سياسة واقتصاد

لهذه الأسباب تتجه إسرائيل و”حزب الله” نحو حرب مدمّرة في الشرق الأوسط

تشي التطورات الجارية في الشرق الأوسط، ولا سيما في سوريا، بمناخ من التوتر غير المسبوق منذ العام 2006، بين “حزب الله” وإسرائيل. ويوماً بعد آخر، يتزايد حديث الحرب المقبلة، بين الطرفين، والتي يرجّح أن تكون أكثر دماراً، وأوسع انتشاراً، قياساً إلى سابقتها. انطلاقاً من ذلك، قدّم الكاتب المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، نيكولاس نوي، مقالاً في صحيفة “اندبندنت” البريطانية، تناول فيه الأسباب التي تجعل الحرب بين الطرفين أكثر احتمالية، والسيناريوهات المحتملة لهذا الصراع العسكري المحتمل:

يوم الأحد الماضي، زفّ قادة سياسيون وعسكريون في إسرائيل، بكثير من الضجة، للجمهور الإسرائيلي، ولـ”أعداء إسرائيل”، على حد سواء، خبر تأمين المجال الجوي الإسرائيلي بأكثر أنظمة الدفاع الجوي الصاروخية تطوّراً.

الصواريخ الإيرانية أو السورية بعيدة المدى سيتم التصدّي لها، على ارتفاعات عالية، من خلال نظام “آرو” (“السهم”)، الذي يحظى تطويره بدعم أميركي. أما الصواريخ الأصغر حجماً، وفائقة الدقة، التي يمتلكها “حزب الله” في لبنان أو في سوريا، فسيكون التعامل معها، حسبما تقول إسرائيل، من خلال منظومة “مقلاع داود”، المدعوم أميركياً كذلك، في حين أن الطائرات الصغيرة من دون طيار، والقذائف المدفعية والصواريخ الصغيرة، سيتم التعامل معها من خلال “القبة الحديدية”، وهي منظومة دفاعية مدعومة أميركياً كسابقتيها.

في منتصف آذار/مارس الفائت، شهد نظام “آرو – 3″ أو استخدام ناجح له، حين اعترض صاروخاً أطلقته سوريا باتجاه الطائرات الإسرائيلية خلال غارة جوية داخل البلاد، قيل أنها استهدفت مواقع لـ”حزب الله”.

هذا التصعيد غير المسبوق للمواجهة العسكرية في المشرق، يثير مخاوف من أن حرباً بين إسرائيل و”حزب الله” على الأقل، تزداد احتمالية، وذلك بعد 11 عاماً على آخر جولة غير حاسمة تركت الجانبين يضمدان جراحهما، بانتظار المواجهة “النهائية”.

طوال 13 عاماً من قيامي برصد هذين العدوّين اللدودين، لم ألمس هذه الدرجة العالية من القلق في أوساط النخبة السياسية في لبنان بشأن الحرب القادمة.

هذه الظروف غير المستقرة والعنيفة، التي تشهدها الجغرافيا السياسية، تقوّض العنصر المركزي الذي جعل إسرائيل و”حزب الله”  يحجمان عن تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعاها لبعضهما البعض: توازن الخوف القائم على الاعتقاد بأن الصراع المقبل سيكون مدمّراً لكل الأطراف.

حين تندلع الحرب القادمة، لن تكون إسرائيل في وضع دفاعي جيّد، ي مواجهة السلاح الرئيسي الذي يمتلكه “حزب الله، والمتمثل في الصواريخ التي يمكن إطلاقها ضد أهداف عسكري ومدنية. ولكن إسرائيل ستلجأ، في المقابل، إلى القصف غير المقيّد لكافة البنى التحتية اللبنانية والمجتمعات السكانية “الداعمة” لـ”حزب الله”، متصوّرة أن ذلك من شأنه أن يؤلب فئات أخرى من اللبنانيين ضده.

ولكن يبدو أن “حزب الله” وحلفاءه يعتقدون، لسبب أو لآخر، ان الإسرائيليين مخطئون في تقديراتهم لأسباب عدّة، أولها أن القصف المفرط لكل لبنان، سينقلب، على الأرجح، تضامناً أكبر في اوساط اللبنانيين، بدلاً من أن يفرز المجتمعات المحلية بين مؤيدة ومناوئة لـ”حزب الله”.

السبب الثاني، أن ثانيا، إن “حزب الله” ليست حاله كـ”منظمة التحرير الفلسطينية” التي طردت من لبنان بعد الغزو الإسرائيلي المدمر في صيف العام 1982، فهو تجمع سياسي لبناني عميق الجذور، ويحظى بدعم كبير في البلاد.

في الواقع، كما أكد الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله للإسرائيليين منذ فترة طويلة، فإنّ مؤيدي الحزب، وخاصة قاعدته بين الشيعة في لبنان، لن يستقلوا سفينة وينتقلون إلى تونس، كما فعل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ذات يوم،  ومعظمهم سيكون مستعداً للبقاء والقتال من أجل بلادهم.

السبب الثالث، ان “حزب الله” وايران يعتقدان أن المنشآت النووية والكيميائية لإسرائيل، وحتى نظامها الصاروخي الجديد، ستكون معرّضة للخطر ويمكن التغلب عليها بسهولة.

وأخيراً، وكما ييبدو القادة الإسرائيليون واثقين بشكل تام من أن المجتمعات المدنية الأخرى ستنقلب على “حزب الله”، فإنّ السيد نصرالله، كما غيره من من القادة الرئيسيين للحزب، يبدون حاسمين في فكرة أن الإسرائيليين أصبحوا شعباً “ناعماً” محمياً من “جيش ناعم”، ولن يكون بمقداره تحمّل التداعيات المحتملة للغارات البرية والبحرية والجوية التي سينفذها “حزب الله” في الحرب القادمة المحتملة.

المشكلة الرئيسية، في ظل هذه الفرضيات غير الدقيقة في الغالب، تكمن في أنها توفر مادة تشحيم حيوية لـ”ذريعة الحرب” التي تتبدى حالياً في جنوب سوريا، والجولان المحتل. والواقع أن “حزب الله” وإيران يواصلان إقامة ما يشبه البنية التحتية العسكرية السرية ي جنوب سوريا، ويبدو أنهما نجحا في جعلها تشكل تحدياً لإسرائيل، سواء في جنوب لبنان، أو في أجزاء أخرى في لبنان وسوريا. وبالنسبة إلى الإسرائيليين فإن هذا النشاط المحموم، وغير المؤكد في آن، يعد  تجاوزاً لـ”الخطوط الحمراء”.

انطلاقاً من ذلك، ليس من المستغرب أن تتزايد وتيرة الضربات الجوية الإسرائيلية، ونطاقها، خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة. والمثير للانتباه، أن الحكومة السورية، كما “حزب الله” وإيران، أكدت أن قواعد الاشتباك التي تفرضها إسرائيل في الأجواء السورية واللبنانية ستجر مزيداً من القوة المضادة.

ومع تزاید ھذه الدینامیات، یمکن لکل من “حزب الله” وإسرائیل أن يتذرعا بواقع أنهما يتصرفان بشکل دفاعي تحسباً لنزاع کبیر محتمل في سوریا أو في لبنان. ومن ناحية، ستجادل إسرائيل بأنها اضطرت إلى استباق تهديد إرهابي متزايد على حدودها، في حين أن “حزب الله” وحلفائه الآخرين سيجادلون بأنهم هاجموا بصورة غير قانونية من أجل الحفاظ على توازن الرعب.

ولعل الإشكالية الكبرى في هذا السياق، تكمن في أن إيران و”حزب الله” لديهما هواجس جدية إزاء احتمال أن تتوصل إدارة دونالد ترامب وروسيا وسوريا الأسد إلى صفقة معينة، خلال الفترة المقبلة، تتناول الثنائي الشيعي، ولكن أية محاولة لتهميش إيران و”حزب الله” في سوريا من شأنها أن تثير ردَّ فعل قوي قد يؤدي إلى حرب على أوسع نطاقاً.

وعلى أقل تقدير، فإنّ إدارة ترامب الجديدة ترى إيران العدو الاستراتيجي الرئيسي في المنطقة. وقد أشارت بالفعل إلى أنها ستتبع سياسة أكثر عدوانية، على النقيض تماماً مع إدارة باراك أوباما السابقة. وعلى هذا النحو، بدأ البيت الأبيض والكونغرس الأميركيان التمهيد للتراجع عن الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران والدول الست الكبرى في العام 2015، مع التأكيد في الأساس على أنه سيكون هناك دعم أميركي غير مسبوق لإسرائيل في حال نشوب أي صراع، بغض النظر عن الجهة البادية، او عن مجريات هذا النزاع.

هل يمكن القيام بأي شيء لمنع تصاعد التوترات؟ للأسف، لا يبدو أن أياً من القوى العظمى، وخاصة الولايات المتحدة، مستعدة للتدخل بسرعة وذكاء لمعالجة الأسباب الجذرية للنزاع في هذا الجزء من العالم، أو نزع فتيل العوامل المسببة لحرب جديدة في بلاد الشام. ولا يسع المرء إلا أن ينتظر ويأمل في أن تعترف جميع الأطراف بأن الشرق الأوسط لا يمكنه أن يتحمل المزيد من الدمار وإراقة الدماء.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق