سياسة واقتصاد

ما الهدف من اغتيال السفير الروسي في تركيا؟

تعتبر تركيا العضو الاهم في الحلف الاطلسي نظراً لموقعها الجيواستراتيجي الذي يشكل اختراقا لخاصرة اوراسيا من الوسط، ويفصل روسيا عن المياه الدافئة عبر البوسفور والدردنيل. وتزيد اهميتها لامتداداتها العرقية واللغوية والثقافية في محيطها الجغرافي والبشري، وما ينتج عن كل ذلك من تفاعلات وشبكة سياسات قائمة على التأثر والتأثير في هذا المحيط .

حددت هذه العوامل الأهمية الجيوستراتيجية لتركيا في منظور المصالح الغربية، وما نتج عن ذلك من تحالف استراتيجي تركي مع المنظومة الغربية (الولايات المتحدة  والاطلسي والاتحاد الأوروبي)، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن، حيث مثلت الحرب الباردة (1946-1991) حالة من الصراع الجيوسياسي والتوتر العسكري بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة و”الناتو”، والشرق بقيادة الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو.

واستغلت الولايات المتحدة حالة الخوف التركي من التهديدات السوفياتية والحروب التاريخية التي وقعت بين تركيا وروسيا، لتعمل على جعلها حاجزاً بشرياً وعسكرياً أمام “الروس”، وتمددهم نحو المياه الدافئة من خلال مبدأ ترومان (1947)، الذي نص على تقديم مساعدات ضخمة لليونان وتركيا، في مقابل تصديهما للنفوذ الشيوعي.

بعد ذلك دخلت تركيا حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العام 1952، وبه تحولت إلى جبهة الدفاع الجنوبية عن المصالح الأوروبية الأطلسية في مواجهة السوفيات، وإلى قاعدة عسكرية متقدمة لـ”الناتو” في مواجهة القوى القومية واليسارية الناشطة في العالم العربي، والتي بدأت بتهديد الغرب وحلفائه حينها.

وزادت اهمية تركيا الاستراتيجية انها تملك ثاني أكبر جيش في “الناتو” بعد الولايات المتحدة، وتنتشر فيها قواعد جوية للحلف، وتستضيف مراكز لمنظومة الدفاع الصاروخي الأميركية، كما أثير وجود صواريخ نووية أميركية فيها.

وبموازاة هذا التحالف العسكري، فقد نشأ تحالف سياسي جسدته الرغبة التركية العارمة في دخول الاتحاد الأوروبي. ومنذ توقيعها على بروتوكول أنقرة في العام 1963، حتى اليوم، لم تتمكن تركيا، خلال اكثرمن  نصف قرن، من التحول إلى عضو كامل العضوية من جهة، كما لم تقم أوروبا بإغلاق الملف بوجهها بشكل كامل أيضاً… بل بقي الملف مفتوحاً حرصاً من تركيا على تحقيق حلمها التاريخي بكل امتيازاته الاقتصادية والسياسية والأمنية، وحرصاً من أوروبا أن لا تفقد حليفتها الاستراتيجية وما يجره عليهما التحالف من مكاسب.

وبرغم تنفيذ تركيا كل الادوار المطلوبة منها من قبل الولايات المتحدة و”الاطلسي” منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن، الا ان الاتحاد الاوروبي رفض ان تنضم اليه، وبقي منذ خمسينات القرن الماضي يضع العراقيل امامها لجهة “تطبيق حقوق الانسان والحريات والديمقراطية والنظام العلماني” بغية تاخير ضمها الى الاتحاد، ذلك أن اوروبا لا تتحمل دولة مسلمة يفوق عدد سكانها الـ80 مليون نسمة ان تكون عضوا في الاتحاد. وهذا ما حدا بالرئيس رجب طيب اردوغان ان يطلق مؤخرا تهديده للاتحاد الاوروبي بأن تركيا لا تستطيع الانتظار أكثر للانضمام للاتحاد، معلناً رغبته وطلبه الانضمام الى منظمة شنغهاي للامن والتعاون.

تركيا في المنظور الاوراسي الروسي

تعتبر تركيا ايضا مهمة جداً في المنظور الاستراتيجي الروسي، فوصيتي الملكة كاترينا وبطرس الاكبر تؤكدان على انه اذا أرادت روسيا أن تبقى امبراطورية قوية مهابة، عليها ان تحقق تلاتة اهداف:

الاول: ان تستعيد روسيا تركيا الى محورها سلماً اوحرباً.

الثاني: أن تقيم روسيا افضل العلاقات التحالفية مع ايران.

الثالث: ان تقيم روسيا حلفا استراتيجيا مع سوريا لان مفاتيح موسكو في دمشق. ولاهمية موقع سوريا الجيوسياسي كنقطة تلاقي ثلاث قارات (اوروبا – اسيا – افريقيا)… وسوريا في تلك الفترة كانت الهلال الخصيب الذي يشمل سوريا ولبنان وفلسطين والاردن والعراق.

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وبروز المشروع الأوراسي الذي تكلم عنه الفيلسوف الكسندر دوغين ويتبناه الرئيس فلاديمير بوتين منذ  نهاية التسعينات القرن الماضي، والذي يتضمن البحث عن قارة جديدة( اوراسيا)، قلبها المؤثر روسيا… وبما أن روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي باتت ضعيفةٌ عسكرياً واقتصادياً، لذا كان عليها إقامة محاور وأحلاف، في ما سمّي البعيد القريب او حافة اليابسة (RIME LAND). وتتضمن الجيوسياسة الروسية، نقلَ الخطوط الدفاعية من الحدود الروسية، إلى مناطق أبعد، كأوكرانيا وتركيا وسوريا والشرق الأوسط ووسط اسيا. كما تهدف الجيوسياسة الروسية إلى تقويض الوحدة الأوروبية-الأطلسية، وتفكيك الاتحاد الأوروبي، وفرض مقايضة النفوذ الروسي بالاعتراف الغربي بمناطق المصالح الروسية ما بعد السوفياتية.

ويذهب ألكسندر دوغين، إلى أن الصراع في سوريا هو على القوة الجيوسياسية، كما كانت عليه الحال دائماً، بين القوة البرية ممثلة بروسيا، والقوة البحرية ممثلة بالأطلسيين. فسوريا نقطة صدام جيوبوليتيكي تقعُ في مركز القلب في المعركة بين ممثلي النظام العالمي ذي القطب الواحد، وذلك المتعدد الأقطاب. كما يعتبر أن انهيار سوريا هو مقدمةٌ لانهيار الدول المسلمة في المنطقة، ووصول ملايين اللاجئين إلى أوروبا، ما سيتسبب في زعزعة استقرارها وإحداث شللٍ سياسيٍ شاملٍ فيها. دوغين يرى أن روسيا تحارب في سوريا دفاعاً عن المصالح الأوروبية وليس الروسية فقط، ويرى في “الدولة الاسلامية” تهديداً مباشراً للاتحاد الروسي، بوصفها منتجاً أميركياً، صُمم لخوض حروب اميركا بالوكالة (اي الجيل الرابع من الحروب) وخلق الفوضى لتزويد واشنطن بأسباب تخدم وتبرر تدخلها العسكري لتغيير الانظمة والدول من الداخل.

ولما كانت تركيا بموقعها الجيوسياسي (وحدودها الكبيرة مع سوريا التي تصل الى 800 كيلومتر)، تمثل الموقع الاستراتيجي المهم لمصير الحرب في سوريا، والموقع اللوجستي لدخول جيش التكفيريين العالمي الذي استقدمته الولايات المتحدة و”الاطلسي” ودول الخليج الى سوريا ولتسليحه وتدريبه، والذي قدرته صحيفة “ديرشبيغل” الالمانية باكثر من 365 ألف ارهابي. وبات العمل على جذب تركيا من الحلف الاطلسي الى محور روسيا ايران عنصرا مؤثر جدا في حسم المعركة ضد التكفيريين في سوريا.

لهذا حولت روسا انبوب السيل الجنوبي الذي سينقل الغاز الروسي الى اوروبا الى تركيا باستبداله بالسيل التركي وتحويل تركيا الى خزان للغاز الروسي الى اوروبا، واقامة مفاعل نووي لتوليد الطاقة الكهربائية في تركيا وتشجيع السياحة الروسية اليها بهدف جزبها الى المحور الاوراسي. فما كان من حكومة اوغلو المدعومة اميركيا ان اسقطت الطائرة الحربية الروسية “سو24”  وقتل طيارها بغية تخريب التقارب التركي الروسي واشعال حرب بين روسيا والاطلسي.

استوعبت روسيا الفخ الاميركي وفرضت عقوبات اقتصادية اضرت كثيراً بالاقتصاد التركي، فاعتذر اردوغان عن الحادث، وأعيد تطبيع العلاقة بين روسيا وتركيا،  بهدف احتواء الموقف، وقد لعب السفير الروسي في تركيا اندريه  كارلوف دوراً محورياً في اعادة تطبيع العلاقة مع البلدين.

ولما كان الدخول العسكري الروسي باسطوليه الجوي والبحري الداعم للرئيس بشار الاسد وجيشه العربي السوري وحلفائه في محور المقاومة قد قلب الموقف العسكري لصالحه، وبات اسقاطه مستحيلاً بفضل هذا الدعم وصمود الجيش العربي السوري الاسطوري والانتصارات الميدانية المهمة في حلب وشمال سوريا، وبعد الذعر الذي اصاب الاميركي والاوروبي وازلامهما من امكانية سقوط ضباطهم الذين يقودون العمليات في حلب ضد الجيش العربي السوري في الاسر، وتسليمهم ببقاء الاسد في السلطة، واشتراكه الحاسم في المعركة ضد الارهاب وبالتالي قيادته للحل… وبعد علاقة تركيا المتوترة مع الغرب  على اثر الانقلاب الفاشل فيها المدبر من الولايات المتحدة و”الاطلسي”… وبعدما ايقنت تركيا ان موسكو قد امسكت بمعظم اوراق الحسم والحل في سوريا والمشرق ما بدد احلامها العثمانية وهمش ادوار اميركا والاطلسي ودول الخليج بعد رفضهم التموقع قي الترتيبات الروسية للحل في سوريا ومدخله الفصل بين القوى التكفيرية والمعارضة المعتدلة (وفق التوصيف الاميركي الاطلسي) مما اخر الحسم في حلب عبر الهدن التي كان تطلبها اميركا للفصل بين المعارضات والتي كانت فرصة وخدعة لاعادة تسليح وتجهيز القوى التكفيرية لاطالة امد الحرب… وبعدما بات الجيش العربي السوري على مسافة قصيرة من تطهير حلب من القوى التكفيرية حيث حوصر التكفيريون بمساحة لا تزيد عن ثلاثة كيلومترات مربعة… عندها سلم اردوغان بانتصار الاسد وحليفه بوتين، وتيقن بعد وصول دونالد ترامب الى الرئاسة الاميركية واعلانه التحالف مع بوتين لضرب الارهاب ان اسقاط الاسد ليس اولوية لدى اميركا، بل الاولوية ضرب الارهاب وداعميه، وهو ما تأكد فور انتقاء ترامب طاقمه الوزاري من اصدقاء الرئيس بوتين ومؤيدي التحالف مع روسيا.

لذا قرر اردوغان الاصطفاف بجانب المحور المنتصر والاستدارة نحو الشرق عبر البوابة الروسية الايرانية ما يعني، إن تحققت  هذه الاستدارة، أن ثمة تحولاً استراتيجياً كبيرا سيصيب المشرق الذي يعتبر بوابة اوراسيا الاسيوية وطريق الحريرعلى المتوسط والذي اصبح منطقة نفوذ روسيا وحلفائها. وايضا يعني هزيمة استراتيجية مدوية للحلف الاطلسي واميركا.

لذا تحركت ادارة اوباما (والمحافظون الجدد المتضررون من وصول ترامب ) والاطلسي وحلفائهم التكفيريون لقتل السفير الروسي في تركيا اندريه  كارلوف (وهوسفير فوق العادة في تركيا يتمتع بخبرة كبيرة في العمل الدبلوماسي تزيد على 30 عاما ولعب دورا كبيرا ومحوريا في التقارب الروسي التركي  بعد ازمة السوخوي ويعتبر مهندس الاتفاق الاخير الذي  ادى الى خروج التكفييرين من شرق حلب) بهدف تخريب العلاقة الروسية التركية وتخريب اللقاء الروسي التركي الايراني لتثبيت الحل في سوريا.

النتائج الاولية لهذا الاغتيال الجبان ان الرئيس بوتين قرأ أهداف هذه الجريمة، فأعلن تثبيت التحالف الروسي التركي  واحتوى اردوغان الذي اصابته عملية الاغتيال في الصميم، وضيقت امامه هوامش المناورة، وقرر تصعيد الحرب على الارهاب وتثبيت التحالف الاستراتيجي الروسي الايراني التركي مع سوريا ومحور المقاومة… فهل سنشهد مبادرة تركية جديدة لتطبيع العلاقة مع سوريا والاسد؟ إنّ غداً لناظره قريب!

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق