سياسة واقتصاد

ما حقيقة وجود وحدات خاصة روسية في غرب مصر؟

جاء التدخل الأطلسي في ليبيا، دعماً للانتفاضة المسلحة ضد نظام العقيد معمر القذافي في العام 2011، بمثابة “خديعة” غربية لروسيا، حسبما صرّح آنذاك كبار المسؤولين في موسكو، وفي مقدّمتهم الرئيس السابق ديميتري ميدفيف.

وفي كل مرة يستقبل الرئيس فلاديمير بوتين شخصية دولية، او يدلي بتصريح بشأن أحداث سوريا ، يقول أن روسيا لن تقبل بأن تقع في خديعة جديدة كما حصل في ليبيا عندما اتخذ مجلس الأمن قرارا بموافقة روسيا على حماية المدنيين ، وثم استعمل القرار لاغراض عسكرية ،

بعد أكثر من خمسة أعوام على هذا التدخل، يرى كثيرون أن روسيا لم تنسَ تلك “الخديعة”، لا بل أن اقتحامها المشهد الليبي، مؤخراً، عبر دعمها الجنرال خليفة حفتر، يشي برغبة في رد الصاع صاعين. ولا شك أن الظروف السياسية والعسكرية ممهدة لذلك، خصوصاً بعدما اكتسبت روسيا جرعات ثقة مكثّفة، بعد مقارعتها الغربيين في أوكرانيا وسوريا، استعادت معها مكانتها كقوة جيوسياسية فاعلة في العالم عموماً، وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص، مستفيدة من تحالفات متعددة المستويات، سواء مع مصر أو إيران.

من هنا، يمكن لتقارير إعلامية حول احتمالات التدخل الروسي عسكرياً في ليبيا، من البوابة المصرية، أن تجد صدّى لدى كثيرين، خصوصاً إذا ما اقترنت بمعلومات من مصادر على مستوى عالٍ، على غرار ما كان عليه الوضع عشية التدخل الروسي في سوريا في أواخر العام 2015.

وكالة “رويترز” نقلت، اليوم، عن مصادر أميركية ومصرية وديبلوماسية قولها إن روسيا نشرت، في ما يبدو قوات خاصة في قاعدة جوية في غرب مصر قرب الحدود مع ليبيا، خلال الأيام الماضية، في خطوة من شأنها زيادة المخاوف الأمريكية بشأن الدور الروسي المتنامي في ليبيا.

وقال المسؤولون الأميركيون والديبلوماسيون لـ”رويترز” إن أي نشر لقوات روسية من هذا القبيل قد يكون في إطار محاولة دعم القائد العسكري الليبي خليفة حفتر الذي تعرض لانتكاسة عندما هاجمت سرايا الدفاع عن بنغازي قواته يوم الثالث من آذار/ مارس الحالي، عند موانئ النفط الخاضعة لسيطرته.

وأضاف المسؤولون الأميركيون، الذين طلبوا عدم نشر أسمائهم، أنّ الولايات المتحدة لاحظت في ما يبدو قوات عمليات خاصة روسية وطائرات من دون طيار عند سيدي براني على بعد 100 كيلومتر من حدود مصر مع ليبيا.

وقدمت مصادر أمنية مصرية مزيداً من التفاصيل قائلة إنها وحدة عمليات خاصة روسية قوامها 22 فرداً، لكنها امتنعت عن مناقشة مهمتها. وأضافت المصادر أن روسيا استخدمت أيضا قاعدة مصرية أخرى إلى الشرق من سيدي براني في مرسى مطروح في أوائل شباط/فبراير الماضي.

وبحسب المصادر المصرية فإنّ طائرات عسكرية روسية حملت نحو ست وحدات عسكرية إلى مرسى مطروح قبل أن تذهب إلى ليبيا بعد حوالي عشرة أيام.

لكن وزارة الدفاع الروسية نفت  تلك المعلومات.

وقال اللواء إيغور كوناشنكوف، المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية :”لا توجد أي وحدات روسية خاصة في سيدي البراني. مثل هذه المزاعم المختلقة المرسلة من مصادر مجهولة إلى بعض وسائل الإعلام الغربية تثير الرأي العام على مدى سنوات”.

كما نفى مجلس الاتحاد الروسي ما تردد عن إرسال روسيا عسكريين وطائرات من دون طيار إلى قاعدة جوية في مصر.

ووصف فلاديمير جاباروف، النائب الأول لرئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي، تلك الأنباء بالوهمية، مضيفا أن “روسيا لم تفعل ذلك ووزارة الدفاع لا تؤكدها. إنها أنباء وهمية لا تستحق الاهتمام”، حسبما أفادت قناة “روسيا اليوم”.

وشدد المسؤول الروسي على أن مثل هذه الأخبار المضللة هي عناصر في حرب إعلامية “يشنها الجميع ضد الجميع”.

كذلك، نقلت وكالة “سبوتنيك” الروسي عن البرلماني الروسي أندريه كراسوف، النائب الأول لرئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما، إن التقارير التي تشير إلى إرسال عسكريين روس إلى قاعدة جوية في مصر تهدف إلى تصعيد الأوضاع.

وأوضح البرلماني الروسي “نحن ثابتون في تصرفاتنا. لا نخفي أي شيء عن أي أحد. نحن نعلن عن خطواتنا وننسق تصرفاتنا مع حكومات الدول التي لدينا اتصالات بها”.

وأكد أن الخطوات الروسية الناجحة، بما في ذلك في مجال محاربة الإرهاب في سوريا، تعطي مبررا لدول بعينها لتشويه صورة موسكو، مضيفاً “ربما أيضا قد يكون بين هذه الدول نوع من التنافس حول من سيشوّه صورة روسيا أكثر من غيره”.

بدوره، نفى العقيد تامر الرفاعي المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة المصرية وجود أي جندي أجنبي على الأراضي المصرية قائلا إنها مسألة سيادة.

كذلك، محمد منفور قائد قاعدة بنينا الجوية قرب بنغازي أن يكون الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر قد تلقى مساعدة عسكرية من الدولة الروسية أو متعاقدين عسكريين روس ونفى أيضا وجود أي قوات أو قواعد روسية في شرق ليبيا.

من جهته، رفض الجيش الأميركي التعليق، لكنّ مسؤولين قالوا إن التخابر الأميركي على الأنشطة العسكرية الروسية يشوبه التعقيد في كثير من الأحيان بسبب استخدام متعاقدين أو قوات بملابس مدنية.

وخلال العامين المنصرمين أرسلت بعض الدول الغربية ومن بينها الولايات المتحدة قوات خاصة ومستشارين عسكريين إلى ليبيا. ونفذ الجيش الأميركي ضربات جوية دعما لحملة ليبية ناجحة العام الماضي لطرد تنظيم “الدولة الإسلامية” من معقله في مدينة سرت.

وتتزامن التساؤلات بشأن دور روسيا في ليبيا مع مخاوف في واشنطن من نوايا موسكو في الدولة الغنية بالنفط والتي تحولت إلى مناطق متناحرة في أعقاب انتفاضة العام 2011 المدعومة من حلف شمال الأطلسي على معمر القذافي الذي كانت تربطه علاقات بالاتحاد السوفياتي السابق.

ووصلت الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس إلى طريق مسدود مع حفتر واجتمع مسؤولون روس مع الجانبين في الأشهر الأخيرة. واستعدت موسكو في ما يبدو لتعزيز دعمها الدبلوماسي للجنرال الليبي بالرغم من غضب الحكومات الغربية بالفعل من تدخل روسيا في سوريا لدعم الرئيس بشار الأسد.

وخلال شهر كانون الثاني/ يناير الماضي ذكرت صحيفة التايمز البريطانية أن روسيا تخطط لتسليح اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

وأشارت الصحيفة إلى أن حفتر (73 عاما)، الذي وصفته الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة بأنه إرهابي، كان قد أجرى محادثات رفيعة المستوى مع مسؤولين روس على متن حاملة طائرات روسية متمركزة في البحر المتوسط، وأضافت أنه التقى أيضا خلال الأشهر الماضية بوزيري الدفاع والخارجية الروسيين من أجل الدعم وتزويده بالسلاح.

من جانبهم، قال معاونو حفتر إن هدف الزيارات كان لتأمين التدريب والأسلحة، لأن المقاتلين كانوا يحاربون في ظل الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة أثناء الثورة ضد القذافي.

وذكرت الصحيفة البريطانية أنه خلال الاجتماعات على متن حاملة الطائرات الأدميرال كوزنيتسوف تحدث حفتر في اتصال فيديو مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عن جهود مكافحة الإرهاب، ووعدت روسيا بالضغط في الأمم المتحدة لإسقاط حظر الأسلحة، في حين قدم حفتر قائمة بالمعدات التي يحتاجها رجاله.

وقال أحد معاوني حفتر في بنغازي إن “روسيا تعتبر ليبيا بلدا إستراتيجيا في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، والقضاء على تنظيم الدولة هنا سيساعد في تأمين المنطقة والبحر المتوسط، كما أن أمن ليبيا حيوي لموسكو”.

من جهته، قال أوليغ كرينيتسين، رئيس مجموعة (آر.إس.بي) الأمنية الروسية لـ”رويترز” إن قوة من بضع عشرات من المتعاقدين الأمنيين المسلحين من روسيا عملوا حتى الشهر الماضي في منطقة بليبيا خاضعة لسيطرة حفتر.

لكن وزارة الخارجية الروسية قالت في بيان إنها ليس لديها علم بأن متعاقدين مسلحين تابعين لمجموعة (آر.إس.بي) الأمنية الروسية عملوا حتى الشهر الماضي في ليبيا.

وكان قائد القوات الأميركية في أفريقيا الجنرال توماس والدهاوسر قال، في جلسة استماع  امام مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي، إن روسيا تحاول بسط نفوذها في ليبيا لتعزز سطوتها في نهاية المطاف على كل من يمسك بزمام السلطة. وأضاف والدهاوسر إن الروس “يعملون من أجل التأثير على ذلك”. ورداً على سؤال عما إذا كان في مصلحة الولايات المتحدة أن تترك ذلك يحدث فقال “لا”.

ويقول مسؤولون في الاستخبارات الأميركية إن هدف روسيا في ليبيا محاولة في ما يبدو “لاستعادة موطئ قدم حيث كان الاتحاد السوفياتي ذات يوم حليفا للقذافي”.

ودفعت مغازلة روسيا لحفتر آخرين إلى رسم أوجه تشابه مع سوريا التي ارتبطت أيضا طويلا بالاتحاد السوفياتي قبل انهياره.

ويميل حفتر إلى وصف منافسيه المسلحين بالإسلاميين المتطرفين ويراه بعض الليبيين الرجل القوي الذي تحتاج إليه البلاد بعد سنوات من انعدام الاستقرار.

وردا على سؤال للسناتور الأميركي لينزي غراهام عما إذا كانت روسيا تحاول أن تفعل في ليبيا ما فعلته في سوريا فقال والدهاوسر “نعم هذه طريقة جيدة لوصف ذلك.”

وقال دبلوماسي غربي طلب عدم نشر اسمه إن روسيا تتطلع إلى دعم حفتر على الرغم من أن تركيزها الأولي على الأرجح سيكون على منطقة الهلال النفطي في ليبيا.

خليفة حفتر على متن حاملة الطائرات الروسية الاميرال كوزنيتسوف

وقال الدبلوماسي “من الواضح جدا أن المصريين يسهلون الانخراط الروسي في ليبيا من خلال السماح لهم باستخدام هذه القواعد. من المفترض أن ثمة تدريبات تجري هناك في الوقت الحاضر.”

وتحاول مصر إقناع الروس باستئناف الرحلات الجوية إلى مصر بعد تعليقها منذ أن أسقطت قنبلة طائرة روسية تحمل 224 شخصا من منتجع شرم الشيخ على البحر الأحمر إلى سان بطرسبرغ في تشرين الأول/ أكتوبر العام 2015.

من ناحية أخرى تعزز روسيا علاقاتها مع مصر التي ربطتها علاقات مع الاتحاد السوفياتي في الفترة من عام 1956 وحتى عام 1972. وللمرة الأولى، أجرى البلدان في تشرين الأول/ اكتوبر الماضي، تدريبات عسكرية مشتركة الأمر الذي كانت تجريه الولايات المتحدة ومصر بانتظام حتى العام 2011.

وذكرت صحيفة “إزفستيا” الروسية في تشرين الأول/اكتوبر أن موسكو تجري محادثات لفتح أو تأجير قاعدة جوية في مصر. ومع ذلك نقلت صحيفة “الأهرام” المصرية عن متحدث باسم الرئاسة قوله إن مصر لن تسمح بوجود قواعد أجنبية على أراضيها.

وقالت المصادر المصرية إنه لا يوجد اتفاق رسمي على استخدام روسيا للقواعد المصرية. لكن ثمة مشاورات مكثفة بشأن الوضع في ليبيا، علماً بأنّ مصر  تخشى انتشار الفوضى من جارتها الغربية، واستضافت سلسلة من الاجتماعات الدبلوماسية بين قادة شرق وغرب البلاد في الأشهر الأخيرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق