سياسة واقتصاد

قاذفات روسية في إيران: خطوة تكتيكية.. بأبعاد استراتيجية

“في السادس عشر من آب 2016، نفذت قاذفات بعيدة المدى من طراز (تو 23 أم 3) وقاذفات “سو 34″، انطلاقاً من قواعدها في همدان، سلسلة غارات جوية ضد أهداف تابعة لجماعتي (داعش) و(جبهة النصرة) في محافظات حلب ودير الزور وادلب”.

هكذا أوردت وزارة الدفاع الروسية خبر استخدام سلاح الجو الروسي لقاعدة همدان في ايران، في تطوّر كبير، على المستويين التكتيكي والاستراتيجي، يؤشر الى تصعيد الحملة العسكرية الروسية  ضد الجماعات المسلحة في سوريا، ويكرّس مرحلة متقدمة من تطوّر العلاقات بين الاتحاد الروسي والجمهورية الاسلامية.

الغارات الروسية التي نفذتها قاذفات “تو 23 أم 3” و”سو 34″، بغطاء من مقاتلات “سو 30 أس ام” و”سو 35 اس” المرابطة في قاعد حميميم في اللاذقية، استهدفت، بحسب وزارة الدفاع الروسية، “خمسة مستودعات سلاح كبيرة، ومعسكر تدريب عسكري، وثلاث نقاط للتحكم والسيطرة، وعدد كبير من الارهابيين” في سراقب والباب وحلب ودير الزور.

Untitled-2

والجدير ذكره، أن معظم مناطق محافظة ادلب، بما في ذلك سراقب، تخضع لسيطرة “جبهة النصرة”، التي غيّرت اسمها مؤخراً إلى “جيش فتح الشام” بعدما زعمت فك ارتباطها مع تنظيم “القاعدة”، وهي تقود تحالفاً يضم جماعات مسلحة أخرى لكسر الحصار عن مناطق  سيطرة المسلحين في الأحياء الشرقية لمدينة حلب.

أما في دير الزور، فإن السيطرة العامة للمناطق المحيطة بمركز المحافظة، هي لتنظيم “الدولة الإسلامية”، في حين يتوقع أن تكون مدينة الباب في محافظة حلب الهدف اللاحق للهجوم ضد “داعش” من جانب “قوات سوريا الديموقراطية”، بعد تحرير منبج.

استخدام روسيا لقاعدة جوية ايرانية لم يكن مستبعداً تماماً، إذ سبق ان نشر معهد دراسات اميركي في كانون الأول الماضي صوراً عبر الاقمار الاصطناعية لمقاتلات من طراز “سو 34” في “قاعدة الشيد نوجي” في همدان، مشيراً كذلك إلى تحرك طائرة نقل عسكرية من طراز “أي إل 76” في هذا المطار، ولكنه أشار الى الأمر ربما يكون مرتبطاً بمشاكل لوجستية وتقنية واجهتها الطائرات الروسية وتطلبت وضعها مؤقتاً في قاعدة ايرانية.

ولكن عامل المفاجأة، الذي تنكره الولايات المتحدة، يتمثل اليوم في استخدام الأراضي الإيرانية كنقطة انطلاق لقاذفات استراتيجية روسية بعيدة المدى، على غرار تلك التي نفذت غاراتها على سوريا بالأمس.

خطوة تكتيكية

 قاذفات "توبوليف 22 ام 3" في احد العروض العسكرية في روسيا

قاذفات “توبوليف 22 ام 3” في احد العروض العسكرية في روسيا

ليست هذه المرة المرة الأولى التي تستخدم فيها روسيا مقاتلاتها وقاذفاتها وطوافاتها في ضرب المجموعات المسلحة المتشددة في سوريا، منذ بدء حملتها العسكرية في 30 أيلول العام 2015.

وسبق استخدام طائرات “توبوليف – تو 22 أم 3″، المصممة كقاذفات استراتيجية طويلة المدى، والتي تعرف باسم “باكفاير” في قاموس حلف شمال الاطلسي، في شن غارات على أهداف في سوريا، حيث تمت تجربة ضرباتها الدقيقة ضد مواقع لتنظيم “داعش”.

كذلك، فإنّ مقاتلات “سوخوي 34” التي رافقت قاذفات “تو 22 أم 3” في مهمتها الأخيرة، قد استخدمت مرّات عدة في توجيه ضربات ضد الإسلاميين المتشددين في سوريا، لا بل كانت من أولى الطائرات الحربية الروسية التي وصلت إلى سوريا في نهاية العام 2015.

وحتى الأمس القريب، كانت القاذفات الاستراتيجية الروسية تعمل انطلاقاً من قواعد جوية في جنوب روسيا، والسبب الأساسي في ذلك أن القاعدة الجوية في سوريا ليست مجهزة لاستقبال “تو 22 أم 3″، وهو ما جعل القيادة العسكرية الروسية تبحث عن بديل آخر، إلى أن وجدت غايتها في قاعدة همدان في شمال غرب إيران (280 كيلومتراً جنوبي غربي طهران)، التي تم تجهيزها على نحو سريع لتأدية هذا الغرض.

ومن خلال الخطوة الروسية الأخيرة، فقد صار بإمكان قاذفات “تو 22 أم 3″، أن تختصر رحلتها بنحو 60 في المئة.

وللتوضيح فإن المسافة التي ينبغي على هذا النوع من المقاتلات أن تقطعها، من الجنوب الروسي، لضرب أهداف عسكرية قرب مدينة تدمر السورية تقدّر بنحو2150 كيلومتراً. وأمّا إذا أقلعت من قاعدة همدان فإن المسافة في تلك الحالة ستكون نحو 900 كيلومتر.

ولكن الأمر لا يقتصر على هذا الجانب، فتقصير طول الرحلة الجوية لقاذفات “تو 22 أم 3″، يقلل من الكلفة المرتبطة بالعمليات الجوية الروسية في سوريا، ويجعلها أكثر فعالية. والأمر هنا يتعلق بكلفة الوقود والصيانة من جهة، وإمكانية تحميل القاذفة بكمية أكبر من الذخيرة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

ومن الناحية العملانية، أشار الخبير العسكري الروسي كونستانتين سيفكوف، في حديث مع وكالة “سبوتنيك”، إلى أنّ فعالية الضربات التي توجهها القوات الجوية الروسية لمواقع الإرهابيين في الأراضي السورية تزداد ثلاث مرات عندما تنطلق الطائرات من إيران.

 

وللتوضيح، فإن قاذفة “تو 22 أم 3” قادرة على حمل قنابل تزن نحو 22 طناً عندما تقلع من إيران، في حين لا تستطيع حمل سوى ثمانية أطنان عندما تنطلق من الأراضي الروسية، ما يعني أن فعالية ضرباتها الجوية تزداد بمعدّل ثلاث مرّات على الأقل، علاوة على ذلك فإن تلك الطائرات لا تستطيع الوصول الى سوريا، انطلاقاً من الاراضي الروسية، إلا إذا تزوّدت بوقود إضافي في الجو.

وعلى هذا الأساس، فإن استخدام قاعدة همدان يمنح روسيا تقدماً تكتيكياً لان قاذفاتها الثقيلة يمكنها نقل قذائف اكثر بكثير وبوقت طيران أقل.

أما من الناحية الاقتصادية، فقد لفت رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس النواب الروسي الأدميرال فلاديمير كومويدوف إلى أن نشر الطائرات الروسية في إيران سيوفر الكثير من النفقات، خصوصاً في ظل الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الروسي، والتي جعلت قضية الانفاق على العمليات العسكرية على رأس جدول الأعمال في الدولة الروسية، بحسب ما نقلت عنه وكالة “انترفاكس” الروسية.

تطوّر استراتيجي

وعلاوة على الجوانب التكتيكية والعملانية، فإن استخدام قاعدة جوية إيرانية كنقطة تمركز وانطلاق للطائرات الحربية الروسية يعكس تطوراً استراتيجياً سواء بالنسبة إلى روسيا أو إيران.

ومعروف أن تلك هي المرة الأولى التي تستخدم فيها روسيا قاعدة أجنية في الشرق الأوسط، في ما عدا قاعدة حميميم، لتنفيذ عملياتها العسكرية في سوريا.

وتعكس تلك الخطوة تمدد التأثير السياسي الروسي في الشرق الأوسط من جهة، ومزيداً من التقارب بين روسيا وإيران من جهة ثانية.

وفي ما يتعلق بتعزيز الحضور والتأثير الروسيين في الشرق الأوسط، لا بد من التوقف عند تفصيلين مرتبطين بالخطوة الروسية الأخيرة.

أولاً، صار بإمكان روسيا التحرك عسكرياً بحرّية كبيرة، بما يجعلها في هذا الإطار في موقع الندّية مع القوات الأميركية، وهو ما يعكسه تصريح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الذي أكد أن العراق سمح للطيران الروسي باستخدام اجوائه  – بشرط أن يتم ذلك عبر ممرات محاذية للحدود وليس فوق المدن العراقية – لافتاً إلى أن هذا الإذن نفسه مُنح لطائرات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، والتي تعبر اجواء العراق انطلاقاً من قواعدها في الكويت.

ثانياً، بات ينبغي على كافة الأطراف التنسيق مع روسيا لتجنب أي اشتباك جوي. وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم عمليات التحالف الدولي كريستوفر هافر إن روسيا ابلغتهم بشأن طلعاتها، وفقاً لاتفاق سلامة الطيران، مؤكداً أن ذلك “لم يؤثر على عمليات التحالف سواء في العراق أو في سوريا”.

ثالثاً، يمكن القول إنّ الخطوة الأخيرة تقدم دفعاً للمقاربة الروسية القائمة على فكرة تشكيل تحالف دولي ضد الارهاب، خصوصاً إذا ما استتبع التعاون الروسي – الإيراني، بتعاون روسي- تركي، ما سيمنح روسيا ورقة جديدة للتفاوض مع الغرب.

وفي هذا السياق، لم يستبعد رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد الروسي فيكتور اوزيروف إقدام تركيا على تغيير موقفها، بعد المحادثات التي جرت الأسبوع الماضي بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، الذي أبدى استعداد أنقرة لدعم موسكو في حربها ضد الإرهاب، لا بل اوزيروف ذهب أبعد من ذلك، حين قال ليس من المؤكد أن روسيا في حاجة إلى استخدام قاعدة إنجرليك، ولكن “هذا القرار سيكون ممكنا اعتباره دليلا على استعداد واقعي وليس كلامي لتركيا للتعاون مع روسيا في مواجهة الإرهاب في سوريا”.

ومن جهة ثانية، فإن القرار الإيراني بالسماح للطائرات الروسية باستخدام أراضيها يعد تاريخياً بكل المقاييس، فإذا كانت موسكو لا تجد مشكلة في استخدام قواعد عسكرية خارج روسيا، فإن المسألة تبدو مختلفة كلّياً بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية.

ولا بد من الإشارة إلى ان تلك هي المرة الأولى التي تستخدم فيها الأراضي الإيراني كقاعدة لتنفيذ تحرّك عسكري خارجي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

كما أنها المرة الأولى التي تتواجد فيها قوات روسية على الأراضي الإيرانية منذ انتهاء ما عُرف الأزمة الإيرانية-الأذرية في العام 1946، بعدما اسفرت الضغوط الديبلوماسية على موسكو عن انسحاب الجيش السوفياتي من إيران، في واحدة من الصراعات المبكرة للحرب الباردة.

دبابات سوفياتية في تبريز (1946)
دبابات سوفياتية في تبريز (1946)

علاوة على ذلك، فإن هذه هي المرة الأولى التي تستضيف فيها إيران قوات عسكرية أجنبية منذ الثورة الإسلامية. والجدير ذكره في هذا الإطار، أنه حتى في أيام الشاه محمد رضا بهلوي لم تسمح إيران، حتى لحليفها الأميركي، سوى باستخدام عدد من المراكز في شمال شرق البلاد، كقواعد تنصت لمراقبة الاتصالات في الاتحاد السوفياتي.

وعلى مستوى آخر، فإن الخطوة الأخيرة تكرّس تطوراً استراتيجياً في علاقات إيران الخارجية، بعد عقود على تمسك القيادة الإيرانية بشعار الإمام روح الله الخميني: “لا شرقية ولا غربية”.

ونقلت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية عن علي شمخاني رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني يوم الثلاثاء قوله إن طهران فتحت منشآتها أمام روسيا لمحاربة الإرهاب ووصف التعاون بين البلدين بأنه استراتيجي.

ولا شك في أن فتح القواعد العسكرية الإيرانية لقوات أجنبية أمر حساس جداً في الداخل الإيراني، في ظل مناخ داخلي يقدّس السيادة الوطنية، وربما هذا ما يفسر التصريحات التي أدلى بها رئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) علي لاريجاني، بعد يوم على الغارات الروسية، والتي أكد فيها أن إيران لم تمنح روسيا قاعدة عسكرية على اراضيها، وبالتالي فإن التحركات الروسية في هذا الإطار مؤقتة، في محاولة واضحة لتهدئة الحساسيات الداخلية، لا سيما بعدما اعتبر النائب في لجنة الدفاع البرلمانية حشمت فلاحة أن منح الروس قاعدة على الاراضي الايرانية يخالف المادة 176 من الدستور.

معركة حلب

يعكس نشر الطائرات الحربية في ايران تصعيداً للحملة العسكرية الروسية في سوريا، وربما يكون مؤشراً على تحوّل ميداني مرتقب في حلب ومحيطها.

وبحسب ما قال المحلل الروسي في مركز “كارنيغي” اليكسي ارباتوف لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية فإنه “بالمعنى العسكري، يبدو أن الوضع في حلب صعب للغاية، ما يعني أن ثمة حاجة إلى جعل الضربات الجوية أكثر قوة، وبالتالي فإن الخطوة الروسية تعكس ميلاً لتصعيد الحملة العسكرية الروسية بشكل حاد”.

ويعني ذلك، بشكل أو بآخر، أن روسيا قد اتخذت قراراً حاسماً بنقل الحملة العسكرية ضد الجماعات المسلحة في سوريا إلى مستوى أكثر تقدّماً، من شأنه أن تكون له انعكاسات كبرى في الميدان، لا سيما أن تسيير قاذفات “تو 22 أم 3” من ايران ترافق مع مناورات عسكرية أطلقتها البحرية الروسية في البحر الأبيض المتوسط وبحر قزوين، بمشاركة سفن حربية تحمل منظومة صواريخ “كاليبر” الموجهة.

وعلاوة على ذلك، فإن روسيا، وبحسب تقارير اعلامية، قد طلبت فعلاً من إيران والعراق إذناً باستخدام اراضيهما لإطلاق صواريخ “كاليبر” المجنّحة لاستهداف مراكز للتنظيمات المتشددة في الاراضي السورية، انطلاقاً من سفن حربية في بحر قزوين، وهو ما سبق أن قامت به، مع بدء الحملة الجوية في نهاية العام 2015.

وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو
وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو

وترافق ذلك، مع تصريحات ملفتة للانتباه من جانب وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، الذي قال إن موسكو وواشنطن اقتربتا من اتفاق حول سوريا، وتحديداً في مدينة حلب، بما يجعلهما قادرين على القتال معاً.

وبحسب شويغو، فإن معلومات وزارة الدفاع الروسية تفيد بأن نحو 700 ألف مدني ما زالوا عالقين في حلب، وأن الممرات الانسانية التي خصصت لهم ما زالت مزروعة بألغام ارضية تمنع خروجهم، وهو ما يتطلب إقامة ممرات أخرى أكثر أماناً.

الدبلوماسي الروسي الكبير في جنيف ألكسي بورودافكين، قال بدوره، لوكالة “إنترفاكس”، إن الجيشين الروسي والأميركي في خضم “الاتفاق على بعض القضايا العملية الملموسة” بخصوص إيصال المساعدات الإنسانية الى حلب.

الولايات المتحدة لم تؤكد هذه المعلومات. لكن المؤشرات المتضاربة بشأن الاتفاق المحتمل مع الروس تبدى أقرب إلى الانفتاح على خطوة كهذه.

مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية وصف استخدام روسيا لقاعدة جوية إيرانية لتنفيذ ضربات عسكرية في سوريا بأنه “مؤسف لكنه غير مفاجئ”، مشيراً إلى ان واشنطن لا تزال تقيم مدى التعاون الروسي-الإيراني.

ومع ذلك، فإن المسؤول الأميركي أكد أن استخدام روسيا لقواعد إيرانية لن يمنع واشنطن بالضرورة من التوصل إلى اتفاق مع موسكو للتعاون في القتال ضد “داعش”، موضحاً في الوقت ذاته “أننا لم نصل بعد” إلى اتفاق بشأن التعاون، ومشيراً إلى أن روسيا تواصل ضرب فصائل “المعارضة المعتدلة” المدعومة من الولايات المتحدة.

في العموم، فإن التنسيق الروسي –الأميركي بشأن سوريا يتكثف يوماً بعد يوم. ومن المؤكد أن الأوضاع في حلب، والتطور المستجد بشأن التعاون الروسي-الإيراني، كانا مدار بحث في الاتصال الهاتفي بين الوزيرين سيرغي لافروف وجون كيري، يوم امس، ومن المرجح أن وتيرة تلك الاتصالات ستتسارع في ظل تسارع التطورات في الميدان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق