سياسة واقتصاد

قاسم سليماني … رجل إيران القوي لا تستهويه اللعبة السياسية

من العراق إلى سوريا، يجسد الجنرال قاسم سليماني ظل إيران في الشرق الأوسط، بكل معاركه. قائد وحدة النخبة في الحرس الثوري الإيراني، المعروف باسم “فيلق القدس”، يخوض الحروب منذ 37 عاماً. يتمتع بشعبية هائلة في إيران، ولكنه يتخذ مسافة من الانتخابات الرئاسية، شأنها شأن كافة جوانب اللعبة في إيران، لكأنه يريد البقاء “جندياً” حتى اليوم الأخير.

بهذه الكلمات قدّمت صحيفة “لوموند” الفرنسية صورة بانورامية عن “رجل إيران القوي” في الشرق الأوسط، عشية الانتخابات الرئاسية الإيراني، في تقرير مطوّل ينشر “بوسطجي” ترجمته إلى العربية.

آخر ظهور لسليماني كان في وقت بارد وضبابي على طريق يؤدي إلى قلعة حلب. التقطت تلك الصورة في كانون الأول/ديسمبر العام 2016، بعد يوم على سقوط معاقل “الثوار” السوريين. ملامح وجهه كانت حادة. كالعادة، ظهر سليماني في أرض المعركة، بزيّه المدني، معتمراً شال أخضر حول جبهته، وهو يعاين الدمار، ويتذوّق انتصاره.

قبل ذلك بسبعة عشرة شهراً، وتحديداً في تموز/يونيو العام 2015، ذكرت مصادر أميركية وشرق أوسطية أن سليماني توجه إلى واشنطن، عارضاً خرائط سوريا، تحت أنظار الرئيس فلاديمير بوتين: لقد حضّر الجنرال سليماني تفاصيل الدخول في الحرب الروسية في سوريا. الرئيس السوري بشار الأسد يدين له بالكثير، فهو الذي دفع بالقوات الإيرانية إلى سوريا، منذ العام 2012، لسحق “الثورة” التي تحوّلت إلى “تمرّد عسكري” ضد نظام الأسد، الحليف الوثيق لطهران.

رجل الحروب

 

37 عاماً إذاً، أمضاها قاسم سليماني، الرجل الأقوى في الشرق الأوسط، مع الحروب. خاضها، للمرة الأولى، في العام 1980، حين انخرط في معركة الدفاع عن الثورة الإيرانية الفتيّة، في مواجهة غزو “الدكتاتور” العراقي صدام حسين.

في العقد الماضي، عاد قاسم سليماني إلى العراق، ولكن هذه المرّة “حاكماً”. حتى اللحظة، يقوم بدور الحكم بين الأحزاب الشيعية الحاكمة في بغداد، ويموّل الميليشيات العراقية التي تقاتل تنظيم “الدولة الإسلامية” (“داعش”) منذ صيف العام 2014.

بكثير من الصبر، أعاد قاسم سليماني، الذي يحمل رتبة جنرال بنجمتين، تشكيل الشرق الأوسط، من خلال بناء “محور المقاومة”، الذي يشكل صلة الوصل بين إيران والبحر المتوسط، عبر العراق وسوريا ولبنان. كما يقدّم الدعم لحركة “حماس” الفلسطينية، وعدد من التنظيمات السرية في قلب الملكيات العربية في الخليج الفارسي. لقد نجح في صد تركيا، واستفزاز السعودية… حتى بسط النفوذ السعودي على امتداد الشرق الأوسط.

“هل تؤمنون بالرموز الأسطورية؟”. نظرة الاعجاب التي يحملها عبد الله غانجي، مدير صحيفة “جافان” القريبة من الحرس الثوري، لقاسم سليماني ليست مخادعة، فالأخير أمضى الفترة الجوهرية لمسيرته في الظل، تحوّل إلى صورة نموذجية للبروباغندا منذ بدء الأزمة السورية، وبروز تنظيم “داعش”، العدو الأول لإيران الشيعية. هو الوجه الجديد للجمهورية الإسلامي، بوصفه المدافع المتواضع عن بلد يتصدّى للبربرية “الجهادية”، وبالرغم من أن الحروب تحيط بكل حدوده.

بالنسبة إلى محمد حسين جعفري، فإن “قاسم شخص سماوي”. هذا المراسل العسكري العتيق سار في كافة  الطرق التي سلكها الجنرال في عملياته، وتجمع بينهما صداقة.

وأمّا بالنسبة إلى “جعفريان”، فإن سليماني ببساطة “يقود حرب الخير ضد الشر”. هذا المقاتل، المخلص لمُثل العالة الاجتماعية للثورة الإسلامية، ومشروع تصديرها خارج حدود إيران، يرى أن سليماني هو مثال على أن تلك الثورة ما زالت حيّة.

 الجمهورية الإسلامية عمرها اليوم 38 عاماً: لقد تبرجزت. ثمة تكنوقراط يريدون منح حكومة الرئيس الإصلاحي حسن روحاني وكالة جديدة. قدامى المقاتلين في الحرب ضد العراق أصبحوا موظفين رفيعي المستوى، رجال أعمال، أو ساسة بارزين، مثل محمد باقر قاليباف، الذي خاض الانتخابات الرئاسية (قبل أن ينسحب). أما سليماني فيبدو أشبه بـ”تشي غيفارا” إيراني، يصر على ان يصحو عند الفجر، ويجوب العالم.

“منذ الثورة، كان ولا يزال في ميدان الحروب. لم يعش حياتاً كالتي نعيشها نحن”، يقول غانجي، مضيفاً “رجال مثله يخافون الموت على سرير. هو يريد أن يكون شهيداً”. وبالفعل، فقد عبّر سليماني عن امنيته تلك، أمام الكاميرا، على الجبهة العراقية في العام 2009، قائلاً “ميدان المعركة هو الجنة التي تفتقدها الانسانية. الجنة هي حيث تكون أعمال الرجال وحسناتهم في أعلى مستوى”.

البدايات مع الثورة… و”فيلق القدس”

 

اليوم، يبدو سليماني رجلاً قوياً، ومثقفاً، يسير بخطى هادئة. يظهر قارئاً لإحدى روايات غابرييل غارسيا ماركيز. في الأصل، كان ابناً لفلاح فقير في جبال كرمان في جنوب إيران. في الثالثة عشرة من عمره، وبعد خمسة أعوام أمضاها في المدرسة الداخلية، صار عاملاً في حقول حاكم المقاطعة. في تلك المرحلة، اندلعت الثورة الإيرانية، التي واكبها ذلك الشباب، بقامته القصيرة وبنيته القوية، وبحماسته للثقافة، حين التحق بـ”حرس الثورة”.

التحق سليماني بالثوار ، بتوجهاتهم المتعددة، من رجال الدين والقوميين، إلى أولئك الفوضويين الغاضبين على الشاه. اليوم، يعلم الكثيرون ممن يحتفظون بذاكرة بطولات الحرب ضد العراق – سواء من المحاربين القدامى أو المقاتلين الشبان – أن قاسم سليماني اكتسب سمعة صلبة، حين قاد عمليات الكوماندوس خلف خطوط العدو.

في العراق، عشق سليماني الشهادة. وهناك صقل التحدي تجاه ذلك الغرب الذي كان يدعم صدام حسين، متجاهلاً استخدام الدكتاتور العراقي للغازات السامة على الجبهة، وضد المدنيين. وحين حطت الحرب أوزارها، قاد سليماني حراس الثورة في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى محافظة سيستان – بلوشستان المجاورة، لمقاتلة متمرّدي الأقلية السنية، ومهرّبي المخدّرات عند الحدود مع افغانستان. إثر ذلك، تولى قيادة “فيلق القدس” في العام 1997 أو 1998، أي بعد عامين من استيلاء “طالبان” على السلطة في كابول.

“اكتشفنا اسمه في فترة لاحقة: خلال التظاهرات الطلابية الكبرى في تموز/يوليو من العام 1999″، يقول فرشاد قربانبور، الصحافي الإصلاحي المقرب من الحكومة الحالية، مضيفاً أن سليماني، في تلك الفترة، وإلىى جانب اكثر من عشرين قيادياً في الحرس الثوري، وقع على رسالة موجهة إلى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، تأمره بوقف الإضطرابات، وإلا “فإنهم سيتدخلون”.

لم يكن لسليماني في ذلك الوقت وجه علني. كان أشبه بالضباب في الجهاز العسكري، كأحد القادة الذين يعملون في الظل، والذين يخشون التأثيرات الغربية على المجتمع الإيراني، والتي يرون أنها تهدد بـ”ثورة ملوّنة” ضد الجمهورية الاسلامية. هذه المخاوف، تجددت في صيف العام 2009، خلال التظاهرات الاحتجاجية عى اعادة انتخاب الرئيس محمود احمدي نجاد، والتي قُمعت بشدّة.

محادثات مع “العدو”.. عن بُعد!

 

برغم ذلك، لا يمكن إدراج سليماني في معسكر الصقور. فقد تميّز سريعاً بكونه تكتيكياً براغماتياً، وهو ما تبدّى بعد هجمات الحادي عشر من أيلول العام 2001، حين قررت الولايات المتحدة غزو افغانستان. وقتها ساد القلق في إيران لمجرّد التفكير بأن هناك قواتاً أميركية على حدودها. يومها، بادر سليماني إلى خطوة، كانت تنضوي على الكثير من المخاطرة في طهران، حيث العداء لأميركا عقيدة: “في اجتماع للمجلس الأعلى للأمن القومي، وقف سليماني ليدافع عن فكرة التنسيق مع الولايات المتحدة للإطاحة بحركة طالبان، وإيصال حميد قرضاي إلى الحكم”، حسبما يذكر حسين موسويان، المقرّب من روحاني، والذي كان حينها الأمين العام للمجلس.

في أحد فنادق جنيف، التقى ديبلوماسيون ايرانيون، يديرهم سليماني عن بعد، بشكل سري مع المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية ريان كروكر، الذي صرّح مؤخراً، لصحيفة “نيويوركر” إنه حصل خلال هذا الاجتماع على معلومات حول “طالبان” لم يكن يحلم بها: خرائط، احداثيات، خطط هجمات.

في التاسع والعشرين من كانون الثاني/يناير العام 2002، انقلب هذا التنسيق: في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وضع الرئيس الاميركي الأسبق جورج بوش الابن إيران، إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، في “محور الشر”. في تلك الفترة، كان الأميركيون يستعدون لغزو العراق. تجدد القلق في إيران، من احتمال أن تصبح البلاد محاصرة بالجيوش الأميركية، وكما هي الحال في الغرب، أيقن المسؤولون الإيرانيون أن الولايات المتحدة تعمل على التخلص من عدّوهم القديم، صدّام حسين، وأنها تجنّد قادة المعارضة العراقية في الخارج لتسلم الحكم.

يشير القيادي في “حزب الدعوة” العراقي (شيعي) علي الأديب إلى أن المناخ السائد في طهران، منذ الثمانينات، كان يخوّن معارضي المنفى العراقيين. ولكنه يشير إلى موقف متميزّ  لقاسم سليماني: “إنه سياسي ومخطط استراتيجي، وليس فقط رجلاً عسكرياً. هو يستمع جيداً ويتحدث مع الجميع، الشيعة كما الأكراد والسنة والأعضاء السابقين في حزب البعث”. من خلال وسطاء عراقيين، تفاوض سليماني مجداً مع كروكر منذ العام 2003، لتشكيل أول حكومة انتقالية في بغداد، ونجح في اقصاء المرشحين المعروفين بعدائهم للمصالح الإيرانية.

لم يجد المراقبون صعوبة في رصد الصعود القوي للجنرال سليماني ضمن هرمية جهاز الحكم في إيران. خلال زيارته لطهران، في العام 2005، رد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على سؤال من صحافي إيراني، حول ما إذا كان جدول أعماله في إيران مزدحماً، فأجاب “لن أقابل سوى شخصين: المرشد (علي خامنئي) وسليماني”.

“حزب الله” في العراق

كما هي الحال في افغانستان، عملت الولايات المتحدة على ترسيخ احتلال دائم للعراق. وبهدف إبعاد أية مغامرة عسكرية أميركية جديدة – هذه المرة ضده بلده – ناور قاسم سليماني مع الأميركيين في العراق، فعمد إلى تسليح حلفاء عراقيين، من بينهم أبو مهدي المهندس، المتهم في واشنطن بالتخطيط لسلسلة عمليات منسقة في كانون الأول/ديسمبر العام 1983 ضد السفارتين الأميركية والفرنسية في الكويت، ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص، كلهم كويتيون، وذلك رداً على الدعم الغربي لصدّام حسين في حربه ضد إيران. منذ ذلك الوقت، أقام المهندس في إيران، ويتحدث الفارسية. وفي حديثه عن سليماني، يفضل المهدنس استخدام صفة شرفية لراعيه: “السيد قاسم سليماني”، وهي الصفة التي تدل على تحدّر من آل الرسول.

في بغداد، طوّر سليماني شبكة مقاتلين تستوحي تجربة “حزب الله” الذي تشكل في الثمانينات في البقاع اللبناني، بمساعدة الحرس الثوري.

“أتى عماد مغنية (دماغ العمليات الخاصة في “حزب الله” والذي اغتيل في دمشق في العام 2008) إلى بغداد. كان بطلاً بالنسبة لنا. لقد خاض الحرب مع إسرائيل”، يقول قيس الخزعلي، رجل الدين العراقي الشاب، الذي يُتهم بمشاركته في عمليات لصالح الحرس الثوري، تضمنت، بحسب ما يقال، تصفية ممنهجة لطيارين قاموا بقصف إيران خلال حرب الأعوام 1980-1988.

يضيف الخزعلي “لقد درّبنا حزب الله، وعلّمنا كيف نصنع العبوات ضد المدرعات الأميركية. الحرس الثوري لا يملك سوى خبرة في الحرب التقليدية ضد العراق، وهذا ما لم نكن نحتاج إليه. أما حزب الله فكان فخبرته في حرب المدن (غيريلّا)، وعمليات اختراق جيش الاحتلال”.

في تلك الفترة، يقول مسؤولون ذوو توجهات اميركية، نصح سليماني بشار الأسد بفتح حدوده أمام جهاديين سنّة أتوا من كافة أنحاء العالم، لقتال الاميركيين في العراق. من لدن هؤلاء الجهاديين ولد الفرع العراقي من تنظيم “القاعدة”، الذي اخذ يقاتل الشيعة، وانثبثق منه تنظيم “داعش”.

“شخصية شيطانية”. بهذه العبارة وصف الجنرال ديفيد بتراوس، الذي تولى قيادة الجيش الأميركي في العراق في كانون الثاني/يناير العام 2007، الجنرال سليماني. عمل بتراوس على تهدئة الأوضاع في العراق، من خلال تحريض القبائل السنية على مقاتلة تنظيم “القاعدة”. في العام 2011، انسحب الجيش الأميركي من العراق، في خطوة أتت في سياق توجهات الرئيس باراك أوباما بالانسحاب من مشاكل المنطقة بأسرها.

بذلك، صارت إيران القوة الخارجية الوحيدة في إيران. في تلك الفترة، سعى سليماني إلى تحقيق الاستقرار في هذا البلد المجاور لإيران، ولكن حلفاءه الشيعة المحليين – أحزاباً وميليشيات – أعادوا كسر التوازن، من خلال سياساتهم الطائفية، فرئيس الوزراء نوري المالكي استنفر السنّة، وهو ما عزز قوة “الدولة الإسلامية”.

لكن البعض لا يرى في ذلك انتكاسة لإيران، بل مكسباً. من بين هؤلاء النائب العراقي السني حميد المطلك، الذي رأى في ما جرى نجاحاً لسليماني، مشيراً إلى أن إيران قسّمت العراقيين من خلال الاعتماد على ساسة فاسدين وطائفيين، ولافتاً إلى ان المسؤولين السياسيين الشيعة، وحتى قادة الميليشيات، لا يجرؤون على النظر إلى سليماني وجهاً لوجه، بل يتأملونه ويخافون منه، وهم ضعفاء أمامه!

“داعش” في الموصل

مهدت سيطرة تنظيم “داعش” على الموصل في صيف العام 2014 لذروة التمرّد السني ضد المالكي. تزعزعت الدولة العراقية حين دق الجهاديون أبواب العاصمة. خلال ثمانية واربعين ساعة، قدم قاسم سليماني إلى بغداد، مع عشرات الضباط، لتقديم الدعم.

“بفضل سليماني، لم يتمكن داعش من السيطرة على إربيل. كنا هناك سوياً في الرابع من آب. لقد تخلى الأميركيون عنهم (الأكراد)، ولم يأتوا إلا بعد شهرين”، يقول ابو مهدي المهندس، الذي تولى قيادة الحشد الشعبي، وهي مجموعة من المتطوعين، معظمهم من الشيعة، تشكلت بعد دعوة أطلقها آية الله علي السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق، بعدما تقهقر الجيش العراقي في مواجهة “داعش”.

تحوّل سليماني إلى شخصية عامة. راحت تؤخذ له صور ذاتية (سيلفي) مع المقاتلين على خطوط الجبهة. الجنرال الايراني، الذي يظهر دائماً بابتسامة خجولة تعكس تواضعه، بات موضع اطمئنان لحلفاء إيران، وحتى للإيرانيين أنفسهم، القلقين من تلك “الخلافة” المقامة على حدودهم.

في ما يتعلق بالحرب على “داعش” يقول علي الأديب إن سليماني “يقاتل من اجل حماية الدولة الإيرانية، ولكن المعركة هي أيضاً دينية بالنسبة إليه. الدين هو الذي يحرّكه وليس القومية”.

لكن الجنرال بتراوس يرى أنه “طالما هناك تحركات لسليماني وحلفائه في العراق، فالجهاد سينجح في هذا البلد”، معتبراً أن “الخطر الأكبر الذي يتهدد العراق، على المدى الطويل، يتمثل في تلك الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، والتي ستقوم بكل ما في وسعها لتقويض الجهود السياسية التي تحتاج إليها بغداد أكثر من أي شيء آخر.

“الامبراطورية” الإيرانية وحلفائها

في سوريا المجاورة، تتحدث القوى المعارضة للرئيس بشار الأسد عن “احتلال اجنبي” إيراني للبلاد. في الواقع، فإن القوة “الأممية” التي يقودها سيلماني وجدت موطئ قدم هناك: ما بين 20 و25 ألف مقاتل ينتشرون في سوريا، بحسب تقديراات مراكز الأحاض الروسية. ولكن الجنود الإيرانيين يشكلون أقلية، لا تتجاوز الثلاثة آلاف، من هؤلاء المقاتلين، بينما يستحوذ “حزب الله” على حصة الأسد، ويتلقى دعماً من مقاتلين عراقيين ووحدات أفغانية وباكستانية تم تجنيد عناصرها من صفوف المهاجرين الشيعة في ايران لمحاربة “طالبان” منذ التسعينات.

في واشنطن، يتركز البحث على الاسس الايديولوجية  التي تربط الحرس الثوري بتلك القوة “الأممية” المقاتلة: الطاعة الدينية والسياسية تحت قيادة المرشد الأعلى في إيران.

ولكن كثيرين يتساءلون عن موقع سليماني في جهاز الحكم الإيراني، وقدرته على التحكم بأموره.

بالنسبة إلى الأمين العام للمجلس الاعلى للأمن القومي في إيران الجنرال علي شمخاني فإنه “ليس الشخص من يقرر وانما النظام”، موضحاً “يأتي سليماني إلى طهران، يشرح الأوضاع على الأرض، ونتخذ القرارات الاستراتيجية، فيتولى تنفيذها”. ومع ذلك، فإن سليماني يتمتع بقدر كبير من الاستقلالية لا سيما في العراق، بحسب ما يوضح شمخاني، فهو الذي “يضع خطط المعركة، ويقرر، ويتحرك، أما نحن فلا نتدخل في خياراته التكتيكية، وهو يتمتع بالكاريزما الضرورية لإنجاز مهمته، وعند الحاجة، يتصل بنا”.

ولكن لا يمكن تجاهل، كما يقول مدير صحيفة “جافان”، أن سليماني يحتل مرتبة عسكرية توازي قادة الجيوش (البرية والبحرية). فهو يملك الأمرة على مجموعة من التحركات لـ”فيلق القدس”، الذي يُشتبه في قيامه بعمليات خارجية، منها في الارجنتين (ضد المركز اليهودي في العام 1994)، والولايات المتحدة (الهجوم على السفير السعودي في العام 2011).

وبعيداً عن كل ذلك، فإن سليماني يحظى بثقة المرشد، فهو على صلة به، وهو ما يمكن أن يعطيه نفوذاً كبيراً. ولعل ذلك ما أثار تكهنات بأنه يستعد للدخول في حلبة السياسة. ولكن ثمة من ينظر إلى الأمر بشكل مختلف: النائب السابق احمد سلامتيان يرى أن “روحاني يشبه تاليران: فهو ملّا الديبلوماسية وقد أتى الى الحكم من بوابة السياسة الخارجية. أما قاسم سليمان، فيشبه بابوليون: جنرال المجد. ولكن إيران ليست في حاجة اليوم إلى نابوليون”.

في أيلول/سبتمبر من العام 2016، وعلى أثر شائعات ذات طابع رئاسي، نفى “البطل الوطني” أية رغبة في خوض معترك اللعبة السياسية، حين أكد في بيان أنه “سيبقى جندياً حتى آخر يوم من حياتي إن شاء الله”.

ولعل سليماني يحظى بثقة كل التيارات السياسية في إيران، بحسب ما يقول المحلل الإصلاحي صادق زيباكالام، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى النأي بالنفس عن اللعبة السياسية.

خلال تشييع والدته، في طهران، في أيلول العام 2013، قبّل سليمان رجل الانفتاح على الغرب، وزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي  يعتقد أنه مقرّب منه. وبجواره، كان يقف جهاد مغنية، ابن عماد مغنية، القيادي الكاريزمي في “حزب الله”، وكان يعرّف بذلك الشاب لكل المتواجدين. في كانون الثاني/يناير من العام 2015، اغتيل جهاد مغنية على الأرض السورية، تماماً كما والده.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق