غير مصنف

“لينين” يحكم الإكوادور !

بعد عامين مليئين بالانتكاسات المُحبطة، جاء بصيص الأمل ليساريي أميركا اللاتينية من الإكوادور، بعدما أظهرت النتائج شبه النهائية للانتخابات الرئاسية فوز المرشح المدعوم من الرئيس المنتهية ولايته رافاييل كوريا، في الانتخابات العامة التي جرت أول من أمس.

اسم الرئيس المنتخب يبدو موحياً لليساريين: لينين!

لينين بولتير مورينو غارثيس، مرشح الحزب الحاكم في الإكوادور، فاز أخيراً في الانتخابات الرئاسية متغلبا على خصمه اليميني غييرمو لاسو.

وأعلن المجلس الانتخابي أنه ووفقا للبيانات الأولية واستنادا إلى نتائج فرز 93.4% من الأصوات حصل مورينو على 51.04% من أصوات الناخبين، بينما حصل خصمه اليميني غييرمو لاسو على 48.96 %، متوجاً بذلك معركة انتخابية طويلة، شهدت واحدة من أشرس النزالات الانتخابية خلال الدورة الأولى التي جرت في شباط / فبرايل الماضي.

 وأدلى الناخبون بأصواتهم أمس لانتخاب رئيس جديد خلفا لرافاييل كوريا الذي حكم البلاد مدة عشر سنوات، في انتخابات كان المطلوب منها أن تحدد ما إذا كانت دفة الحكم ستستمر فى يد الاشتراكيين أم ستنعطف إلى اليمين على غرار ما حصل في دول أخرى بأميركا اللاتينية.

الانتصار الكبير حققه لينين مورينو يعاكس الكثير من التوقعات، التي رجحت أن يؤدي غضب الإكوادوريين من الانكماش الاقتصادي وفضائح الفساد إلى تحويل الوجهة الانتخابية لمصلحة اليمين، على غرار ما حدث مع الكثير من الزعماء اليساريين في أميركا اللاتينية خلال الفترة الماضية.

ويبدو أن ثمة أسباباً عدّة، رجّحت كفة المرشح اليساري، أبرزها سيرته الذاتية الملهمة للكثيرين من المهمّشين، وتشتت المعارضة التي قسمت أصواتها بين عدّة مرشحين، ناهيك عن إرث رافاييل كوريا، الذي نجح خلال ولايتين رئاسيتين ــ برغم بعض الثغر المتعددة الأوجه والسياسات المثيرة للجدل ــ في جعل الحزب الحاكم يتمتع بشعبية بين الفقراء، بفضل برامج الرعاية الاجتماعية.

ومعروف أن لينين رافق رافاييل كوريا في ذروة انطلاقته، أي خلال ولايته الرئاسية الأولى، بعدما اختارهما الإكوادوريون لمنصبي الرئيس ونائب الرئيس، على حساب مرشّحي اليمين “إمبراطور الموز” الفارو نوبوا، ومرشحه لمنصب نائب الرئيس فينتشني تايانو، في انتخابات عام 2006، التي جرت في أوج العصر الذهبي الذي شهده اليسار في أميركا اللاتينية.

وظلّ لينين محتفظاً بمنصب نائب الرئيس، حتى عام 2013، ليتولى بعدها منصباً أممياً مستحدثاً، حيث تم اختياره مبعوثاً للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون ذوي الإعاقة، في ما شكّل تعويضاً معنوياً لذاك الناشط الاجتماعي والسياسي اليساري، بعدما أخفق في نيل جائزة نوبل للسلام لعام 2012، التي ذهبت في نهاية المطاف إلى الاتحاد الأوروبي!

على كرسيه المتحرك، برز “الوجه الأجمل في الحكومة الإكوادورية”، كما وصفته إحدى الصحف المحلية، منذ مطلع الألفية الحالية، ناشطاً اجتماعياً مدافعاً عن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، بعدما غيّرت عملية سطو مسلّح مسار حياته.

كان ذلك في الثالث من كانون الثاني عام 1998، حين تقدّم شابان باتجاه لينين في أحد أحياء العاصمة كيتو، لسلب سيارته وأمواله. وبرغم استجابته لتهديدهما، فإنّ أحدهما لم يتوان عن إطلاق النار باتجاه ظهره، ما أصابه بشلل مصحوب بآلام قاسية، لم تفلح معها العلاجات الطبية التقليدية، وهو ما دفعه إلى تطوير علاج ذاتي قائم ببساطة على “الضحك”. وبرغم تشكيك الأطباء في إمكانية الشفاء، فإن لينين تجاوز آلامه، لا بل تمكن من التأقلم مع الإعاقة الجسدية.

هكذا تحوّل لينين، من ميدان الوظائف العمومية المرتبطة غالباً بالتسويق والسياحة، إلى ناشط في مجال الخدمة الاجتماعية، “مبشّراً” بنمط علاجي جديد، كان له الفضل في تعافيه، فكتب الكثير من الكتب التي تحثّ الانسان على تخطي أزماته الصحية والنفسية بالضحك، من بينها “فلسفة الحياة والعمل”، و”النظرية والتطبيق في ممارسة الكوميديا”، و”السعادة سهلة ومسلّية” و”أفضل نكات العالم” و”اضحك لن تمرض”، الخ..

هموم ذوي الاحتياجات الخاصة حملها لينين بعد توليه منصب نائب الرئيس، فرافاييل كوريا ورث عن أسلافه ملفاً ثقيلاً، يتمثل في وجود مئات آلاف المصابين بالإعاقات، لم تخصص لهم الدولة الإكوادورية في موازنتها السنوية سوى 100 ألف دولار. استعان الرئيس بنائبه، الذي وضع مشروعاً طموحاً، زاد من خلاله الميزانية السنوية لمراكز الخدمة الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة بنحو 50 ضعفاً، حتى باتت الحكومة الإكوادورية تقدم المساعدة لأكثر من 600 ألف مصاب بالإعاقة، فضلاً عن خدمات السكن لخمسة عشر ألفاً، والأطراف الصناعية لزهاء الآلاف منهم.

ويبدو أن السيرة الذاتية للينين مورينو، وما حققه من إنجازات على المستوى الاقتصادي خلال توليه منصب نائب الرئيس، والود الذي يكنّه له الناخبون الفقراء في الإكوادور، هي ما جعل الحزب الحاكم يختاره مرشحاً لخلافة رافاييل كوريا، إلى جانب نائب الرئيس الحالي خورخي غلاس.

ويبدو واضحاً أن “ائتلاف البلاد” أراد من خلال تلك الخطوة البناء على ما تبقى من إرث رافاييل كوريا، عبر تقديم شخصية تتمتع بنظافة الكف من جهة، والتعاطف الشعبي والميل أكثر إلى المصالحة الداخلية من جهة أخرى، بما يمكّن اليسار الإكوادوري من الصمود أمام العواصف التي هزت أنظمة “الرفاق” في معسكر “اشتراكية القرن الحادي والعشرين”، منذ فترة، نتيجة لأسباب عدّة، تتراوح بين لوثة فضائح الفساد التي طالت بعضهم (كما حدث في البرازيل مع ديلما روسيف) وبين الأزمات الاقتصادية المرافقة للتقلبات في الأسواق العالمية للنفط التي أطاحت أو تكاد تطيح البعض الآخر (كما يحدث حالياً مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو)؟

ويشكل فوز لينين مورينو ذلك زخماً لـ”البديل البوليفاري”، بعد الخيبات الأخيرة، التي جعلت “التسونامي” اليساري اللاتيني، الذي مثله انتصار هوغو تشافيز في فنزويلا، ولويس إيناسيو لولا دا سيلفا في البرازيل، وإيفو موراليس في بوليفيا، وميشال باشليه في تشيلي… وصولاً إلى فرناندو لوغو في الباراغواي وخوسيه موخيكا في الأوروغواي قبل سنوات، يتراجع أمام موجات اليمين العاتية التي ضربت الكثير من دول القارة الجنوبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق