غير مصنف

لتجفيف منابع الارهاب – انقلوا الملف إلى وزارة التعليم !

مناهج يتحول الطفل من خلالها من مشروع باحث، أو مخترع، أو عالم فضاء، إلى متطرف غير قادر على الإندماج فى المجتمع، وينجرف بالتالي إلى الارهاب ، بعد أن يتواءم مع مشاهد الدماء وصوت القنابل. ولأن التعليم هو الركيزة الأساسية لتكوين الشخصية وتنمية قدراتها، وغاية تطوير المجتمعات، ولأن الحل ليس في حرق الفرع الفاسد من الشجرة، وإنما اقتلاعها، كان لابد من المطالبة بضرورة التنسيق بين وزارة الداخلية وبين الوزرات “المسؤولة” عن تنمية الوعي البشري، وعلى رأسها التربية والتعليم، والتعليم العالي، والثقافة.

بالنظر إلى تجربة  التعليم في اليابان، نجد أن المدارس هي التي قامت بغرس المعرفة، التي ساعدت في تحوّلها من دولة إقطاعية ، إلى دولة حديثة، ومن دولة مُنهكة تتلقى المساعدات بعد الحرب العالمية الثانية،  إلى دولة اقتصادية كبرى تُقدم المساعدات لمختلف الدول النامية في العالم، وجعلت من مستوي الطالب الياباني في سن العاشرة،  يعادل الطالب في سن الخامسة عشرة في الدول المتقدمة،  وهذا دليل على نجاح التجربة وعظمتها.

تلك التجربة اليابانية، وواقع المناهج التعليمية في مصر، وغيرها من الدول العربية، تؤكد أن الوقت قد حان للمطالبة بالتعليم الصحيح، والتوعية المستنيرة، وتنقية كل المناهج التعليمية التي تُحل أكل لحوم البشر، وتحض على الارهاب والعنف، واستباحة دماء الآخرين، واحتقار المرأة، وغيرها من الطرق الذي تبث عدم التوافق النفسي، وتجعل سلوك الأشخاص غير متزن، وتصيب الفرد بعدم التوافق الاجتماعي، فلا يستطع إقامة علاقات اجتماعية ويكون سلوكه فجاً.

يصف الدكتور كمال مغيث، الباحث في المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية، ظاهرة الارهاب بالعقدة المركبة التي تحتاج إلى حل مركب، فيكون هناك تدخل قانوني من جهة، وتربوي-علمي من جهة أخرى، بحيث يكون التدخل القانوني من خلال وزارة الداخلية، لإصدار قوانين مناهضة للتحريض ضد الطوائف المختلفة في المجتمع، فيما يكون التدخل التربوي من خلال الوزارات المعنية لتنقية المناهج التعليمية المحرّضة على التطرف.

ويقول مغيث، في حديث إلى “بوسطجي”، إن وزارة الشؤون الإجتماعية لابد أن تُظهر تعاوناً أيضاً في ملف الارهاب من خلال دراسة الأنماط المختلفة للارهابيين، أو المقبلين على العمليات الإنتحارية، وتحليل أفكارهم، مشيراً إلى أنه يمكن تتويج الأمر من خلال  مجلس أعلى من المختصين، وممثل لكل نشاط من الأنشطة المطروحة، من دون تدخل لأشخاص غير معنيين، أو كفاءات في غير موضعها.

ويشدد مغيث على أن “ظاهرة الارهاب لا تحتاج إلى تعامل أمني فحسب، إذ لا بد من أن يكون هناك تدخل مُركب، ودراسة للظاهرة من أساسها، مع إلزامية التعامل مع هذه الأفكار وتجريم حيازة أدوات تضاعفها”.

القضاء على التطرف الارهاب ، بحسب كمال مغيث، لا يكافحه مجلس بعينه، وإلا فأين حصاد مجلس العائلة المصرية، والمجلس الرئاسي لتطوير التعليم وتنقية مناهج التعليم من التطرف الديني، وبالتالي فإنّ الوضع يحتاج إلى قرارت، وليس مجرّد مجالس، ويتطلب وضع قانون صارم وناجز ونافذ لمواجهة أي اعتداء على دور العبادة، و تجريم المجالس العرفية التي تعاقب المسيحيين، وتُهجر الأسر القبطية من موطنها، ناهيك عن المواجهة القانونية الصارمة لكل الاعتداءات الطائفية.

بحسب مغيث فإنه ينبغي تعديل قانون ازدراء الأديان بحيث يشمل ازدراء المسيحية والتحريض عليها، فضلا عن مواجهة ما وصفه بـ”البلطجة الدينية”، في الشوارع عبر مكبّرات الصوت في المساجد، ومراجعة نظام التعليم وقانونه ومناهجه وأنشطته، بحيث تصبح المواطنة الهدف الرئيسي، علاوة على حظر الأحزاب التي تقوم على أسس دينية أو طائفية، وإنشاء محاكم خاصة للقضايا الإرهابية.

ويؤكد الخبير في المركز القومي للبحوث التربوية أن التعامل مع الجذور العقائدية والفكرية للطالب منذ المرحلة الإبتدائية هو الأساس في تكوين شخصيته، سواء كانت معتدلة أو متشددة، إذ لا بد من أن يحدث التجفيف للتطرف والارهاب من المنابع الأساسية، وهي التعليم، بالإضافة إلى تنقية المناهج ودعوة الوزارت التعليمية والثقافية في مصر إلى تحري الوسائل والأساليب التي تجعل الإنسان أكثر تنويراً، لمواجهة الهجمات الفكرية، والدعوة إلي السلام الوطني والإقليمي والعالمي .

بدوره، يؤكد الخبير الأمني والإستراتيجي العميد خالد عكاشة لـ”بوسطجي” أنه لابد من طرح رؤى أكثر انفتاحاً حول المسببات الرئيسية للعمليات الإرهابية، والأنماط الإرهابية الموجودة حالياً، مشيرا إلى أن ذلك هو الأمر الوحيد الذي يحقق النجاح على أرض الواقع.

ويرى عكاشة أن “إمكانية حدوث الربط بين الوزارات التعليمية الثلاثة، من تربية وتعليم، تعليم عالي، والثقافة، مع وزارة الداخلية، تكمن في وجود برامج استراتيجية  فعالة يمكن  تنفيذها بالفعل، وقادرة على  تجفيف الارهاب من المنبع، فتعالج الظاهرة التي  يمكن أن تتفاقم مستقبلًا، بجانب بذل جهد على الربط والتقنين التدريجي للظاهرة حتى محوها تماماً”، مشدداً في هذا السياق على “ضرورة أن نصارح انفسنا بأن الحلول لن تنتهي بين ليلة وضحاها، ولكن يمكن البدء بها، وتشكيل لجنة من رئاسة الوزراء،  والبرلمان عليه ايضاً أن يتولي هذا المقترح الجدير بالاهتمام”.

وينتقد عكاشة “احتواء كتب التراث وقناعات بعض من ما يطلقون على انفسهم  رجال دين، بأن غير المسلم كافر ولا عقوبة لقاتله، وتقسيم المجتمع إلى فئات حسب الدين والطائفة، واطلاق الفتاوى المتخمة”.

ويرى عكاشة أنه “يجب الإعتراف بأن التطرف كان أمساً،  والارهاب هو الحاضر، بمفهوم حمل السلاح، إذاً لابد من التنسيق بين مجموعة الوزرات المطروحة، وأن تنضم إليها وزارة البحث العلمي، لبحث ملف الارهاب، مع توضيح حقيقة أن مناهج الأزهر كاملة تمثل عبءاً على الوطن، خصوصاً أن الرموز  التعليمية للأزهر توحي دائماً بأن هناك فرقاً بين مسيحي ومسلم”.

ويشدد عكاشة على “ضرورة وجود منهج تعليمي موحد لكل الطلاب، من دون الفصل بين المسلم والمسيحي” ، مشيرا إلى ضرورة وضع اليد على خطورة وجود قطاع كبير من المعلمين “متطرفين” منذ مرحلة السبعينات وما بعدها، ومعتبراً أنه ينبغي “تنحية  المؤسسات الدينية جانباً في حالة تجديد الخطاب الديني، لأنها جزء من المشكلة وليست جزء من الحل”.

ويرى عكاشة أن الدولة المصرية “تحتاج إلى الطفل الذي يقدم عروضاً مسرحية توحي بالتسامح، وعدم التميز العنصري والعقائدي، وهذه نقطة بداية في التجفيف الحقيقي لمنبع الارهاب “، لافتاً إلى أن “البدء في ذلك مع الأطفال ينبغي أن يحدث من أصغر مستوى  حتى يُمحي هذا الجيل من المتطرفين بمرور الوقت، فيصبح الفن التشكيلي والمسرح والسينما والندوات التثقيفية أساساً في تشكيل وجدان الشعب المصري من جديد”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق