سياسة واقتصاد

محمد بن سلمان … الصعود السريع إلى العرش

بين ليلة وضحاها، قفز الأمير الشاب محمد بن سلمان من ولي ولي العهد، إلى ولي مباشر للعهد بتأييد 31 من أصل 34 عضوا في هيئة البيعة، ليسلك بذلك الطريق السريع المؤدي إلى العرش، في مملكة تشهد تحوّلات مفصلية، سواء على المستوى الداخلي، أو في سياق علاقاتها الخارجية، لا سيما الإقليمية منها، في شرق أوسط مضطرب.

محمد بن سلمان، المولود في الحادي والثلاثن من آب/اغسطس العام  1985، والابن السادس للملك السعودي سلمان بن عبد العزيز آل سعود، بات على مسافة خطوة واحدة من تولي الحكم، سواء بوفاة الملك الحالي، أو من خلال توريث مباشر، عبر تنحي الأخير، بعدما بات متقدماً في العمر، ويواجه وضعاً صحياً متدهوراً.

لكن عملية التوريث السريعة في مملكة محافظة ومقاومة للتغيير مثل السعودية، فضلاً عن طموحات الأمير الشاب، تطرح الكثير من التساؤلا حول المستقبل، وربما تثير قلق الكثيرين، لا سيما في ظل التناقضات الحادة داخل المجتمع السعودي، من جهة، والتحولات الخطيرة التي يشهدها الشرق الأوسط عموماً، ومنطقة الخليج العربي، على وجه الخصوص.

وما يزيد المخاوف بشأن المستقبل، هو أن الصعود السريع للأمير محمد بن سلمان، قد جرى في سياق يمكن وصفه بـ”الانقلابي” للأسس التي قام عليها النظام السعودي، منذ وفاة الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، إن لجهة انتقال الحكم من المستوى الأفقي (أخوة الملك)، إلى المستوى العمودي (ابن الملك)، أو لجهة التموضعات الجديدة في جهاز الدولة، خصوصاً أن المسار الترفيعي للأمير الشاب، قد جاء على حساب أمراء آخرين، أولهم أبناء الملك الراحل عبد الله، وليس آخرهم ابن ولي العهد الراحل محمد بن نايف، الذي عزل من منصب ولي العهد، ووزارة الداخلية في آن واحد.

وفي فترة قياسية، بات محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة النفطية، جامعاً كافة المناصب الحساسة في النظام الملكي، فهو لم يعد ولياً للعهد ووزيراً للدفاع فحسب، بل نائباً لرئيس مجلس الوزراء، بالإضافة إلى مناصبه الأخرى كرئيس الديوان الملكي والمستشار الخاص للملك سلمان، ورئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، عدا عضويته في مجلس الشؤون السياسية والأمنية.

هكذا بات محمد بن سلمان يتمتع بسلطات لم ينلها أي أميرٍ سعودي من قبل، ما يجعله، في حال تولي الحكم، ملكا بصلاحيات قيصرية، ربما بات يتمتع بها، بحكم الأمر الواقع، في الوقت الحالي، بعدما اكتسب ما يكفي من القوى لخلافة أبيه.

وكان واضحاً منذ رحيل الملك عبد الله، أن هذا السيناريو المعد من قبل الملك سلمان لانتقال الحكم، فالملك الجديد، آخر السديريين السبعة، اتخذ منذ توليه الحكم، خلفاً لأخيه، جملة قرارات تصب في هذا الاتجاه، بدءاً بابعاد ابناء الملك الراحل عن مفاصل الحكم في المملكة النفطية، ثم استتبع ذلك بعزل ولي العهد، أخيه الملك مقرن، آتياً بالأمير نايف لتولي هذا المنصب، قبل أن يطيح به، فجر اليوم.

والأمير محمد هو النجل المدلل لوالده، فبعد تخرجه من الجامعة حاملا درجة بكالوريوس في القانون من جامعة الملك سعود، أسس بدعم أبيه عدداً من الشركات التجارية.

وابتداء من العام 2007، بدأ محمد بن سلمان يترقى في المناصب الرسمية فشغل منصب مستشار متفرغ في هيئة الخبراء في مجلس الوزراء (2007)، ثم المستشار الخاص لوالده أمير منطقة الرياض الأمير سلمان بن عبدالعزيز (2009)، وبعدها الامين العام لمركز الرياض للتنافسية والمستشار خاص لرئيس مجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز، كما بات عضواً في اللجنة التنفيذية العليا لتطوير محافظة الدرعية.

وفي الثالث من آذار/ مارس العام 2013، صدر أمر ملكي بتعيين محمد بن سلمان رئيساً لديوان ولي العهد (وكان والده سلمان يشغل هذا المنصب آنذاك) ومستشاراً خاصاً له بمرتبة وزير. وفي 13 تموز/يوليو 2013، عُيّن مشرفاً عاماً على مكتب وزير الدفاع الأمير سلمان بن عبدالعزيز، إضافة إلى عمله، وفي 25 نيسان/ابريل العام 2014، صدر أمر ملكي بتعيينه وزيراً للدولة عضواً في مجلس الوزراء، إضافة إلى عمله.

وبعد أقل من أسبوع من جلوس والده على العرش، صدر أمر ملكي في 23 كانون الثاني/يناير العام 2015، بتعيينه وزيراً للدفاع، ورئيساً للديوان الملكي ومستشاراً خاصاً لوالده الملك سلمان بن عبدالعزيز بمرتبة وزير. وبعد أسبوع، صدر أمر ملكي بالتشكيل الوزاري الجديد، فاستمر الأمير الشاب في منصبه وزيراً للدفاع، وصدر أمران ملكيان بإنشاء مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية وتكليفه برئاسته.

وفي 29 أبريل/نيسان 2015، أصدر الملك سلمان بن عبدالعزيز أمرا ملكيا باختياره ولياً لولي العهد، وتعيينه نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، وزيراً للدفاع، ورئيساً لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.

والأمير الشاب هو من أصغر وزراء الدفاع في العالم وقت تعيينه، كما يُعد ثاني أصغر وزير دفاع في تاريخ السعودية، وأول حفيد من أحفاد الملك عبد العزيز يتولى هذا المنصب الهام. وبعد شهرين فقط من توليه وزارة الدفاع، أشرف على إدارة عملية “عاصفة الحزم” التي انطلقت في 26 آذار/مارس 2015، بالتحالف مع 10 دول عربية وإسلامية ضد اليمن، وهي المرة الأولى التي تقود فيها السعودية حربا مفتوحة بتحالف خارجي.

ولكن، بعد مرور عام على توليه منصب وزير الدفاع، بدا أن طموحات الأمير الشاب، أبعد من ذلك، ففي 25 نيسان/ابريل العام 2016، تم الإعلان عمّا سمي “رؤية السعودية 2030″، وهي خطة اصلاحية، لما بعد اقتصاد النفط في المملكة السعودية، وقد ضعها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، برئاسة الأمير الشاب، وجرى عرضها على مجلس الوزراء، برئاسة والده الملك سلمان.

وعلاوة على ذلك، راح محمد بن سلمان يقتحم الكثير من المؤسسات المتعددة الصعد في المملكة، فتولى رئاسة مجلس إدارة مركز الملك سلمان للشباب، ثم عين في منصب نائب رئيس جمعية الملك سلمان للإسكان الخيري رئيس لجنتها التنفيذية، عضواً في مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في الرياض، وعضواً المجلس التنسيقي الأعلى للجمعيات الخيرية في الرياض. وشغل مناصب خيرية عدة في جمعيات مختلفة.

لعل ما سبق يبدو كافياً لاسقاط الطابع المفاجئ عن قرارات الفجر، التي صعّدت بن سلمان على حساب بن نايف، فما جرى يأتي في سياق مسار تراكمي، طوال العامين الماضيين، من خلال مجموعة خيارات وقرارات اتخذها الملك سلمان لتعزيز دور ابنه، على المستويين الداخلي والخارجي.

ولكن توقيت ترفيع محمد بن سلمان جاء، على ما يبدو، بضوء أخضر أميركي، فالقرار اتخذ بعد فترة قصيرة من الزيارة الصاخبة للرئيس دونالد ترامب للسعودية، وما رافقها من صفقات استثمارية وعسكرية ضخمة، ما جعل الأمير الشاب الحصان الرابح في السعودية، والشرق الأوسط بشكل عام، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بعدما كانت المكانة الكبرى في السابق هناك لمحمد بن نايف.

من جانب آخر، يأتي ترفيع محمد بن سلمان ليتحاوز اعتراضات داخل هيئة البيعة، وداخل الأسرة السعودية، على هذا الاختيار. أما وأن القرار اتخذ داخل الهيئة بغالبية ساحقة، فالأمر قد يرتبط بأثمان سياسية، أو ربما مالية، ربما تكون قد دفعت لتأمين تسوية كهذه.

ولعلّ أبرز اثمان التسوية المعلنة، تمثل في أمر ملكي لتعديل نظام الحكم، وبموجبه جرى تعديل الفقرة (ب) من المادة الخامسة من النظام الأساسي، للحكم لتكون بالنص الآتي: “يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز، وأبناء الأبناء، ويبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا يكون من بعد أبناء الملك المؤسس ملك وولي للعهد من فرع واحد من ذرية الملك المؤسس”. وبموجب التعديل تمت إضافة جملة تنص على أنه “لا يكون من بعد أبناء الملك المؤسس ملك وولي للعهد من فرع واحد من ذرية الملك المؤسس”.

ويعني هذا التعديل، أن ملك السعودية القادم في حال لم يكن من أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز، وكان من أحفاده، فإن ولي عهده يجب أن يكون من فرع آخر من ذرية الملك عبدالعزيز، فيما يعني أن الملك (لو كان من أحفاد الملك عبدالعزيز) لا يستطيع تعيين نجله ولياً للعهد. وبناء عليه، فإنه بموجب هذا التعديل فإن الأمير محمد بن سلمان حال توليه حكم المملكة مستقبلاً لن يستطيع أن يورث الحكم لأحد أنجاله، حيث لا بد أن يكون ولي العهد من فرع آخر (أحد أبناء عمومته على سبيل المثال).

ويبدو هذا التعديل مجرّد إجراء لحفظ ماء الوجه، ولطمأنة أبناء الجيل الثاني من الأسرة الحاكمة، بأن موقعهم محفوظ في الحكم، برغم انتقال الإرث الملكي هذه المرة مباشرة إلى فرع الملك سلمان. ولكن ذلك، قد يفتح الباب أمام مؤامرات على الملك الجديد من قبل أبناء العم، في المستقبل، ما قد يدفع باتجاه صدور أمر ملكي آخر بإلغاء هذا الحظر على توريث الحكم.

والجانب الثاني أن القرار الملكي بشأن محمد بن سلمان ومحمد بن نايف ترافق مع تمديد الاجازات واعادة تفعيل البدلات والمكافآت المالية للعسكريين والموظفين المدنيين، وبمفعول رجعي، لافتاً إلى أن ذلك يعد مؤشراً على حساسية الموقف.

وأياً تكن التسويات المحتملة، فإن صعود محمد بن سلمان نحو العرش، قد يكون معبداً بألغام كثيرة، لا سيما في ظل الصراع السائد بين التيار المتشدد (المدعوم من المؤسسة الدينية) وبين التيار الليبرالي (الذي يقوده محمد بن سلمان)، فضلاً عن المتغيرات الخطيرة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتصاعد الخلافات الخليجية، وهي أمور لا بد أن تترك أثرها على مسيرة التوريث، وتلقي ظلالاً قاتمة على مستقبل محمد بن سلمان في الحكم.

ومما لا شك فيه أن التيار المتشدد، الذي كان محمد بن نايف أحد ابرز رعاته، ينظر بعين القلق إلى الأمير الشاب وطموحاته المسمّاة “ليبرالية” في مجتمع سعودية يبالغ في محافظته، ولا يزال مصراً على التطبيق الصارم للمبادئ الوهابية التي تتبناها المؤسسة الدينية النافذة، والتي تتشارك الحكم مع الأسرة الحاكمة، في إطار عقد تفاهمي شكل الأساس الذي قامت عليه المملكة العربية السعودية.

وكان واضحاً خلال الفترة الماضية، أن ثمة مناوشات بدأت تشوب العلاقة بين المؤسسة الدينية ومحمد بن سلمان، بعدما اتخذ سلسلة خطوات “انفتاحية”، في سياق مساعي الأمير الشاب لتحويل المجتمع السعودي إلى مجتمع ترفيه، في سياق توجهه المسمّى “ليبرالي”.

ومع ذلك، فإن قلة تتوقع صداماً داخلياً مباشراً، بين التيار المحافظ داخل الأسرة والمؤسسة الدينية من جهة، وبين ولي العهد – والملك لاحقاً – خصوصاً أن السلطات التي باتت مجتمعة في أيدي الأمير الشاب، تجعل المعركة مع خصومه الداخليين غير متكافئة. لكن ذلك لا ينفي ان التيار المتشدد داخل الاسرة الحاكمة سينتظر أي شرخ داخلي او خارجي يمثل له فرصة للقيام بهجوم مضاد، يستعيد من خلاله بعض ما فقده.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق