*العرب والعالم

محمد بن سلمان ومتعب بن عبدالله… الخطأ القاتل!

في إطار متابعتها للتطورات الجارية في السعودية، نشرت صحيفة “ذا اميركان كونسرفاتيف” تقريراً تحليلاً لمايكل هورتن، وهو كبير محللي الشؤون العربية في مؤسسة “جيمستون” للدراسات، تناول فيها الثغرات التي تعتري التحركات الأخيرة التي قام بها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ولا سيما الخطوة الأكثر خطوراً، بنظره، والمرتبطة بعزل قائد الحرس الوطني متعب بن عبد الله.

طوال الأسبوع الماضي، وضعت الصحافة السعودية الخطوات “الجريئة” التي قام بها محمد بن سلمان بــ”الجريئة”، في سياق “محاربة الفساد”، ولكن إلقاء القبض على المئات من منافسيه المحتملين، بما في ذلك 11 من كبار الأمراء، والعديد من رجال الأعمال المؤثرين، لا يمكن وصفه سوى بأنه “انقلاب وقائي”.

ولكن، إذا كان ذلك هو الهدف الفعلي من تحرّكات محمد بن سلمان، إلا أن إطاحته بالأمير متعب بن عبد الله – رئيس الحرس الوطني – ربما يكون خطأ فادحاً.

خلال العامين الماضيين، بات محمد بن سلمان، ابن الملك البالغ من العمر 81 عاما، ووريث عرشه، يمتلك مزيداً من السلطات، على نحوٍ لم يكن متاحاً لأيّ من أفراد العائلة المالكة، بما في ذلك الملوك أنفسهم، فالأمير الشاب، الذي لم يكن ذا شأن قبل تولي أبيه المُلك، بات ولي العهد، ووزير الدفاع، ورئيس لجنة “مكافحة الفساد” التي أطلقت حديثاً… وبمرسوم ملكي، صار المسؤول عن المصدر الرئيسي للثروة في المملكة النفطية: شركة “آرامكو”.

تركيز السلطة السعودية في يد رجل كان أمير صغير ليس له سابقة في تاريخ بيت سعود، فقد اعتمد آل سعود، الذين حكموا المملكة العربية السعودية، بشكل أحادي، منذ تأسيسها في العام 1932، على التوافق العام، والتوزيع المتساوي للثروة – التي تعتبر ملكاً للعائلة المالكة وليست ملكاً للشعب السعودي – بهدف الحفاظ على علاقات سلمية نسبياً داخل العائلة نفسها. ولسنوات، بات الفساد المالي سمة أساسية لذلك التوافق الذي ضمن الاستقرار داخل المملكة النفطية، ولم يكن من مصلحة أحد التلاعب بتلك التسوية غير المكتوبة التي تحكم ديناميات أغنى عائلة ضحمة في العالم.

ولكن محمد بن سلمان قلب كل ذلك رأساً على عقب، فقد عزز الأمير الشاب نفوذه، وقام بتركيز السلطات بشكل مكثف، بين يديه، فيما أظهرت حركة “التطهير” التي شهدتها السعودية، في نهاية الأسبوع الماضي، عزماً لولي العهد على سحق كل منافسيه، قبل أن يتاح لهم الوقت للانقضاض عليه.

وفي الوقت الذي تم فيه اعتقال العشرات من كبار رجال الأعمال والأمراء، فقد أزيح من طريق محمد بن سلمان، أميران كان من الممكن أن يشكلا تهديداً على صعوده إلى العرش، وهما الأمير منصور بن مقرن، الذي توفي في حادث تحطم مروحية قرب اليمن، والأمير متعب بن عبد الله، الذي تم عزله كرئيس للحرس الوطني السعودي.

وفي الواقع، فإن كثراً من آل سعود كانوا ينظرون إلى منصور بن مقرن باعتباره ذلك الأمير الشاب، القادر على القيام بدور إصلاحي، بعدما بدأ، بالفعل، يظهر بعض المهارات في منصبه كنائب حاكم لمقاطعة عسير الجنوبية المضطربة بشكل متزايد، علاوة على أن ثمة غضباً ربما كان يعتري صدره، جراء عزل والده الأمير مقرن بن عبد العزيز، الذي عين في منصب ولي ولي العهد، في عهد الملك عبد الله، ثم صار ولياً للعهد، بعد وفاة الأخير، ووصول سلمان إلى الحكم، قبل أن يتم عزله في نيسان العام 2015، لصالح محمد بن نايف، الذي أطاحه محمد بن سلمان في وقت لاحق.

ولكن أكثر ما يثير القلق على الاستقرار في أوساط آل سعود، هو إزاحد الأمير متعب بن عبد الله من منصبه كرئيس للحرس الوطني.

ومعروف أن الأمير متعب هو ابن الملك الراحل عبد الله، وقد قاد الحرس الوطني من العام 2010، بتعيين مباشر من والده.

والحرس الوطني هو القوة القتالية الرئيسية في المملكة العربية السعودية، وهو ينافس القوات البرية الملكية السعودية المجهزة تجهيزاً جيداً ولكنها تعاني من سوء القيادة.

والجدير بالذكر، في هذا السياق، أن للمملكة السعودية جيشان، الأول هو الحرس الوطني المكرّس لحاية آل سعود، والثاني هو القوات البرية الملكية التي تعمل كقوة قتالية أكثر تقليدية.

وكان الحرس الوطني، فترة طويلة، القوة الضاربة في أيدي فرع شمّر من آل سعود، فقد قاده الملك الراحل عبد الله  لمدة خمسة عقود، وهو فريد من نوعه، لكونه يعتمد على جذور القبائل في المملكة العربية السعودية، وبذلك يشكل حلقة وصل حيوية بين العائلة المالكة والدعم القبلي الذي اعتمد عليه آل سعود، خلال صعودهم إلى السلطة، في عشرينيات القرن المنصرم.

وبالرغم من أن اعتماد سعود السعودية على الدعم القبلي قد أخذ يتضاءل، طوال العقود الماضية، إلا أنه لا ينبغي تجاهله تماماً.

انطلاقاً من ذلك، ربما يكون قرار محمد بن سلمان بإقالة متعب بن عبد الله خطأً جسيماً، لا سيما أن ولي العهد الشاب لا يحظى بشعبية كبيرة في صفوف قطاعات واسعة في القوات البرية الملكية السعودية، وذلك بسبب حربه الكارثية والمتهورة في اليمن، التي تسير من فشل إلى فشل، علاوة على ما فرضته من ضغوط هائلة على القوات المسلحة.

وبالرغم من انتشاره على الحدود السعودية – اليمنية، إلا أنّ الحرس الوطني نجح، إلى حد كبير، في تحييد نفسه عن الحرب اليمنية، بالنظر إلى  الجهود بذلها الأمير متعب بن عبد الله لعدم الوقوع في مستنقع الحرب التي يخوضها محمد بن سلمان، والتي يعتبرها الكثيرون داخل بيت سعود متهورة وخطيرة وغير أخلاقية.

وفي موازاة ذلك، فإنّ ثمة عدم رضى، في صفوف الحرس القديم، تجاه محمد بن سلمان، الذي يوصف بالامير المغرور، وهو ما يمكن أن يتجلى بسهولة في الأوساط القبلية، التي تشكل ركيزة الحرس الوطني، الذي يبدي ولاءاً كبيراً لفرع شمر من عائلة آل سعود.

الحرس الوطني هو قوة قوية داخل المملكة العربية السعودية، بل هو واحد من العديد من بؤر السخط المحتمل، فيما خيانة محمد بن سلمان للمعادلة التقليدية، القائمة على الاجماع داخل العائلة الحاكمة، لا شك أنها ستضعه في مواجهة مئات الأعداء، إن لم يكن الآلاف، من من الأمراء ورجال الأعمال الأثرياء والمؤثرين… ومن غير المرجح أن ينتظر هؤلاء دعوتهم إلى فندق “ريتز كارلتون”!

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق