سياسة واقتصاد

قطر والسعودية … حرب باردة في صحراء الجزيرة العربية

صورتان تلخّصان الجلبة الخليجية الحامية الوطيس منذ “موقعة الاختراق الالكتروني”، على خط السعودية- الامارات- قطر، والتي اتخذت منحى جديداً، بالأمس، مع إعلان كلّ من الرياض وأبو ظبي والمنامة، ومعهما القاهرة، قطع العلاقات مع الدوحة، فضلاً عن إجراءات أخرى، تراوحت بين حظر تحليق الطيران القطري، وإجراءات طرد ومنع من السفر ، وإخراج الإمارة النفطية الصغيرة من “التحالف العربي” الغارق في مستنقعات اليمن.

الصورة الأولى متحرّكة، تتمثل في شريط فيديو انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، للمنصة المخصصة لالتقاط الصورة التذكارية في قمة الرياض. وقف الرئيس الأميركي في الوسط، وإلى يمينه أمير قطر. فجأة تقدّم ولي عهد الإمارات محمد بن زايد نحو “ترامب العرب” – كما وصفته أحدى الصحف الروسية تيمّناً بـ”لورانس العرب” – وحشر نفسه لكي يأخذ مكان الشيخ تميم بن حمد.

أما الصورة الثانية، فرسم كاريكاتوي لفنان مصري، يظهر “لعبة الأشقاء” المتربّعين كالأطفال على شبه جزيرة العرب، وهم يلطّخون الوطن العربي من خليجه إلى محيطه بالدماء.

يقترب المشهد الخليجي من الكوميديا السوداء: سريعاً خفتت طبول الحرب على إيران، لتبدو التصريحات المرافقة لما سمّي “القمة الإسلامية – الأميركية” مجرّد فصل من حكايات “عنتر والزير”، فيما انفض “مولد سيدي ترامب”، الذي غادر السعودية ظافراً بما غرفه من خزائن البترودولار، وهو  عبّر عنه في تغريدة نشرها عبر حسابه على “تويتر” قائلاً: “عدتُ من الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة بمليارات الدولارات، ما يعني: وظائف، وظائف وظائف!”.

هكذا تحوّلت “العنتريات” الخليجية على إيران، إلى خلاف ذي بعد عشائري، تجاوز بالأمس، صفحات الصحف والفضائيات والمواقع الالكترونية، التي ظلت باهتة، حتى الأمس القريب، منذراً بتداعيات خطيرة على الكثير من الملفات المنطقة العربية، سواء المرتبطة بالعلاقات داخل مجلس التعاون الخليجي، أو في كافة الحروب القذرة التي انخرط فيها الخليجيون في الكثير من الملفات الساخنة في الوطن العربي.

وبعد الجولة التحضيرية، التي دارت رحاها عبر وسائل الإعلام، واستخدمت فيها لغة تصعيدية غير مسبوقة، اتخذ التوتر الخليجي منحى أكثر خطورة، بعدما اتهمت الدول الخليجية الثلاث (السعودية والبحرين والإمارات)، ومعها مصر، قطر بدعم الإرهاب وزعزعة الأمن في منطقة الخليج، وكل ذلك، نتيجة للتصريحات المنسوبة إلى الشيخ تميم بن حمد، التي رأت فيها السعودية خروجاً على “إجماع” خليجي تريده، للمضي في سياسة التصعيد والتحريض ضد إيران.

وبصرف النظر عمّا إذا كانت تصريحات الشيخ تميم صحيحة، أو تمّت فبركتها، فإنّ ما بين السعودية وقطر بات يتجاوز مجرّد موقف هنا، أو اختراق الكتروني هناك، فلا يخفى على أحد أن ثمة تناقضاً واضحاً بين خطّين، يتجاوز التصريحات المعلنة، والاتهامات المتبادلة على خط الدوحة – الرياض، فالأزمة ليس خلافاً على الموقف مع إيران، خصوصاً أن التموضعات الخليجية من الجمهورية الإسلامية متفاوتة بين مسك العصا من الوسط، كما هي حال الكويت، وبين التنسيق السياسي، كما هي حال عُمان، وبين التعاون الاقتصادي، كما هي حال الإمارات؛ كما أن الأزمة ليست مجرّد قيام جهة ما بدعم التنظيمات الإرهابية، طالما أن الكل متورّط في تقديم الدعم – بأشكاله المتعددة – لهذا التنظيم الإرهابي أو ذاك، على امتداد المنطقة العربية المخترقة بالجماعات التكفيرية، ولعلّ خير تعبير عن ذلك تغريدة طريفة نشرها أحد المصريين جاء فيها: “إذا كانت قطر تصدّر الإرهاب… فهل أن السعودية تصدّر البلح؟”.

الأزمة الخليجية في الواقع هي صراع نفوذ، بدأ عشية ما صار يُسمّى “الربيع العربي”، حين اختارت قطر، القيام بدور مزاحم للنفوذ التقليدي السعودي، بدعمها جماعة “الإخوان المسلمين”، لسبب من اثنين: إما محاولة بسط نفوذ يتجاوز حجمها كإمارة نفطية صغيرة حجم المشايخ الخليجية، وإما لرهانها على تبدّل خريطة النفوذ الإقليمية، عبر انتقال الدفة تدريجياً من مملكة آل سعود إلى “سلطنة” رجب طيب اردوغان، في ظل تحليلات أميركية – منها على سبيل المثال “نبوءات” جورج فريدمان  في كتابه “المئة عام المقبلة” (2009) – بشأن اتساع النفوذ التركي ليشمل كامل المنطقة العربية.

اختارت قطر، القيام بدور مزاحم
للنفوذ التقليدي السعودي،
بدعمها جماعة “الإخوان المسلمين”

كان ينبغي الانتظار عامين، لكي تبادر السعودي إلى الهجوم المضاد، فركبت بدورها الموجة الثورية الثانية في مصر، التي اسقطت نظام نيو-رجعي يقوده “الإخوان المسلمين”، ودعمت نظاماً تقليدياً، بقيادة عبد الفتاح السيسي، القادم من المؤسسة العسكرية، التي باتت الحاكم الفعلي لمصر منذ العام 1952، باستثناء عام واحد من حكم “الإخوان”.

ولعلّ الأزمة الحالية هي فصل جديد من أزمة سابقة، شهدتها العلاقات القطرية – السعودية في العام 2014، حين بلغ التناقض ذروته بعد السقوط المدوّي لنظام “الإخوان المسلمين” في مصر. يومها اتخذت السعودية، وخلفها دول خليجية أخرى، إجراءات تصعيدية، تمثلت في سحب السفراء، وظل التوتر سيّد الموقف، إلى أن نجحت الوسطات – الكويتية خصوصاً –  في رأب الصدع، مؤقتاً.

عودة المياه الى مجاريها بين الرياض والدوحة، أثمر بعد المصالحة الشهيرة إلى تعاون وثيق بين الجانبين، من أبرز ملامحه مشاركة قطرية بألف جندي في الحرب السعودية على اليمن في العام 2015، ما أوحى أن ما شهدته العلاقات الثنائية من توتر كان مجرّد سحابة عابرة.

من أوباما إلى ترامب

ولكن التناقض سرعان ما راح يتكثف من جديد، وأتت زيارة ترامب للسعودية لتشيع تحوّلاً في المواقف العامة، فالسعودية، وبجانبها الإمارات، اعتقدت بوصول ترامب – أو بالأصح برحيل باراك أوباما – أن بإمكانها تجديد المقاربة الاستراتيجية التي سارت عليها مع الولايات المتحدة، منذ اللقاء التاريخي الذي جمع الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود بالرئيس الأميركي تيودور روزفلت، على متن البارجة (يو إس كونسي) في 14 شباط/فبراير العام 1945، والذي نشرت إيفانكا ترامب، قبل أيام صورته عبر صفحتها على موقع “انستاغرام”.

ولعلّ المقارنة بين الاستقبال الفاتر الذي قوبل به باراك أوباما في آخر زيارة قام بها إلى السعودية، وبين الاجواء الاحتفالية التي رافقت زيارة ترامب، تعكس مدى الرهان السعودي على الإدارة الأميركية الجديدة.

ومما لا شك فيه أن وصول ترامب إلى البيت الأبيض شكل انعطافة في المشهد الجيوسياسي في الخليج العربي، خصوصاً أن الإدارة الجديدة أظهرت رغبة في اتباع سياسة شرق اوسطية جديدة، تتماشى إلى حد بعيد، مع سياسات الرياض وأبو ظبي، على حساب الدوحة، وهو أمر تبدّى قبل زيارة ترامب، حيث رسمت بعض الخطوط العريضة للتوجهات الأميركية الجديدة، خلال زيارة كل من محمد بن زايد ومحمد بن سلمان إلى واشنطن، والتي يبدو أنها أثمرت توافقاً اميركياً – سعودياً – إماراتياً، شكل عنوان قمة الرياض الأخيرة.

وصول ترامب إلى البيت الأبيض
شكل انعطافة في المشهد الخليجي

وما يعزز تغليب الوجهة السعودية-الإماراتية داخل البيت الأبيض، هو وجود مسؤولين ضمن الدائرة الضيقة المحيطة بترامب، تشارك رؤية كل من الرياض وأبو ظبي، ومعهما مصر، لجهة النظرة إلى إيران من جهة، و”الإخوان المسلمين” من جهة ثانية، ومن أبرز هؤلاء وزير الدفاع جيمس ماتير ومدير وكالة الاستخبارات المركزية مايك بومبيو.

ماذا بعد؟

يبقى السؤال، بعدما بدأت التصعيد يسير  باتجاه الذروة، عن السيناريوهات المحتملة، لما بعد خطوة قطع العلاقات، وما إذا كان الأمر سيقتصر على خطوات “عزل” أو “تركيع”، أم أن الحرب الباردة في صحراء الجزيرة العربية، ستتخذ شكلاً أكثر سخونة، لا سيما في ظل التهويل الإعلامي بحرب قادمة.

لا شك أن قطر اليوم في وضع لا تُحسد عليه، فالإجراءات المتخذة بحقها، من قبل جيرانها الخليجيين، مؤذية، ليس على المستوى الاقتصادي فحسب، وإنما السياسي، وهو ما قد يدفعها إلى خيار من اثنين:

  • الخيار الأول، هو الإذعان للشروط الخليجية، وتكون بالتالي قد كرّست تبعيتها للهيمنة السعودية، ودقّت المسمار الأخير في نهج سارت عليه منذ “الربيع العربي”.
  • الخيار الثاني، هو المعاندة، والذهاب إلى تموضعات إقليمية جديدة، سواء عبر تعزيز العلاقات مع تركيا، التي تشاركها المشروع “الإخواني”، أو ربما مع إيران.

ولكن الوقائع السياسية والاقتصادية والأمنية تدفع إلى ترجيح الخيار الأول، وهو ما سيشكل انتكاسة كبرى للمشروع القطري، وبطبيعة الحال “الإخواني”. وأمّا الخيار الثاني، فبعض عناصره يمكن أن تتوافر، عبر تحرّك إيراني وتركي يخفف من العزلة المفروضة على الإمارة النفطية، ولكن دونه عقبات كبرى، أبرزها الحديث المتجدد عن احتمال نقل القاعدة العسكرية الأميركية من قطر إلى الإمارات، ما يعني أن الإمارة النفطية ستصبح بلا حماية، وستتحوّل من قائدة مشروع إقليمي، إلى دولة ضعيفة، غير محصنة أمنياً، في منطقة تشهد سباق تسلّح مسعور.

وحتى تتضح فعلاً ما إذا كانت الأحاديث عن نقل القاعدة الأميركية صحيحة أم مجرّد دعاية سياسية، فإن السعودية والإمارات لا تملكان حتى الآن، سوى تكثيف الضغوط على الجارة الصغيرة، لفرض مزيد من العزلة عليها.

وأما سيناريو العمل العسكري، فليس احتمالاً وارداً، أقلّه على المدى المنظور، خصوصاً أن أي تحرّك في هذا السياق، لا بد أن يرتبط بضوء أخضر أميركي، لا يبدو متوافراً، في ظل التصريحات التي خرجت، على أعلى المستويات في الإدراة الأميركية، والداعية إلى التهدئة.

علاوة على ذلك، فإن التطورات الجارية في الشرق الأوسط، منذ العام 2015، وخصوصاً مع العودة القوية لروسيا إلى المنطقة العربية، من البوابة السورية، لا بد أن يرخي بظلاله على الخيارات الأكثر تهوّراً، التي يجري تناولها في الإعلام الخليجي – ومن خلفه المصري – خصوصاً أن ما صدر من موسكو، بعد قطع العلاقات، لا يشي بأن روسيا ستقف مكتوفة الأيدي، إزاء ما قد يحدث.

انطلاقاً من ذلك، فإنّ أدوات التصعيد لا يمكن أن تتجاوز أدوات “الحرب الباردة”، حتى وإن تطلب الأمر توجيه ضربات متبادلة تحت الحزام، تتراوح بين توفير غطاء خليجي لانقلاب على الشيخ تميم من جانب الرياض، أو إثارة قلاقل أمنية داخل السعودية والإمارات عبر خلايا نائمة يمكن تحريكها من جانب الدوحة.

ولعلّ ما سبق هو تحليل يستند إلى منطق الأمور، ولكن في منطقة مثل الشرق الأوسط، وتحديداً مع كيانات سياسية كتلك القائمة في الخليج، فإن التطوّرات قد لا تسير في منحاها المنطقي، في ظل النزعات الجنونية، التي باتت السمة البارزة للجيل الثاني من الأسر الحاكمة في ممالك وإمارات ومشايخ النفط!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق