سياسة واقتصاد

“مدونة السلوك الاعلامي”: دعوة لمواجهة الإرهاب أم تمهيد لـ”إعلام النشرات”؟

“وسائل الإعلام لم تكن تنقل كل التفاصيل المتعلقة بالشهداء الذين سقطوا فى حرب الاستنزاف، وبالرغم من أنهم كانوا يسقطون يومياً، إلا أن أحداً لم يكن يعلم بذلك… أما الآن، فإذا سقط شهيد، فإنّ مصر كلّها تعلم بذلك، وهذا الأمر يؤثر على الروح المعنوية للمصريين”… بهذه الكلمات كشف الرئيس عبدالفتاح السيسي عن ملامح رؤيته لشكل الإعلام المصري في تناوله لقضايا الإرهاب، وغيرها، خلال كلمته عقب حفل “إفطار الأسرة المصرية”، في منتصف تموز/يوليو العام 2015.

وقبل أيام، ناقشت الهيئة الوطنية للصحافة “مدوّنة سلوك” عن أخلاقيات النشر في قضايا الإرهاب والتطرف، وذلك خلال اجتماعها مع رؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير الصحف القومية، في مؤسسة “الأهرام”، في خطوة اعتبرها البعض مؤشراً على بدء تطبيق توجيهات السيسي لـ”ضبط الخطاب الإعلامي”، خاصة بعد تصريحه السابق بشأن ما وصفه بـ”الخلل في آلية تدفق المعلومات المقدمة للإعلاميين”، واعتباره أن “بعض الإعلام في الداخل – عن غير قصد – يمكن أن يتم استخدامه في الحرب ضد مصر”.

 

السيسي طالب بـ”التنبّه إلى معالجة القضايا المختصة بالإرهابيين”، لتخرج الهيئة الوطنية وقيادات الصحف القومية بمدونة السلوك الأخيرة مطالبة بـ”الالتزام بالمعايير الدولية في ما يتعلق بتغطية حوادث العنف والإرهاب، وفي صدارتها عدم الإسراف في نشر صور الضحايا حفاظاً على مشاعر ذويهم، وتفادياً لنتائج سلبية يستهدفها الإرهابيون بنشر الخوف والذعر، مع معالجة هذه الحوادث في حجمها الطبيعي، من دون تهويل أو تهوين، وتنمية الشعور بأن أمن المجتمع هو أمن المواطن”.

كما دعا المجتمعون إلى إنشاء مرصد وطني لمتابعة قضايا الإرهاب في وسائل الاعلام، ليتولى رصد وتحليل المعالجات الإعلامية لقضايا التطرف والعنف والإرهاب بجميع أشكاله وصوره، ويصدر تقارير استراتيجية دورية، تقدم معلومات موثقة لكشف الإرهاب، على أن يكون حلقة وصل دائمة لدحض الشائعات والدعاية الكاذبة أولاً بأول.

وشملت بنود المدونة “دعوة الصحفيين إلى حث المواطنين على المساهمة بما لديهم من معلومات تساعد أجهزة الأمن قبل وقوع العمليات الإرهابية أو أثنائها أو بعدها، مع ضرورة وجود علاقات وثيقة بين المواطن والأمن ووسائل الإعلام، لتكامل الجهود”، مع عدم الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي كمصادر للنشر.

وبالرغم من صدور المدونة لمعالجة قضايا العنف تحديدا، وعدم الاختلاف على أهمية إبراز تضحيات شهداء القوات المسلحة والشرطة ضحايا العمليات الإرهابية، إلا أن البعض رأى فيها شبهة تمهيد لرقابة مسبقة على الأداء الإعلامي، خاصة أن الهيئة الوطنية للصحافة تختص بالإشراف على الأمور الإدارية والمالية فحسب، فضلا عن تأثيرها على حرية تداول المعلومات بعد اعتماد المجلس القومي لمكافحة الإرهاب كمصدر أساسي لوسائل الإعلام، مع استضافة أعضائه للتعليق على هذه القضايا، لمواجهة ما أسماه المجتمعون “الظهور العشوائي لأشخاص قد يسيئون عرض هذه القضايا أو عدم تداولها بالشكل الصحيح”.

 

في أيلول/سبتمبر العام 2015، أكد السيسي لشبكة “سي أن أن” الإخبارية الأميركية، أن في مصر حرية تعبير غير مسبوقة في الإعلام، وأن الدولة المصرية لم تمنع أيّاً من وسائل الإعلام من نشر آرائها بحرية، إلا أنه في الوقت ذاته عزز شواهد توجيه الدولة للإعلام، بدعوته في كلمته أمام مؤتمر الشباب الرابع في الإسكندرية في نهاية تموز/يوليو الماضي إلى “صناعة فوبيا لدى الشعب من إسقاط الدولة المصرية”، ومطالبته بتخصيص أسبوع لـ”تثبيت أركان الدولة”، بالثناء على “برنامج الإصلاح الاقتصادي، والمشروعات القومية، ودور الجيش والشرطة في التنمية ومكافحة الإرهاب”، وهو ما أكده تهافت الصحف ووسائل الإعلام القومية، أو المملوكة لرجال أعمال مؤيدين للنظام، على إعداد تقارير إخبارية حول “الإنجازات التي تمت على أرض الواقع لرفع الروح المعنوية للمواطن”، و”إيضاح ما يتعرض له الوطن من مؤامرات خارجية وداخلية، والاستعانة بمثقفين وأساتذة جامعات وعلماء نفس واجتماع لشرح ذلك”.

 

وفي حزيران/يونيو الماضي، اجتمع السيسي بأعضاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مؤكدا التزام الدولة بـ”إعلاء حرية التعبير، وعدم الحجر على فكر أي شخص”، إلا أن حصر تلقي المعلومات الخاصة بهذه القضايا ونشرها، بمجلس مكافحة الإرهاب قد يكون وسيلة لإضعاف التنافس بين الوسائل الإعلامية، التي قد تمتنع عن نشر ما تمتلك من معلومات لعدم وصولها من “المصادر المذكورة”، حتى في حال التأكد من صحتها، ما قد يحولها إلى مجرد نشرات إخبارية نمطية لا تعبر إلا عن وجهة نظر واحدة.

لا يختلف اثنان على ضرورة مواجهة العمليات الإرهابية التي باتت تستهدف الكثيرين، إلا أن البعض ينظر إلى مدونة السلوك باعتبارها استكمالًا لإجراءات التحكم في الإعلام، بعد قانون الصحافة والإعلام الذي حذرت لجنة التشريعات في نقابة الصحفيين من أنه “يرسخ هيمنة السلطة التنفيذية على الصحافة والإعلام، بمنح رئيس الجمهورية الحق في تعيين ما يقرب من ربع أعضاء المجلس والهيئتين، فضلا عن ممثلي الحكومة والسلطة التنفيذية”، خصوصاً بعد التسريب الشهير للرئيس عبدالفتاح السيسي بأن “ثورة 25 يناير” فككت سيطرة الدولة على الإعلام، وبالنظر إلى أن مسؤولية إصدار مواثيق الشرف الصحافي والإعلامي تقع على النقابات الممثلة لها، وليس على الجهات الإشرافية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق