سياسة واقتصاد

بين قطر والخليجيين … أكثر من “نيران صديقة”

تتنامى حالة من عدم الاستقرار في المشهد العربي، وتشكل منعطفا شديد التعقيد والالتباس، في صورة غير مسبوقة، تسفر عن درجة من السيولة في المواقف وتناقضها وانزياحاتها الدؤوبة، في ظل مراهنات قيد التشكل والتغير المستمر، ووضع إقليمي ودولي منفلت، تتجدد فيه التحالفات وفق عقد إجتماعي جديد، وقلق في آن، فرضته طبيعة التحولات السياسية بعد “الربيع العربي” ومآلاتها، والتي مازالت تحفر أخاديد سياسية جديدة ومغايرة.

ويفصح ذلك عن جوهر ومجمل الصراع العربي الراهن وتأزمه، تبعا لتغير الحقائق الميدانية، وتبدل المرجعية السياسية العربية، والقوى المرتكزة عليها، بينما تتكون في الأفق شراكات محلية وإقليمية، مختلفة عن سابقتها من القوى التقليدية ومصالحها، فثمة قضايا تفاوتت أهميتها ومعضلات جديدة تماماً، وضعت مسارها في خطوط متعرجة، ونمت معها قوى جديدة في الساحة اكتسبت مكانة وشرعية، فلم يعد بمقدور أحد تجاهل حيزها وحدودها.

ويشير الخلاف المتصاعد بين قطر من ناحية،  وقنوات عربية، سعودية وإماراتية ومصرية إلى حالة الشق الموجودة، والإنقسامات المهيمنة وتقلباتها، في ظل كواليس إقليمية، لا تعصى عن الكشف، ولو بصورة جزئية يمكن من خلالها تأويل مجريات الأحداث وفهم تطوراتها وحجمها وأهدافها المباشرة.

بدأت الأزمة عندما أذاعت قنوات عربية مملوكة للسعودية والإمارات ولحقت بهما القاهرة، نقلا عن وكالة الأنباء القطرية – تصريحات “منسوبة” إلى الأمير تميم بن حمد آل ثاني، في حفل تخريج لمجموعة من المجندين، جاء فيها اعتراضه على التصعيد للخلاف مع ايران، وقال انه من غير الحكمة معاداتها، وإدانة لإدراج “حزب الله” وحركة “حماس” على قائمة الإرهاب، باعتبارهما حركتي مقاومة، فضلاً عن اتهامات للسعودية والامارات والبحرين بالتحريض على دولة قطر واتهامها برعاية الإرهاب ومنظماته.

وغمز أمير قطر، بحسب التصريحات المنسوبة إليه، بقناة السعودية عندما قال “إن الدول التي تدعي محاربة الإرهاب هي الأكثر تشددا دينيا، وتقدم ذرائع للإرهابيين”.

وعلاوة على ذلك، كان هناك انتقاد، منسوب هو الآخر إلى الشيخ تميم، بانفاق مئات المليارات من الدولارات على شراء الأسلحة، بدلا من انفاق هذه الأموال على مشاريع التنمية، وتكهن بأن أيام ترامب باتت معدودة.

محطتا “سكاي نيوز عربية” (الإمارات) و”العربية” (السعودية) شرعتا في بث هذه التصريحات، ونقل ردود فعل مختلفة  من رود مواقع التواصل الإجتماعي، واستضافة محللين وخبراء مصريين وسعوديين، انصبت جميعها في الهجوم والتشنيع على الدولة القطرية. وساد خطاب إعلامي حاد في توجهاته، تعاطى مع الأخبار الواردة بانحياز غير مبرر اختلط فيها الخبر بالرأي وتوظيفه السياسي.

خالفت هذه القنوات في تغطيتها الطرف المنسوبة إليه تلك التصريحات، أو مصادر تنقل مبرراته ووجهات نظرة، بينما عمدت إلى توظيف الخبر في بناء موقف وضغط سياسي تقف وراءه تداعيات خصومة إقليمية مباشرة تعصف باستقرار البيت الخليج وتوزيع الأدوار بشكل جديد.

بشكل صريح القنوات التي قامت بتغطية التصريحات من طرف واحد بانحيازاته لطرف، ومن ثم تجاهلت تلك المنصات الاعلامية نفي رسمي لمسؤول قطري للتوضيح، في صورة بيان قصير جدا يقول: “إن وكالة الأنباء القطرية تعرضت لاختراق من قبل جهات مجهولة، وإن التصريحات المنسوبة إلى الأمير تميم مزورة”.

شبهة التعمد في نسب التصريحات إلى دولة قطر والتأكيد عليها بهذه التجاوزات، واضحة وعلى العكس تماما مما يبدر في توقعات البعض، فهي لا تبدو عفوية أو غير مقصودة ومجرد “سقطة” مهنية تضحي فيها بمصداقيتها مؤسسات إعلامية كبيرة وراسخة، كما لا تتنصل منها حتى أطرافها، فلن تفرط في ثوابت ومسلمات مهنية بهذه السذاجة وبدون تخطيط تحصد منه أهدافا مباشرة حركت أذرعها الإعلامية لغايتها.

شبهة التعمد في نسب التصريحات إلى دولة قطر
واضحة، على العكس تماماً مما يبدر في توقعات البعض.

هذه الفرضية تعززها قرارات بحجب صحف ومواقع إعلامية قطرية في نفس العواصم العربية، التي شكلت ما يشبه حصارا إعلاميا موجها ضد قطر، فقامت الرياض بحجب “الجزيرة”، ومثلها القاهرة التي حجبت 21 موقعا إلكترونيا، من بينها “الجزيرة” و”عربي 21″  و”رصد” و”حماس أونلاين”، فضلا عن مواقع صحافية مقرها القاهرة، مثل، “مدى مصر” و”مصر العربية”، زاعمة أنها تقدم محتوى يدعم الإرهاب والتطرف ويتعمد نشر الأكاذيب.

لا يمكن بحال تجاهل ورود هذه الأزمة المفتعلة والمدبرة في العلاقات بين قطر ودولتي الامارات والسعودية والتي جاءت بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركية دونالد ترامب للرياض، ومشاركته في ثلاث قمم سعودية وخليجية وعربية إسلامية، والتركيز على الحرب على الارهاب، واعتبار ايران رأس حربته التي سيوجه ضدها ضرباته، باعتبارها تلعب دورا رئيسيا في زعزعة استقرار المنطقة، وقد عقد الرئيس الأميركي اجتماعا اتسم بالتوتر مع الأمير القطري على هامشها.

تحرى ترامب ببراجماتية شديدة كسب السعودية التي اختارها المحطة العربية الأولى، في أول زيارة خارجية له، منذ وصوله إلى البيت الأبيض، باعتبارها شريك في منطقة الشرق الأوسط، وورقة ضغط فاعلة في الأزمتين السورية واليمنية، ومن ثم، تنازل عن خطابه الشعبوي الذي طالما اعتمد عليه في مهاجمة السعودية أثناء فترة ترشحه للانتخابات الرئاسية، حين اتهم المملكة النفطية بدعم الإرهاب، فذهب إلى خطاب مخالف يتبني فيه مقولات عن نسخة معتدلة من الإسلام تنبت في نفس الأرض التي كانت برأيه رحم المتطرفين.

تحرى ترامب ببراجماتية شديدة
كسب السعودية التي اختارها
المحطة العربية الأولى، في أول زيارة خارجية له،
منذ وصوله إلى البيت الأبيض.

وبطبيعة الحال، لا يمكن فصل ما يجري عن طبيعة علاقات القوة وتحالفاتها الجديدة والوليدة ونزاعات القيادة واختلاف المواقع التي تتناقض بشأنها المصالح والرؤى، حيث أن وضعية قطر كدولة وسيطة أقرب للعازلة بين قوتين إقليميتين، وفي مقابلة الشاطئ الإيراني، يفرضان عليها تعاملاً وسيطاً ومرناً مع القضايا المطروحة، حيث تتمحور الخلافات حول طريقة التعامل مع التهديدات المتصورة في المنطقة، وهو ما ظهر جليا في انتفاضات “الربيع العربي” وما بعدها، حين دعمت قطر “التغيير” في دول “الربيع” في مقابل دعم السعودية والإمارات للقوى التقليدية.

انطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن ثمة محاولات مستمرة ستدفع بقطر للتماهي مع سياسات المثلث السعودي المصري الاماراتي، والإلتحاق في تبعية لما تقرره من أهداف وعمل سياسي، بقيادة المملكة ،التي تجمع الكتل السنية في المنطقة لمواجهة تمدد النفوذ الإيراني الشيعي من ناحية، وتعطيل نفوذ منظمات الإسلام السياسي وصعودها بعد “الربيع العربي” من ناحية أخرى، وما تمثله من تهديد لاستقرار وأمن دول الخليج في حال وصولها للحكم، فضلا عن خشيتها من المنافسة على قيادة الدول السنية عبر تمرير خطابها التعبوي ونفوذها الاقليمي، ولذلك لا يبدو أن الحملة سوف تتوقف ضد قطر أو ربما تتجدد إلا إذا رضخت لشروط هذه التبعية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق