سياسة واقتصاد

من هو مايكل داندريا أو “أمير الظلام”؟

تعددّت صفاته واسماؤه. في وكالة الاستخبارات المركزية يسمّونه “أمير الظلام” أو “الملّا اندريا”. في هوليوود هو “الذئب” الذي خلّده فيلم “زيرو دارك ثيرتي”، الذي تدور أحداثه حول تعقب أسامة بن لادن. أما بالنسبة إلى الرأي العام فهو “لا أحد”… مايكل داندريا ، عميل الاستخبارات الأميركية، بات مسؤول ملف إيران في وكالة الاستخبارات المركزية (“سي أي آيه”)، التي خدم فيها لسنوات في الظل، وساهم، من خلال عمله، في قتل المئات، دونما تفرقة بين “إرهابي” أو “مدني”!

يبلغ مايكل داندريا الستين من العمر، وقد اعتنق الاسلام، وشارك بقوة في الحرب على المجموعات “الجهادية”، وكان مسؤولا عن “مركز مكافحة الارهاب” في وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، خلال سنوات الالفين، حيث اشرف على مطاردة زعيم تنظيم “القاعدة” أسامة بن لادن، الذي قُتل في غارة للقوات الخاصة الاميركية في باكستان في أيار/مايو العام 2011.

كذلك، أدار داندريا برنامج “الاغتيالات المحددة الهدف” خلال عهد باراك اوباما، والذي اتاح قتل الاف “الجهاديين” مع مدنيين في باكستان وافغانستان بطائرات من دون طيار.

لا يهوى مايكل داندريا الأضواء، فبرغم عمله في وكالة الاستخبارات المركزية منذ العام 1979، إلا أن اسمه ظل مجهولاً، حتى شهر نيسان من العام 2015، حين تمكّن الصحافي في صحيفة “نيويورك تايمز” مارك مازيتّي من كشف بعض من تفاصيل “أمير الظلام”، وذلك بعد شهر من مغادرته منصبه كمدير لـ”مركز مكافحة الإرهاب” في “سي أي آيه”.

يومها، تمكن مازيتّي من التعرف إلى هذا الشخص، الذي كان يُعرف في السابق باسم “روجر”، بصفته المسؤول الأول عن توسيع عمليات الاغتيال عبر الطائرات من دون طيار، طوال تسع سنوات من ترؤسه “مركز مكافحة الإرهاب”. هذا الكشف أتى حينها على خلفية بعد مقتل رهينتين غربيتين في قصف قامت به طائرة من دون طيار تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية في باكستان.

وبحسب المعلَن حالياً، فإن داندريا،ا المتحدر من عائلة في نورث فيرجينيا، قد باشر عمله في الـ”سي أي آيه”، منذ العام 1979، عندما بدأ التدريب في منشأة فرجينيا، المعروفة باسم حركي هو “المزرعة”.

تنقل صحيفة “واشنطن بوست” عن أحد زملاء داندريا السابقين إنه “رجل حكيم” حصل على “درجات متوسطة جداً في عمله المكتوب”.
بعد إنهاء خدمته في “المزرعة”، تم إرسال داندريا ف إلى إفريقيا، حيث خدم هناك بضع سنوات، ثم بدأ يتسلّق السلم الظيفي، ليشغل منصب قائد عمليات مركز مكافحة الإرهاب، في ذروة الحرب على العراق.

وخلال توليه أهم منصب استخباراتي للولايات المتحدة في العراق، تعرّف إلى امرأة مسلمة، وتزوّج منها، ويُقال أنها “ألهمت تحوّله إلى الإسلام”.

في شباط/فبراير من العام 2006، تم استدعاء داندريا إلى الولايات المتحدة، حيث تولى منصب مدير “مركز مكافحة الإرهاب”، وهو منصب حساس للغاية، لدرجة أن أسلافه لم يعمّرون في موقعهم أكثر من ثلاث سنوات. لكن داندريا قبلَ التحدّي، وبقي في منصب مدير “مركز مكافحة الإرهاب” تسع سنوات، أي ثلاثة أضعاف متوسط الفترة التي كان يمضيها المدراء السابقون في هذ المنصب.

ويقال أن داندريا ألقى بنفسه سريعاً في منصبه الجديد: كان يصل إلى عمله قبل الفجر، وكان أحياناً ينام في مكتبه بدلاً من العودة إلى المنزل. واستأنف عادة التدخين بعدما تمكّن من الإقلاع عنه لنحو عقد من الزمن.

وشارك داندريا، حتى قبل تسلمه منصبه الجديد، بعمق، في برنامج الاعتقال والاستجواب، الذي أدى إلى تعذيب عدد من السجناء، والذي أُدين في تقرير شامل لمجلس الشيوخ في العام 2014، حيث وُصف بأنه غير إنساني وغير فعال. ولم يتم الإعلان إلا عن الموجز التنفيذي لهذا التقرير، الذي يقع في 6700 صفحة، ومن غير المرجح الكشف عن المزيد مما تضمنه، بعد إجراء اتخذته إدارة دونالد ترامب في هذا السياق.

شارك داندريا بعمق في برنامج الاعتقال والاستجواب
الذي أدى إلى تعذيب عدد من السجناء.

وفي الوقت ذاته، بدأ داندريا بتصعيد برنامج الطائرات من دون طيار داخل باكستان، والذي أصبح أداة مكافحة الإرهاب المفضلة للرئيس باراك أوباما، الذي وافق شخصياً على الضربات التي تستهدف القادة “المتشددين”.

وعندما تولى داندريا منصب رئيس “مركز مكافحة الإرهاب”، لم تكن هناك سوى حفنة من طائرات من دون طيار تعمل في باكستان، وكانت هناك ثلاث ضربات فقط في تلك السنة، ولكن بحلول العام 2010، بلغت حملة الطائرات من دون طيار ذروتها، إذ نفذت الولايات المتحدة 117 ضربة ضد مقاتلي “القاعدة” وغيرهم من “الجهاديين” الذين احتموا في المناطق القبلية الجبلية، والتي تمتد على طول الحدود الشمالية الغربية الباكستانية مع أفغانستان.

كما وسعت وكالة الاستخبارات المركزية برنامجها من الطائرات من دون طيار إلى اليمن تحت إشراف داندريا شخصياً، الذي يشهد الكثيرون على قيامه بدور أساسي في إضعاف “القاعدة”.

ولكن كانت هناك أيضا انتكاسات، أبرزها قيام عميل مزدوج  في “القاعدة” بتفجير نفسه في قاعدة أميركية في أفغانستان، ما أسفر عن مقتل سبعة من عناصر الـ”سي أي أيه”.

وفي كانون الثاني/يناير من العام 2015، أصابت طائرة من دون طيار مقر تنظيم “القاعدة” في باكستان، حيث كان المسلحون يحتجزون رهينتين: وارن وينشتاين، وهو عامل في المعونة الإنسانية ومستشار اقتصادي، وجيوفاني لو بورتو (37 عاما) الإيطالي، وقد قتل الرجلان في تلك الغارة.

وبحسب “نيويورك تايمز”، فإن عملاء داندريا قاموا بدور محوري في اغتيال القيادي في “حزب الله” عماد مغنية، بالتعاون مع الإسرائيليين، وذلك في تفجير  سيارة مفخخة في العاصمة السورية دمشق في العام 2008.

الأشخاص الذين عملوا مع داندريا لا يذكرونه باعتزاز، إذ كثيراً ما كان يسيء إلى مرؤوسيه ويوبّخهم، باعتبار أنّ  “عملهم هو الأسوأ على الإطلاق”، كما كان يُردد، وكثيراً ما يؤخذ عليه توسيعه لحرب الاغتيالات عبر الطائرات من دون طيار، والتي أدت إلى مقتل الكثير من المدنيين، بما في ذلك رعايا غربيين، كما حدث في باكستان.

عملاء داندريا قاموا بدور محوري
في اغتيال عماد مغنية

بالتعاون مع الإسرائيليين.

بالرغم من ذلك، لا ينكر أحد خبرة داندريا، حتى أن مايكل موريل، نائب مدير وكالة الاسختبارات المركزية السابق، وصفه بأنه “واحد من أرقى ضباط المخابرات في جيله”، مشيراً إلى أن “الإيرانيين سيتساءلون بالتأكيد عمّا يعنيه تعيين داندريا بالنسبة إليهم”.

بعد عامين من نهاية خدمته كرئيس لـ”مركز مكافحة الإرهاب”، استقر الرأي داخل إدارة دونالد ترامب على تكليف داندريا بإدارة ملف إيران داخل وكالة الاستخبارات المركزية، بحسب ما نقلت صحيفة “نيويورك تايمز”، أمس، عن مصادر في اجهزة الاستخبارات، مشيرة إلى أن اختيار مايكل داندريا يترجم الموقف المتشدد لادارة الرئيس دونالد ترامب تجاه ايران.

لن تكون مهمة داندريا سهلة، فالولايات المتحدة لا تملك سفارة في طهران، لتوفير الغطاء الديبلوماسي للانشطة الاستخباراتية، وأجهزة الأمن الإيرانية لديها تاريخ طويل من اليقطة، لا بل أنها تبدي تشدداً تجاه أي شخص يشتبه في ارتباطه بواشنطن.

برغم ذلك، يقول المحامي السابق في وكالة الاستخبارات المركزية روبرت ايتنغر لـ”نيويورك تايمز” إن داندريا هو مناسب تماماً للقيام بهذه المهمة، فهو “قادر على إدارة برنامج عدواني جداً… ولكن بذكاء شديد”.

مهمة داندريا في إيران لن تكون سهلة.

وفيما لا نعرف الكثير عن آراء داندريا تجاه إيران، إلا أن مواقف دونالد ترامب واضحة، سواء في وصفه للجمهورية الإسلامية بأنها “تهديد إرهابي” أو في سعيه لتقويض الاتفاق النووي.

وأياً تكن الحال، فإن صحيفة “نيويورك تايمز” تشير إلى أن الدور الجديد لداندريا يمثل واحداً من تحركات عدة، داخل الاستخبارات الأميركية، تشير إلى نهج أكثر قوة للعمليات السرية تحت قيادة مايك بومبيو، الجمهوري المحافظ و عضو الكونغرس السابق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق