سياسات

محمد بن سلمان… ملك بلا مكابح!

اقرأ في هذا المقال

  • من سوريا إلى اليمن، وصولاً إلى لبنان، تتزايد مؤشرات الصدام بين السعودية وإيران، في ظل اندفاعة سريعة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي يبدو على عجلة من أمره لتسلّم العرش. ضمن هذا المشهد المعقد لا يبدو أن ثمة طرفاً قادراً على كبح الأمير الشاب... أو الملك القادم.

تبدو المسافة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بعيدة بمنطق الجغرافيا، ولكنها قريبة بمنطق اقتراب الرجلين من معترك السياسة وحيازة السلطة.

طفا محمد بن سلمان على المشهد السياسي في المملكة العربية السعودية، من خلال اعتلاء والده الملك سلمان العرش، في كانون الثاني/يناير من العام 2015، فشغل آنذاك منصب رئيس الديوان الملكي السعودي، حتى شهر نيسان/ إبريل من العام ذاته، علاوة على توليه منصب وزير الدفاع.

وبزغ نجم الملك غير المنصّب، عبر عملية عسكرية في اليمن، أُطلقت عليها تسمية “عاصفة الحزم”، وبدأت بضربات جوية شنتها عشر دول حليفة للسعودية، وقد أوضح عادل الجبير، الذي كان، في ذلك الحين، سفيراً للرياض لدى واشنطن أن السعودية تشاورت مع الولايات المتحدة  في العملية العسكرية التي بدأت مع الحوثيين، وأنها تأتي استجابةً لمطلب الرئيس اليمني بردع العدوان الحوثي وانقاذ حكومته الشرعية.

كان ذلك اندفاعاً سعودياً، مثيراً للاهتمام، بعد فترة تراجع، أملته التطورات الإقليمية خلال السنوات السابقة، فزلزل “الربيع العربي” كان بلداناً عدّة في المنطقة العربية، وأزاح أنظمة استقرت منذ عقود. حدث ذلك بدايةً في تونس، ثم انتقلت العدوى الى عواصم عربية أخرى، من القاهرة ودمشق وصولاً إلى طرابلس وصنعاء، في وقت كانت بغداد لا تزال تعاني من تداعيات حربي الخليج الاولى والثانية، وتعيش تحت وطأة نزاع طائفي عنيف أخلّ بتوازنات الشرق الأوسط.

سقوط حكم حسني مبارك أشاع حالة من السيولة السياسية، مكّنت “الاخوان المسلمين” من اعتلاء الحكم، فعمدت الجماعة إلى فتح خطوط التواصل مع قطر وتركيا، وعملت تلك الجهات معاً، خلال “الولاية الأخيرة” لباراك أوباما، على فتح الحدود للمقاتلين المرتزقة في سوريا، التي أضحت ساحة حرب عنيفة لجنسيات عدّة، استوطنها “داعش” وتنظيمات مسلحة أخرى، وجماعة دينية متشددة.

كان الصراع في سوريا يعكس السيناريو الأميركي للمنطقة العربية في فترة وصول “الاخوان” إلى الحكم في مصر، وقد شاهد العالم بأسره كيف وقف الرئيس “الإخواني” محمد مرسي في استاد القاهرة، في ذكرى حرب اكتوبر العام 1973، ليحرّض على “الجهاد” في سوريا، ويردد عبارته الشهيرة “لبيك سوريا”، ويرفع علم المعارضة السورية.

شكّل فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة إيذاناً بنهاية سيناريوهات شرق أوسطية، واستدعاء خطط جديدة

في العديد من الدول، وبخاصة في سوريا، التي شهدت متغيرات دراماتيكية، تبدّت جلياً من خلال البيان المشترك الروسي – الأميركي الأخير على هامش اجتماع “آبيك” في فيتنام في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر  الحالي، وقد جاء فيه حرفياً أن “الرئيسين (الروسي فلاديمير) بوتين وترامب تعهدا بعد لقائهما… باستمرار عزمهما على إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش في سوريا”. كما اتفق الرئيسان على أن لا حل عسكرياً للصراع في سوريا، مشددين على أنّ التوصل إلى تسوية سياسية نهائية يجب أن تكون في إطار عملية جنيف، ووفقا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، مؤكدين التزامهما بسيادة واستقلال وعلمانية سوريا، وضرورة خفض التصعيد للحد من العنف،وتهيئة الظروف للتوصل إلى حل سياسي ونهائي للنزاع.

استطاع محمد بن سلمان أن ينفرد بالمشهد السياسي في الرياض، عبر ازاحة محمد بن نايف، من استحقاق خلافته الملك سلمان، وشرع في طرح وجهة نظره في أعمال الحكم عبر مشروعات اقتصادية وحريات اجتماعية، غير مسبوقة، كقرار تمكين المرأة من قيادة السيارة والشروع في عرض حفلات فنية بالرياض، ومهاجمة التنظيمات الدينية المتشددة ومواجهتها.

استطاعت طهران أن تبرم في عهد أوباما اتفاقاً حول برنامجها النووي، إلا أن ترامب وضع رؤيته ورؤية الأجهزة الأمريكية في الأمر ووصف الاتفاق مع إيران بأنه الأسوأ، على الإطلاق في تاريخ الولايات المتحدة،وصرح في أكثر من مناسبة،أن كل الخيارات مطروحة للتعامل مع طهران ، متهماً إياها بنشر الدمار في الشرق الاوسط وتهديد إسرائيل.

أدركت الرياض أن طموح ولي العهد، لن يتم إلا عبر واشنطن والاتفاق معها، ومن ثم، كان التحرك الأول لمحمد بن سلمان للحرب في اليمن، فرفعت شعار “الحرب على إيران”، في اليمن تصفية حركة الحوثيين المسلحة، وصرح بن سلمان أن الرياض لن تسمح للحوثيين أن يكونوا “حزب الله” جديد على الحدود الجنوبية للمملكة.

من جهة أخرى، فإنّ إسرائيل التي استطاعت أن تُخرج مصر من معادلة الصراع المسلح، عبر اتفاقية كامب ديفيد – الأمر الذي جعل من القضية الفلسطينية من دون حاضنة عربية ومجرد أمر هامشي، على جدول الأعمال العربية – تحتاج إلى أن تدخل الشرق الأوسط في صراع عقائدي ومذهبي أقوى، يضمن لها أن تقبع في بئر عميق لعقود طويلة، وفي داخله دوامات غير منتهية من الحرب والحرب المضادة، بينما تتفرغ إسرائيل للتنمية والاستقرار، عبر الصراع بين السعودية وإيران، في مناطق عديدة.  بينما يمنح ترامب الضوء الأخضر لذلك كل حين.

وسط تلك الأجواء الملبّدة بغيوم التوتّر، استفاقت الرياض على صاروخ باليستي سقط بالقرب من مطار الملك خالد، وأعلنت على الفور أن هوية الصاروخ إيرانية، واعتبرت ذلك بمثابة إعلان حرب من طهران علىالرياض، وأنها تحتفظ لنفسها بحق الرد بالشكل الذي تراه مناسباً.

في الواقع، فإنّ إيران تتمتع بنفوذ كبير داخل العديد من الدول المتاخمة للملكة العربية السعودية، كما هي الحال في اليمن والعراق وسوريا ولبنان.

علاوة على ذلك، فإنّ على الحدود السعودية مع كل من البحرين والكويت عدد كبير ممن ينتمون إلى المذهب الشيعي، الأمر الذي يثير قلق الحكام السعوديين كثيراً، لا سيما إذا ما نجم عن ذلك تشكيل تنظيمات مماثلة لـ”حزب الله” في صفوف الشيعة الخليجيين.

كل ما سبق يمكن ربطه بالأزمة السياسية الحالية في لبنان، والتي تعود حيثياتها المباشرة إلى ما يزيد على العشر سنوات.

في العام 2005، اغتيل رفيق الحريري، بعدما أسس “تيار المستقبل”، وجاء من بعده ابنه، سعد الحريري، ليتولى رئاسة الحكومة اللبنانية، قبل أن يبتعد عن المشهد السياسي نسبياً، ليعود بزخم أكبر بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية.

في الشريط الاخباري لقناة “العربية”، المحسوبة على الرياض، بُثّت استقالة الحريري من رئاسة الحكومة، حتى قبل أن يعلنها بنفسها عبر المحطة ذاتها. الملفت أن نص الاستقالة تضمن هجوماً غير مسبوق على إيران، على نحو مغاير جداً للنبرة الهادئة التي طالما ميّزت خطاب الحريري.

هنا نستطيع أن نلتقط ذلك الخيط الذي يرتبط بين الحرب في اليمن وبين محاولة إرباك المشهد السياسي في لبنان، ورضوخ الولايات المتحدة لتحركات روسيا نحو استقرار الامور في سوريا، وهي أمور تنذر بأن يصبح لبنان ساحة الانفجار البديلة في الشرق الأوسط.

مما لا شك فيه أنّ محمد بن سلمان يحرث الأرض لنفسه ويمهدها عبر كل الخيوط؛ داخلياً، أوقف عدداً كبيراً من الأمراء والمسؤولين ورجال الأعمال السعوديين للمرة الأولى في تاريخ المملكة، وذلك ضمن حملة لمكافحة الفساد كما أسماها.

وهذه الخطوة تأتي في إطار خطة للأمير الشاب لتبني برنامج طموح للاصلاح الاقتصادي، يستهدف جذب المزيد من الاستثمارات إلى السعودية، وفق الخطاب الرسمي، الذي يشدّد على أن ذلك لن يتم إلا عبر اقتلاع الفساد ومحاسبة المفسدين.

أيدت واشنطن تلك الخطوة، وقال ترامب عبر منصة التواصل الاجتماعي “تويتر” إنّ لديه ثقة كبيرة في الملك سلمان وولي العهد السعودي، وأنهما يعلمان جيداً ما يفعلانه.

ثمة موضع آخر يتحرك فيه محمد بن سلمان ويحظى بدعم وموافقة الولايات المتحدة، وهو الموقف من قطر، التي مضت  بمعزل عن رؤى السعودية، بعدما انتهى الدور المرسوم والممنوح لها من قبل الرياض وواشنطن في سوريا.

هكذا اكتمل السيناريو في الشرق الأوسط، وأمسى العداء مع اسرائيل والصراع معها، درباً من من دروب الخيال، وحل الصراع مع إيران بديلاً استراتيجياً، تدفع به الرياض عبر الساحة اللبنانية، التي يتهددها الفراغ السياسي، بحسب التصور السعودي، برغم التماسك الوطني الظاهر، والذي ترجم بمطالبة كل القوى السياسية بعودة الحريري، لكي يعلن استقالته عبر القنوات الشرعية والدستورية.

دونالد ترامب الذي ظهر عبر شاشات التلفزيون وهو يصافح فلاديمير بوتين، ليعلنان معاً حظة النهاية في مشهد التوتر السعودي ويدعم في الآن ذاته السعودية لفتح فصل جديد من التوتر ضد طهران، تحيطه مؤسسات وأجهزة لصنع القرار قامت باختباره عدة مرات. تلك المؤسسات الحاكمة في الولايات المتحدة ما زالت قادرة على ضبط إيقاع الاندفاعة السريعة التي ينتهجها الرئيس الأميركي، و إخراجها بصورة مؤسساتية، في بعض الأحيان. وعلى النقيض تماماً، ليس ثمة في ما يبدو من جهة قادرة على أن تكبح جماح الملك القادم محمد بن سلمان!

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق