مجلة الكترونية عربية مستقلة

لبنان: أزمة الرئاستين… من الألف إلى الياء

بلغت الأزمة الجديدة في لبنان بين رئيسي الجمهورية ومجلس النواب مستوى متقدّماً ينذر بتداعيات خطيرة على الاستقرار الداخلي الهش مع بدء العد العكسي للانتخابات النيابية.

كسر الاشتباك السياسي في لبنان بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ورئيس مجلس النواب نبيه برّي كل حدود التفاهمات المتجددة، في بلد، قدره أن يعيش أسير توازنات هشة بين المكوّنات الطائفية، التي تزداد شراسة، قبل كل استحقاق سياسي.

ضمن هذا السياق، كان بالإمكان توقع ان يؤدي الخلاف الذي بدأ في أواخر العام المنصرم، بين رئيسي الجمهورية ومجلس النواب، إلى تصعيد في الشارع، اتخذ بعداً خطيراً، يوم أمس، حين عمد مناصرو حركة “أمل” التي يتزعمّها بري، إلى قطع بعض الشوارع الرئيسية في بيروت  وعدد من المناطق، ومهاجمة المقر الرئيسي لـ”التيار الوطني الحر”، الذي أسسه عون، ويرأسه صهره وزير الخارجية جبران باسيل، رداً على تسريب فيديو للأخير، يصف فيه رئيس المجلس النيابي بـ”البلطجي”.

الملفت للانتباه أن أجواء التصعيد في الشارع، أتت في خضم وساطات متعددة الأطراف، على خطي بعبدا (حيث مقر رئاسة الجمهورية) وعين التينة (حيث مقر إقامة رئيس مجلس النواب)، وبعد “حرب إعلامية” شهدتها نهاية الأسبوع الماضي، سرعان ما تمّ احتواؤها إفساحاً للمجال أمام تهدئة سياسية، قبل 14 أسبوعاً على الانتخابات النيابية.

ويبدو أن مهمة الوسطاء – بما في ذلك رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وقياديي “حزب الله” – تزداد صعوبة يوماً بعد يوم، فالاتصالات السياسية التي بدأت لاحتواء الخلاف بين بري وعون، والذي تمحور بداية حول مرسوم منح الأقدمية لعدد من الضباط، بات أعمق بكثير من مجرّد شكليات دستورية،  ويرجح استمراره، في ظل الشحن السياسي والطائفي السابق لانتخابات السادس من أيار المقبل.

كيمياء مفقودة

 يقود تتبع مسار العلاقة بين عون وبري إلى استنتاج يكاد يحظى بإجماع كافة المراقبين والمقرّبين من الرجلين، وهو “الكيمياء المفقودة”.

تلك “الكيمياء المفقودة” تعود إلى مرحلة الحرب الأهلية، وتحديداً إلى العام 1984، الذي شهد محطتين مفصليتين في حقبة الثمانينات، وهما  “انتفاضة 6 شباط”، التي حدث خلالها انشقاق للواء السادس في الجيش اللبناني وانضمامه للقتال إلى جانب “حركة أمل”؛ وتعيين العقيد ميشال عون قائداً للجيش، بقرار من رئيس الجمهورية حينها أمين الجميل، بعد ترقيته إلى رتبة عماد.

وإلى جانب التناقض السياسي بين الرجلين، فإنّ ثمة تناقضاً شخصياً قد يكون السبب في غياب الكيمياء. ففي حقبة الثمانينات، تمحور التناقض بين شخصية القائد العسكري/الشرعي التي كان يمثلها العماد عون، وبين شخصية الزعيم الحزبي/الميليشياوي التي كان يمثلها نبيه بري…. ولكن الأمر اختلف في نهاية الثمانينات، فاتخذ التناقض طابعاً جديداً، فالسنوات التي أمضاها نبيه بري في الحكومة اللبنانية، بصفته وزيراً للعدل ووزير دولة لشؤون الجنوب، جعلت منه قطباً سياسياً، وجعلته ينظر إلى عون، الذي اقتحم المشهد السياسي رئيساً لحكومة عسكرية في أواخر العام 1988، باعتباره شخصية تفتقد إلى الخبرة السياسية.

الكيمياء المفقودة بين عون وبري تعود إلى أسباب سياسية وشخصية

علاوة على ذلك، فإن الخيارات السياسية التي اتخذها عون وبري منذ أواخر الثمانيات بدت على طرفي نقيض، خصوصاً بعدما خاض الأول مغامرته العسكرية ضد الجيش السوري وحلفائه (وفي مقدّمتهم حركة “أمل”) في إطار ما عرف بـ”حرب التحرير” (1989)، والتي شهدت قيام مدفعية الجيش اللبناني تحت أمرة عون  بقصف مرفأ الأوزاعي غير الشرعي (في الضاحية الجنوبية لبيروت) الذي كانت تحت سيطرة ميليشيا برّي.

هذا التعارض السياسي كان السمة التي طبعت العلاقة بين بري وعون بعد خروج الأخير من الحكم، وتوجهه إلى المنفى الفرنسي، إذ لطالما وضع “العونيون” رئيس مجلس النواب في خانة “العمالة” – بحسب أدبياتهم – لنظام الوصاية  – “الاحتلال” – السوري، بينما حفلت أدبيات مناصري حركة “أمل” بعبارات تتهم “الجنرال المتمرد” بـ”العمالة” للمشروع الأميركي – أو حتى الصهيوني – المضاد.

لم تغيّر التموضعات السياسية الجديدة، التي أعقبت الانسحاب السوري من لبنان، غداة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، ولا التقاطعات السياسية التي أفرزتها “ورقة التفاهم” بين “التيار الوطني الحر” و”حزب الله” (الحليف التاريخي لحركة “أمل”) من شكل العلاقة بين عون وبري، فالخلافات السياسية ظلت تتفاقم، على خلفية استحقاقات انتخابية متعددة.

أبرز تلك الاستحقاقات، كان الانتخابات النيابية في العام 2005، التي أصرّ خلالها عون على إلحاق هزيمة كاملة برئيس مجلس النواب في دائرة جزين (جنوب)، حيث حصدت لائحة عون ثلاثة مقاعد، وخسر مرشّح بري سمير عازار المعركة. هذا السيناريو تكرّر مجدداً في انتخابات العام 2009، ولاحقاً في الانتخابات الفرعية التي جرت في هذه الدائرة خلال العام 2016، حين فاز مرشّح “العونيين” أمل أبو زيد على مرشّح برّي، ابراهيم عازار.

وعلاوة على ذلك، فقد شهدت العلاقة بين عون وبرّي واقعة انتخابية أكثر رمزية، فاقمت حالة عدم الثقة بين الرجلين، حين أسقط أحد النواب “العونيين” بطاقة تصويت تحمل اسم النائب عباس هاشم في صندوقة التصويت على تجديد الولاية لرئيس مجلس النواب بعد انتخابات العام 2009.

جمر تحت الرماد

كلّ ما سبق، كان كافياً لهم سبب التحفّظ الشديد الذي أبداه نبيه بري على المبادرة التي قادها سعد الحريري في أواخر العام 2016، والتي تبنّاها “حزب الله”، بترشيح العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية. وبرغم كل المساعي السياسية التي بذلت حينها لاقناع بري بانتخاب عون، إلا أن الكتلة البرلمانية التي يترأسها رفضت التصويت لـ”الجنرال”، لا بل أن البعض حلّل بإسهاب لغة الجسد عند نبيه بري خلال جلسة الانتخاب، والتي أوحت بعدم رضاه على التسوية الرئاسية، حتى بعد إتمامها.

انطلاقاً من ذلك، بات ممكناً فهم طبيعة الأزمات المتلاحقة التي شهدتها الحياة السياسية في لبنان، لا سيما على خط بري – عون، منذ انتخاب الأخير رئيساً للجمهورية، لا سيما أزمة قانون الانتخابات، التي خاضها الرجلان باستخدام كل الأسلحة السياسية والدستورية المتاحة، إلى أن أسفرت الاتصالات عن التوصل إلى تسوية مرضية للطبقة الحاكمة.

ولا يغيّر في العلاقة المتوترة بين عون وبري اصطفاف الرجلين في جبهة واحدة، لمعالجة تداعيات أزمة استقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة، و”احتجازه” المفترض من قبل النظام السعودي. ولعلّ معظم المراقبين المستقلين كانوا على قناعة راسخة بأن التقارب بين رئيسي الجمهورية والبرلمان، في تلك الأزمة الخطيرة، لم يكن سوى اصطفاف ظرفي ومؤقت فرضته اعتبارات عليا، في جوهرها أن المستهدف الحقيقي في كل ما جرى حينها كان حليفهما المشترك – “حزب الله”.

مرسوم الأقدمية.. وأشياء أخرى

وعلى هذا الأساس، لم يتأخر الرجلان كثيراً في فتح معارك جديدة، دارت رحاها حول ثلاثة ملفات، هي مرسوم الأقدمية للضباط من دور العام 1994؛ وتعديل قانون وزارة الخارجية التي يتولاها صهر رئيس الجمهورية جبران باسيل (وما يرافق ذلك من خلافات حول الحصص الوظيفية في ظل الهيكلية الجديدة المقترحة)؛ والتعديلات على قانون الانتخابات.

ولكنّ ما يُعرف بـ”مرسوم الأقدمية” يبقى العنوان الابرز للاشتباك السياسي الأكثر خطورة بين رئيسي الجمهورية ومجلس النواب، والذي قاد إلى التدهور الحالي.

وتعود قصة “مرسوم الأقدمية” إلى أواخر الثمانيات، وتحديداً إلى السنتين الأخيرتين من الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990).

وفي تلك الفترة، كان العماد ميشال عون قائداً للجيش اللبناني، وقد كلّفه رئيس الجمهورية حينها تشكيل حكومة انتقالية من العسكريين، غداة انتهاء ولايته الرئاسية، ولكن تلك الحكومة التي ضمّت في الأصل ستة جنرالات (ماروني، كاثوليكي، ارثوذكسي، سني، شيعي، ودرزي)، يؤلفون ما يسمى المجلس العسكري، لم تحظ باعتراف محلي كامل، لا سيما بعد استقالة الوزراء المسلمين منها.

وعلى هذا الأساس، شهد لبنان انقساماً حاداً بوجود حكومتين، الأولى في ما كان يعرف بـ”المنطقة الشرقية” ويرأسها عون، الذي احتفظ بمنصبه كقائد للجيش، والثانية في ما كان يعرف بـ”المنطقة الغربية”، ويرأسها سليم الحص، وقد عيّنت الأخيرة العماد اميل لحود قائداً للجيش اللبناني.

تختزل أزمة “مرسوم الأقدمية” للضباط الواقع الطائفي المتحكم بالحياة السياسية في لبنان

خلال تلك الحقبة، طوّعت المدرسة الحربية، التي كانت تحت سيطرة حكومة عون، دورتي ضباط للعامين 1989 و1990. وبعد عملية 13 تشرين الأول/أكتوبر العام 1990، التي قام بها “جيش الشرعية” بقيادة اميل لحود والجيش السوري، والتي انتهت بسقوط حكومة عون، وخروجه إلى المنفى في فرنسا، لم يكمل هؤلاء التلامذة الضباط دورتهم، ولكنهم في الوقت ذاته لم يسرّحوا من الجيش اللبناني، واستمروا في تلقي مرتّباتهم ومستحقاتهم الأخرى.

ومع توليه مهامه بعد الإطاحة بعون، أنشأ الرئيس اللبناني الراحل الياس الهراوي لجنة وزارية لمعالجة قضية الضباط، التي ازدادت تعقيداً لأسباب مرتبطة بالتوازنات الطائفية، إذ كانوا يتوزعون بين 190 تلميذاً ضابطاً مسيحياً (أو “فئة أولى” بحسب المصطلحات العسكرية حينها)، و15 مسلماً (“فئة ثانية”).

في مطلع العام 1993، وبناء على توصية من قائد الجيش حينها العماد اميل لحود، الساعي إلى اعادة بناء المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، تمّ دمج دورتي 1989 و1990، في دورة واحدة، باتت تسمّى اعلامياً بـ”دورة عون”، وعاد التلامذة الضباط إلى متابعة دورتهم في السنة الثانية في الكلية الحربية.

وفي الوقت ذاته، قُبل طلب 346 تلميذاً تقدموا إلى الدخول للكلية الحربية في أواخر العام 1990، وتمّ الحاقهم في السنة الأولى من الدورة العسكرية بعد أيام قليلة اعادة “دورة عون”.

وتخرّج طلاب “دورة عون” في الأول من نيسان/ابريل العام 1994، بينما تخرّج طلاب الدورة الأخرى في الأول من آب/اغسطس العام 1995.

وكانت مواعيد التخرّج بمثابة تسوية، رآها البعض عادلة، لضباط الدورتين، فضباط “دورة عون” تخرجوا من المدرسة الحربية بعد دراسة استغرقت 14 شهراً، بدلاً من سنتين دراسيتين (22 شهراً)، خلافاً لما هي الحال مع ضباط الدورة الأخرى، وبالتالي فقد حصلوا تلقائياً على أقدمية ستة أشهر بالترقيات على زملائهم.

وبالفعل، فقد حصل ضباط “دورة عون” على أولى ترقياتهم إلى رتبة ملازم أول في نيسان/ابريل العام 1997، بينما حصل ضباط الدورة الأخرى على أولى ترقياتهم إلى الرتبة ذاتها في آب/اغسطس من العام 1998.

ولكن الجدل بشأن هؤلاء الضباط تجدد في الآونة الأخيرة، بعدما أخذ عون يطالب، حتى قبل انتخابه رئيساً للجمهورية في تشرين الأول/اكتوبر العام 2016، بمنح أقدمية إضافية لضباط “دورة عون”، باعتبار أن حقوقهم انتهكت، بسبب تأخير التحاقهم بالمدرسة الحربية حتى العام 1993.

ولكن معارضي عون يقولون إن الرئيس اللبناني منطلقاته في ذلك سياسية، وأنها تتمحور حول منح شرعية لقرارات أصدرها خلال فترة توليه رئاسة الحكومة العسكرية غير المعترف بها من جهة، وتسريع ترقية عدد من الضباط المحسوبين عليه من الدورة المذكورة إلى رتبة عميد، وبالتالي إعطاء أرجحية لهؤلاء لكي يتولى أحدهم منصب قائد الجيش بعد انتهاء ولاية القائد الحالي العماد جوزيف عون.

وعلى هذا الأساس، قام رئيس الجمهورية بتوقيع مرسوم بمنح أقدمة سنة واحدة لضباط “دورة عون”، مستفيداً من المناخ السياسي الذي اعقب ازمة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري وتراجعه عنها، ومتجاهلاً معارضة قوى سياسية أخرى، ابرزها رئيس مجلس النواب نبيه بري.

وانطلاقاً من ذلك، فقد صدر مرسوم الضباط حاملاً توقيع رئيسي الجمهورية والحكومة، فيما لم يتضمن توقيع وزير المال علي حسن خليل، المحسوب على رئيس مجلس النواب، وهو ما اعتبره الأخير مخالفة دستورية وانتهاكاً للميثاقية، التي تحكم العلاقة المعقدة بين الطوائف اللبنانية.

وبالرغم من أن فريقي الأزمة قد حاولا اضفاء الطابع الدستوري والسياسي عليها، إلا أن ثمة مؤشرات على أن التعقيدات الطائفية في النظام السياسي في لبنان قد تزيد الأمور تصعيداً، وهي تدور خصوصاً حول غلبة المسيحيين على ضباط “دورة عون”، ما ينذر بخللٍ في بنية الجيش الطائفية خلال العامين المقبلين، بالنظر إلى اقتراب فترة تقاعد معظم الضباط الآخرين، برتبة عميد، من دورة العام 1986، ما يعني أن الجيش اللبناني سيضم بعد عامين أو ثلاثة مئات العمداء من المسيحيين، في مقابل عدد قليل من العمداء المسلمين.

التسريب الذي قصم ظهر البعير

ودخلت الأزمة السياسية بين رئيسي الجمهورية ومجلس النواب مستوى متقدّماً، بعدما كسرت الحرب الكلامية بين الطرفين “الخطوط الحمراء”، وسط مساعي متعدّدة المستويات لإيجاد تسوية سياسية تبدو صعبة، مع بدء العد العكسي للانتخابات البرلمانية.

وبرغم التوقعات بـ”ترحيل” المفات العالقة بين الرجلين إلى مرحلة ما بعد الانتخابات، فإنّ التصعيد تجدد، قبل يومين، بعد تسريب شريط مسجل اتهم فيه وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، وهو صهر رئيس الجمهورية، رئيس مجلس النواب بمحاولة عرقلة مؤتمر للمغتربين في ساحل العاج، واصفاً إياه بـ”البلطجي”

وترافق ذلك، مع حرب كلامية تفجّرت مساء السبت بين محطة “او تي في” التلفزيونية المحسوبة على عون، ومحطة “أن بي أن” المحسوبة على نبيه بري، في موازاة حرب أخرى دارت رحاها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ولم تسلم الجبهة الداخلية لـ”التيار الوطني الحر”، الذي أسسه عون، ويترأسه حالياً جبران باسيل، من أجواء الحرب الكلامية تلك، إذ شهدت مواقع التواصل الاجتماعي هجمات متبادلة بين مناصري وزير الخارجية ومناصري مستشار رئيس الجمهورية الياس أبي صعب، على خلفية محاولة الأخير تخفيف حدّة التوتر، حين قال إن “اللغة التي يتم التداول بها عبر محطة (أو تي في) ليست من أدبيات التيار (الوطني الحر)، ولا تمثله، وأن ما يمثله هو ما يصد رعن المكتب السياسي فقط”.

وفي وقت لاحق، خرج التصعيد الداخلي العوني من مواقع التواصل إلى محطة “او تي في” نفسها، التي شنت هجوماً على ابي صعب من دون أن تسمّيه، حيث أدرجته في خانة “الدخلاء والطارئين” و”اللاهثين وراء كرسي أو المتوسلين لمقعد” نيابي، واصفة العاملين فيها بـ”البرتقاليين الأصليين”، في إشارة إلى اللون البرتقالي الذي يرمز إلى “التيار الوطني الحر”.

وكان ملفتاً أن محطة “أن بي أن” التزمت ضبط النفس، يوم أمس، تجاه الهجوم المضاد، إذ قالت في مقدّمة نشرتها المسائية إنها “لن تعلّق على ما جاء في مقدمة وتقارير نشرة أخبار (او تي في)، وتكتفي بما صرّح به بو صعب، لعلّ توضيحه يكون مفيداً للرأي العام لمعرفة ما يجري”، في وقت أكدت المحطة البرتقالية أنها “لن ترد على قناة (أن بي أن) التزاماً بمناقبية الرجل الجبل (في إشارة إلى رئيس الجمهورية) وترسلاً لقضيته وتقديساً لكرامته”.

تبدو الأزمة مرشحة إلى مزيد من التصعيد مع استحضار العنصر الانتخابي

ويبدو أن الهدنة الإعلامية التي اعلنتها المحتطان اللدودتان قد جاءت على أثر وساطات انخرطت فيها أكثر من جهة سياسية في لبنان لاحتواء الموقف، وذلك عبر اتصالات جرت خطين متوازيين ومستقلين في آن واحد، أحدهما خط رئيس الحكومة سعد الحريري، والآخر خط “حزب الله”.

وفي وقت لاحق نقلت صحيفة “الأخبار” عن وزير الخارجية قوله “أعرب ‏عن أسفي لما سرّب من كلام لي في الاعلام أتى في لقاء مغلق في بلدة بترونية بعيداً عن وسائل ‏الاعلام، لا سيما انه خارج عن أدبيّاتنا وأسلوبنا في الكلام، وقد اتى نتيجة المناخ السائد في اللقاء؛ مهما ‏تعرّضنا له فاننا لا نرضى الانزلاق بأخلاقيّاتنا‎”.

وبرغم استنفار الوساطات، والهدنة الإعلامية المؤقتة، إلا أن الكل بدا على قناعة بأن أزمة الرئاستين مرشحة للتصعيد مع دخول البلاد مرحلة العد العسكي للانتخابات البرلمانية.

وفي تأكيد على ذلك، حذر وزير المال علي حسن خليل حذر من أن “الخطوط الحمر سقطت”، ‏متهماً العونيين بأنهم “يأخذون البلد الى مواجهة لا نريدها. لكننا جاهزون لها أياً يكن شكلها”. وغرّد خليل عبر موقع “تويتر” أنه “مع ‏المسّ بالرئيس بري سقطت كل الحدود التي كان يضعها أمامنا لفضح الكل في تاريخهم وإجرامهم والقتل ‏والصفقات والمتاجرة بعنوان الطائفية. ولنا بعد الآن كلام آخر”.
هذا “الكلام الآخر”، سرعان ما فرضه تسريب جديد لجبران باسيل، صب مزيداً من الزيت على النار المشتعلة، إذ تضمن عبارات من قبيل “كل هذه البرعطة لنبيه برّي لأنه فهم انه لم يعد يستفيد منا في الدولة، ولا في الاغتراب… تخيلوا ان هناك واحد يضع يده على السلطة التشريعية مثل ما يريد” و”حلّتها مع برّي، نحنا نكسرلو راسه ومش هوّ يكسرلنا راسنا”.
كل ذلك كان كافياً لأن تتجاوز الأزمة القائمة التصعيد الكلامي، باتجاه بخطوات شعبية غاضبة من جمهور “حركة أمل”، على النحو الذي حدث بالأمس، والذي بلغ ذروته بمحاصرة المقر المركزي لـ”التيار الوطني الحر” في أحد ضواحي بيروت الشمالية، واقفال الطرقات في بيروت وعدد من المناطق اللبنانية… ما يجعل الصراع الحالي مفتوحاً على احتمالات شتّى.

Leave A Reply

Your email address will not be published.