن يستمر إل مالا نهاية!

 

لا تسـوية …

وقد أدى تراجع النزعة القومية في العالم العربي إلى تهميش القضية الفلسطينية التي كانت طوال عقود سابقة موضع إجماع بإعتبارها القضية المركزية، ولم يعد الإهتمام بهذه القضية على رأس أولويات اللاعبين الرئيسيين في المنطقة… حتى أن عمليات القتل خارج القانون التي يرتكبها الإسرائيليون ضد المتظاهرين الفلسطينيين، لم تجد من يهتم بها سوى مارجوت ويستروم وزيرة خارجية السويد!

ولهذا السبب أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعلون في حزيران/ يونيو العام 2015 (قبل أن يغادر منصبه) أنه لا يتوقع التوصل إلى تسوية سياسية مستقرة مع الفلسطينيين وهو على قيد الحياة، رغم أنه يعتزم أن يعيش لفترة طويلة (!)، وقال أن “المخاطر التقليدية التي تواجه إسرائيل قد تقلصت، وأنه لا خطر من هجوم جيوش عربية”.

وأوضح نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال يائير جولان في آذار/مارس العام 2016 في ندوة بجامعة “بار ايلات” أن وضع اسرائيل مريح في ظل هذه الأجواء الفوضوية في المنطقة.

حال العرب

هنا نتوقف عند أهم وأخطر ما يمكن رصده في الأوضاع العربية الراهنة:

المنظمات الارهابية التي تحمل أسماء مختلفة وتعبر عن توجه واحد (مثل “داعش” و”القاعدة” وجماعة “الإخوان” و”أحرار الشام” و”بيت المقدس”… إلخ) أعلنت الحرب على الدول الوطنية في العالم العربي، بدعم كامل من أميركا وتركيا ودول خليجية.

ولم تعد هناك قضية تحمل اسم فلسطين، بل حلت محلها “الخلافة الإسلامية”، وشاهدنا جحافل البرابرة الذين جاروا من زمن الجاهلية يدمرون العالم العربي، بعدما تلقوا التمويل والتدريب والتسليح، على أيدي أعداء العرب، يرتكبون المذابح ويمارسون قطع الرؤوس وحرق البشر أحياء، وينشطون في سبي النساء وبيعهن كجواري، وتخريب كل المؤسسات.

ولا مفر من تسجيل ما كتبه المعلق العسكري للقناة العاشرة الاسرائيلية في صحيفة “معاريف” يوم 29 شباط/فبراير 2016، فقد ذكر ما يلي: “في السنوات الأخيرة أقامت اسرائيل شبكة علاقات سرية غير مسبوقة مع الدول السنية المعتدلة ..فهذه الدول تجمعها مع إسرائيل مصالح مشتركة ويهددها أعداء مشتركون… وتتضمن هذه الشبكة من العلاقات تعاوناً استخبارياً وثيقاً، وتعاوناً أمنياً، وزيارات دورية متبادلة بين الجانبين. ويجري هذا كله تحت غطاء من السرية. انها علاقات من نوع العشق المحرم”.

ومعنى ذلك أن الأوضاع العربية الراهنة لم تترك لاسرائيل مهمة أخرى تقوم بها، سوى العمل على توسيع نقاط الالتقاء مع أنظمة عربية مختلفة، وخاصة إذا كانت هذه الأنظمة تعتبر أن العدو الأول الذي يجب مواجهته هو إيـران، وهو نفس موقف إسرائيل.

كذلك إذا كان هناك من يعتبر أن “الشيعة”  وليس الاحتلال الاسرائيلي،  هم الخطر الأكبر… فماذا يبقى لفلسطين؟

خطر التصفية

إذن لم يبقى أمام إسرائيل في المنطقة العربية، سوى مهمة الحفاظ على احتلالها الكامل للتراب الفلسطيني، وتثبيت هذه السيطرة، تنفيذا للحلم التاريخي للحركة الصهيونية. أما بقية مهمات تدمير المنطقة العربية ، فان العرب أنفسهم يقومون بهذا الدور، فضلا عن عوامل الضعف والتآكل داخل المنطقة العربية، فالعرب يدورون حول أنفسهم ويراوحون مكانهم، كما لو كنا نعيش قبل 15 قرناً.

الآن تتراجع الهوية العربية لكي تبرز هويات عرقية ودينية ، وتتحول الهوية من قومية جامعة إلى صراع مذهبي.

وبعد 69 عاما من نكبة  فلسطين وتهجير أهلها بقوة السلاح، وبعد خمسين عاما من الاحتلال العسكري الإسرائيلي لكل أراضي فلسطين ، و24 عاما من فشل اتفاقيات أوسلو، تسير إسرائيل بخطى سريعة على طريق دفن فكرة الدولتين، وفرض نظام الفصل العنصري داخل إسرائيل نفسها ضد الفلسطينيين الذين بقوا هناك بعد العام 1948 .

وبايجاز، فإن قضية فلسطين تواجه أخطر مراحلها، حيث تواجه شبح التصفية النهائية بسبب الدعم الأميركي لليهود والإستيطان والإحتلال، وعلى أيدي جميع الرؤساء الأميركيين منذ العام 1948 ، وبسبب التمزق العربي الذي يصل في حالات معينة إلى حد التواطؤ مع العدو الإسرائيلي.

ولا يبقى هناك شعاع أمل إلا في ذلك الجيل الفلسطيني الجديد الذي “لن يقبل الخضوع”.

نبيل زكي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق