سياسة واقتصاد

هل تعيق “القسطنطينية” مصر حقا عن منع السفن في قناة السويس ؟

على الرغم من إغلاق مصر جميع حدودها البحرية والجوية أمام وسائل النقل القطرية، على خلفية قطع القاهرة والرياض وأبو ظبي والمنامة علاقاتها مع الدوحة، بدعوى دعمها الجماعات الإرهابية، إلا أنها لم تستطع منع السفن القطرية من العبور في قناة السويس ، وهو ما أكده رئيس هيئة القناة ورئيس المنطقة الاقتصادية الفريق مهاب مميش.

مميش أكد أن الالتزام بقرارات الدولة بشأن وقف التعامل مع قطر، يقتصر على منع السفن القطرية من المرور في الموانئ التابعة للمنطقة الاقتصادية أو دخولها، حرصاً على الأمن القومي المصري، باعتبارها مياهاً إقليمية تحكمها الدولة المصرية، وهي ليست حاملات بضائع كبيرة أو سفن تتراكم داخل الموانئ المصرية، أما السفن التي تمر في المجرى الملاحي فهي سفن غاز ولا يمكن منع عبورها، التزاما باتفاقية القسطنطينية، ليفتح هذا التصريح باب التساؤلات حول موانع تحكم البلاد في مواردها الرئيسية، حتى في حالات الخلافات مع دول أخرى.

سيادة شكلية تحت خدمة الاستعمار

المادة الأولى من الاتفاقية – التي وقعتها مصر مع بريطانيا وفرنسا وروسيا وإسبانيا وإيطاليا والنمسا والمجر وهولندا – نصت على أن تظل قناة السويس البحرية بصفة دائمة حرة ومفتوحة في زمن السلم كما في زمن الحرب لجميع السفن التجارية والحربية من دون تمييز بين جنسياتها، ولا تكون خاضعة مطلقاً لاستعمال حق الحصار البحري، فكان ظاهرها منح مصر سيادة – شكلية – على مياهها، وباطنها تحييد الخلاف بين بريطانيا وأعدائها، ومنحها حق استخدام القناة في مصالحها الاستعمارية.

وعلى الرغم من النص الصريح للمادة، أكد أستاذ التاريخ الدكتور صلاح أحمد هريدي، في أبحاث ندوة “المستجدات السياسية في الوطن العربي”، أن طريقةُ استغلال القناة في ما بعد زادت تلك الحقيقةَ وضوحاً، فأثناء الحرب العالميَّة الأولى، استولَتْ إنكلترا على سفن أعدائها باعتبارها غَنائم حرب، واستندَتْ في ذلك على ما اوصفته بـ”الحق القانوني” ، حيث بلغ عدد السفن التي استولت عليها خِلال الحرب 50 سفينة ألمانيَّة ونمساويَّة، بل لم تتردَّد في أن تخرق الاتِّفاقية خرقًا صريحًا أثناء الحرب العالميَّة الأولى، بإنشائها استحكامات عسكرية على ضفتي القناة، وإغلاقها، وحظرها الملاحة فيها لفترة من الزمن.

وبينما يتحدث رئيس هيئة قناة السويس عن إعاقة “القسطنطينية”  للسلطات المصرية في منع مرور السفن القطرية، منحت المادة العاشرة من الاتفاقية السلطان العثماني والخديوي – ويحل محلهما رئيس الجمهورية حالياً – حق اتخاذ التدابير اللازمة لـ”الدفاع عن مصر وصيانة الأمن العام” ، وهي المادة التي قد تستخدمها القاهرة لمنع مرور سفن الدوحة – إن أرادت ذلك.

ممر لسفن السلاح.. ودعوات لتعديل الاتفاقية

بريطانيا استغلت بدورها سيطرتها على القناة – خلال فترة الاحتلال – وواصلت خرق الاتفاقية من دون أي عقوبات عليها، وأعاقت وصول السفن الحربية الإسبانية إلى وجهتها في الوقت المناسب، خلال الحرب الإسبانية الأميركية، بعد تعطيل تزويدها بالوقود. وخلال الحرب الروسية-اليابانية في العام 1905 ساعدت حليفتها طوكيو ومنعت تموين السفن الروسية بالوقود، ما دعا الأسطول الروسي إلى تجنب الملاحة في القناة والتوجه إلى طريق ما حول إفريقيا.

وفي فترة حكم “الإخوان المسلمين”، أثيرت ضجة واسعة عقب أنباء سماح حكومة “الإخوان” بمرور مدمرة حربية وفرقاطة صينية إلى سوريا، عبر قناة السوييس، قبل أن تنشر صحيفة “الأهرام” على لسان مصدر عسكري نفيه الواقعة، موضحا أن السفن كانت محملة ببضائع ومواد غذائية في طريقها إلى أوكرانيا.

ومع تزايد الأزمة، أكد القيادي “الإخواني” جمال حشمت ضرورة منع مرور السفن الصينية المحملة بالسلاح لسوريا، بدعوى مساهمتها في قتل “المدنيين والثوار”، داعيا لبدء حملة مقاطعة شعبية للمنتجات الصينية، فيما أكد القيادي في “حزب الحرية والعدالة” حينها أكرم الشاعر أنه ليس من حق مصر منع أي سفينة من المرور في القناة، إلا لو كانت تابعة لدولة في حرب معلنة، وهذا طبقًا لاتفاقية القسطنطينية، داعيا في الوقت ذاته إلى تعديل الاتفاقية لأن الأمر متعلق بالسيادة، ولا توجد دولة تشترك مع مصر في هذا الممر.

وفي حوار سابق، كشف مهاب مميش عن رفض السلطات المصرية منع سفينة إيرانية تحمل سلاحاً روسياً إلى سوريا من المرور عبر القناة، على الرغم من اعتراض الجانبين الأميركي والإسرائيلي، موضحا أن حق منع المرور ينطبق فقط على السفن التي تحمل مخدرات أو لتجارة الرقيق أو تابعة لدولة في حالة حرب معلنة مع مصر… أما تجارة السلاح، فهي مشروعة في العالم، ما دامت أوراق السفينة سليمة وقائمة حمولاتها مطابقة للتراخيص.

وبالرغم من ذكل، أكد مميش أن “القسطنطينية” من أفضل الاتفاقيات الموجودة، مع أنها وُضعت عام 1888، فإنها منصفة جداً لمصر، مشيرا في الوقت ذاته إلى قناة السويس الجديدة جزء لا يتجزأ من القناة القديمة، وبالتالي فهي محكومة بالاتفاقية، ويصعب تغيير اسمها، حيث يحتاج ذلك إلى تغيبر الاتفاقية، أو ابرام أخرى جديدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق