ثقافة

كارم محمود في بيروت…

ثقافة وأدب وفن Up to date

أرسمُ شمساً، في فيئها أغنية ترسمنا.

في غناءٍ كالعشب المندّى لا مثيل لكارم محمود. مترقرقٌ شَدْوه كالماء، يحوي ما يمكّنه من الاستمرار، اليوم وغداً، عبر أغانٍ لم يُنسِنا ضجيج الراهن وغزارته معظمها.

نسجَ لوناً غنائياً خاصاً عذباً. تميز في أدائه من دون شك، بصوته النبيل الدافئ. حنجرته نقية طيّعة. اكتسى حضوره الغنائي عناوين ومضامين تجمع بين الرومانسية والخفة (الطرب الخفيف الراقي) والألق والجمال، بين الشعبي المائل إلى النخبوي وميول جمهور ذوّاقة… بين المقاميّ المشرقيّ العربي والحديث (“أمانة عليك” و”عنابي”، مثلاً).

في بيروت، في “مترو المدينة”، يغنّي فراس عنداري مجموعة من أغاني كارم محمود برفقة علي الحوت (إيقاع)، عماد حشيشو (عود)، بلال بيطار (قانون)، ورضى بيطار (كمنجة)، في 17 و 24 آب.

إنها استعادة، إنها التفاتة، إنه زمان جميل أطلّ كما تطل شرفة على الحديقة.

لا نحتاج إلى مَن يُذكِّرنا بكارم محمود لكن الاحتفاء به يعني إحياء حلاوة الألحان والمغنى. كان المستوى في مصر في قمته على هذا الصعيد حينذاك. كان كارم محمود وها إن الذي صدح “على شط بحر الهوى”، يجمعه مجدداً الشوق وأحبابه في عاصمةٍ تقدّره بِودّ.

سؤال الثقافة العربية

علينا أولاً طرح سؤال “ما الثقافة؟” والإجابة عنه قبل كل شيء، حتى نتمكّن معاً من التطرُّق إلى موضوع الثقافة العربية وما يعتصرها ويهمّشها راهناً.

لذلك نستعين في البداية بتعريف منظّمة “الأونيسكو” التي رأتْ منذ العام 1982 إلى الثقافة على اعتبارها “مجموع السِّمات الروحية والمادية، الفكرية والعاطفية التي يتميّز بها مجتمعٌ أو مجموعة (جماعة) اجتماعية. الثقافة تشمل الفنون والآداب، وأنماط الحياة، والحقوق الأساسية للإنسان، ونُظُم القيَم والتقاليد والمعتقدات”.

الثقافة بذلك لا تقتصر على النخبة وهناك فوارق وفجوة أحياناً بين ثقافة النخبة أو ما يُعرَف بالثقافة “العالِمة” culture savante والثقافة الشعبية (ثقافة الأكثرية). من جهةٍ أخرى، ينبغي التوصُّل إلى معرفة أنّ ما يهدّد الثقافة العربية أو أيّ ثقافة أخرى أو ما ينتقص من قدْرها هو ما يعترض سبيل تجسُّد أو يطمس السِّمات والتعبيرات المميِّزة ثقافياً لمجتمع أو شعب وما ينتهك الخصائص والمقوّمات والحقوق، إلخ.

في ظلّ العولمة في صيغتها الراهنة نلحظ تيّاريْن متناقضيْن يشكّلان ردَّ فعلٍ نافراً في عالمنا العربيّ؛ الأوّل يجنح إلى التغريب وهنا يبرز سؤال الهوية في واقعٍ يتأزّم أكثر فأكثر -وتتبدّى عُقَد النقص على المستوى السيكولوجي العامّ- والثاني يميل إلى التقوقع إنْ لم نقُل إلى العودة إلى الخلف حدّ التخلُّف والتواري في عالمٍ بات يشابه قرية كونية.

حين يكفّ العربيُّ عن الإنتاج ثقافياً ويكتفي باستهلاك الوافد وتلقّيه فإنّه يرتكب فظاعة. على صعيد النخبة، يجنح بعضهم إلى إسقاطاتٍ نظريةٍ جامدة وإلى منهجيّاتٍ وأدواتٍ مجلوبة للاستغناء عن القيمة الحقيقية الكبيرة والكبرى أحياناً التي يمكن أن يُمَثِّلَها محلّيٌّ عربيّ… التفاعل والتلاقح الثقافيّ والحضاريّ ضروريان وطبيعيان لكنّ ضرْب الفكر العربيّ والثقافة العربية تحت راية الحداثة وما بعدها فيما نرزح في ما قبْل قبْلها في زمن “ما دون الانحطاط” أمرٌ مرفوض ومكشوف.

المسألة لا تتمحور حول ما يُنشَر فحسب بل حول ما لا يُنشَر أيضاً ويتمّ تعتيمه. هناك مخطّط لضرب العقل العربيّ والإعلام ليس بريئاً في تعميم الهبوط والموجة الاستهلاكية الجارفة. الإعلام ليس بريئاً في حجْب الكنوز المعرفية والإبداعية أو تناولها بخفّة وعدم تبصّر في معظم الأحيان، ولا في خلْطِ الحابل بالنابل وبعثرة المعايير، إلخ.

ابتهال:

 “أن يتأنّث المرْجُ والفرح
ذلك مما فيك ولك

أعطنا أن نحيا ونحيا
وبلمح البصر نحلّ كلمات سبع
في لعبة التقاطعات البواصر
ريثما نرانا معاً
على الأقلّ مرّة
من دون الحاجة إلى المرايا ولا الرواية”.

(من قصيدة :”كلمات 7″ لـ هالة نهرا)

 

صراحة:

نحتاج كل يوم إلى عنصر محفز، يشعل طاقة العمل والتفاعل والتقدم والتجدُّد الجوّاني.

بوح:

لا أكفّ عن التعرّف إلى ذاتي، وأحياناً تكون نفسي مفاجأة.

قصائد أُخرى:

مَن قال إن القصائد تُنسج على نول اللغة الكلامية فحسب؟ القصائد في العيون أيضاً وأوّلاً، في الرسم والألوان واللوحات الأخاذة، وفي الموسيقى بطبيعة الحال… في الطهي الشهي الذي يحوي تفنُّناً، بلى… الشِّعر قليل، الشِّعر محيط.

 

 

هالة نهرا

ناقدة موسيقية وفنية، وكاتبة، وشاعرة من لبنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق