غير مصنف

مدينة الحاويات … جنة فقراء وساكني العشوائيات

سعياً لتوفير  مبانٍ تساهم في حل مشكلة المظهر الجمالي للمعمار في مصر، قرر شابان انجاز مشروع يعتمد في أساسه على خلق مظهر إبداعي من بقايا المعادن، فتتحول بقايا الحاويات إلى مطاعم، محال تجارية، ومنازل متنقلة، بأفضل التصاميم الأوربية.

ربما  تصبح تلك الفكرة حلاً صالحاً متميزاً لحل أزمة العشوائيات في مصر، أو مشروعاً جديداً يثبت أن الشباب المصري المبتكر  ما زال موجوداً، وأنه يمكن بأقل التكاليف حل أزمة السكن وارتفاع أسعار العقارات، والبطالة ، وتنفيذ ثقافة إعادة التدوير الصالح مرة أخرى، إذا توافرت الإمكانيات للمساعدة على ذلك.

يوسف فرج وكريم رفلة قررا تحقيق كل هذه الآمال، من خلال مشروع إعادة تدوير حاويات الشحن القديمة، بعدما درس أحدهم  فترة في بريطانيا، لتعديل الفكرة وطرح التصميمات على المختصين، وذلك لمعرفة إذا كان من الممكن استخدام الحاويات المُعدلة كأحد أنظمة البناء في مصر، وما إذا كانت الفكرة قادرة على فرض نفسها، وخلق حيز لوجودها في مصر أم لا.

في حديثه إلى “بوسطجي” أوضح كريم رفلة، أنه  بعد ذهابه إلى إحدى المدن اللندنية، والمعروفة بـ”منطقة الحاويات”، ومشاهدة كل معالمها، وجدها أشبه بقطعة من الجنة،  وأثار اعجابه وجود مدينة كاملة تم إنشاؤها من الحاويات، تشمل البيوت والمحلات والمطاعم، فبادر إلى ذهنه على الفور “لماذا لا توجد في مصر مدن كهذه؟”، بما يمكنها أن تخلق مظهر خلاب كالذي رآه،  ليعود إلى مصر، وهو محمّل بالفكرة، ومشحون بالحماسة لتنفيذها، ويقرر دراسة إيجابيات وسلبيات التجربة.
وفي غضون 6 أشهر من الدراسة، بمساعدة صديقه، قاما بتقطيع عدد ضخم من الحاويات القديمة، وقرروا تحولها إلى منزل الأحلام أو بالأحر”حاوية الأحلام”.

“منطقة الحاويات” في لندن
أشبه بقطعة من الجنة

النتيجة النهائية لجهود  الشابين هي “حاوية معدّلة للسكن والعيش لا تختلف عن المبنى السكني في شيء، ولن يشعر المواطنين بأي اختلاف، لأنها لا تخلو من الجدران والسقوف، وكشافات الإضاءة، ولا تختلف عن أي بيت عادي، بل عكس ذلك، فالتصيميم أكثر جمالية وأقل تكلفة من المنزل العادي بنسبة تصل إلى 30 أو 40 في المئة، وتتوافر فيه المرافق الأساسية كالمطابخ والحمامات وفق تعبيرهم”.
ومن بين 50 إلى 60 يوم فقط تستطع امتلاك منزلك، الذي يشمل موفرات الطاقة الشمسية، حيث تحتفظ “الحاوية” بحرارة الشمس طوال النهار، وتحوّلها إلى إضاءة حية طوال الليل، كما يمكن تحريكها إلى مكان آخر فى أي وقت، وبمنتهى السهولة،  بحيث تستطيع أن تسكن يوماً في الزمالك والآخر في المعادي.
كما أنك لن تحتاج إلى شقة صيفية، فالحاوية تُغني عن أي مبني، ولا تحتاج إلى أي أساسات في الأرض التى يتم البناء عليها.
وتحتوي هذه الحاويات أيضاً على العزل الحراري في الصيف والشتاء، وعلى كل أدوات الكهرباء والصرف الصحي، بحسب وصف الشابين.

بمجرد سماع التفاصيل الخاصة بالمشروع تبتهج وتطلق العنان لخيالك من إمكانية تحقيق الأمر، وهل فعلاً ستصبح العشوائيات جنة الفقراء بعد أن تتبدل منازلهم بالحاويات الأوروبية؟… ليقطع عليك الحلم، وينزل بك على أرض الواقع ، خبراء التخطيط العمراني.

الدكتور سامح العلايلي، العميد السابق في كلية التخطيط  الإقليمي والعمراني جامعة القاهرة، أوضح في حديث إلى “بوسطجي” أنه لكي يلجأ المسؤولين إلى استخدام الحاويات بديلاً عن المنازل، لابد من وجود سبب يدفع إلى ذلك، خاصة أنه بالفعل يتم استخدام الحاويات أو الشاحنات المعدلة والمجهز بالأغراض المعيشية في المعسكرات والرحلات الإستكشافية التابعة للعديد من شركات التنيقب عن الأبار في مصر،  لكي يستطيع العاملين في تلك الأماكن تحمل  درجة الحرارة القاسية، ولكن هذا استثناء، على حد قوله.

ويوضح العلايلي إن “تكلفة تعديل هذه الحاويات مكلفة للغاية، على عكس ما يشاع، فبناء منزل من حوائط وقواعد أساسية بإستخدام  أدوات البناء أقل تكلفة بمعدل الضعف، مقارنة بإعادة تدوير الخردة ، واستخدام مواد غاية في التكلفة لعزل الحرارة وامتصاصها والتقوية من بروده الشتاء، هذا بجانب عدم تكافؤ الشوارع والأرصفة لتحمل هذا النوع من البيوت المتنقلة” ، مشيراً إلى أنه كانت هناك قرية سياحية في الساحل الشمالي منذ 30 عاماً، وكان تصميمها كله عبارة عن”كونيتنر”، ولكنها في النهاية قرية سياحية ليست للمعيشة، وتكلفة بنائها المرتفعة كانت مناسبة للغرض منها، لأنها تعتمد في الاساس على السياحة.

خبراء التخطيط العمراني
يشككون في جدوى الفكرة

ويضيف العلايلي: “نحن في حاجة إلى سقف وجدران للحماية  ثابتة على الأرض قابلة للتجديد والزوائد، لكن الشاحنات المعدلة يمكن استخدامها فقط لغرض معين، خاصة أنها مكلفة والترويج لها كبديل لحل مشكلة العشوائيات ليسا عملياً، فالعشوائيات وتطويرها أزمة كبيرة، وهناك صعوبة حتى الآن في حلها لكونها تزداد بشكل مبالغ فيه… والحل يكمن في الأساس في معاجلة جذور الأزمة وليس باستخدام حاويات بدل المنازل”.

لكن الشابين يؤكدان أنه تم تسليم أول طلبية لهما في آب/أغسطس العام 2016 ، بعدما أمضى العاملون فيها شهورا في اختبار المواد والأساليب المختلفة لتطوير الحاويات وطرق عزلها، مع التأكيد أنهما لا يزالان في مرحلة دراسة المشروع ومعاينة ردود الأفعال حول الفكرة، وما إذا كان الناس قادرين على التأقلم مع فكرة العيش داخل حاوية أم لا،  مع عدم  فقدان الأمل في إقناع الناس بطريقة البناء الحديثة والمبتكرة.

كما أن الحاويات -من وجه نظرهم- ستكون حلاً سريعاً وموفراً للدولة لمشكلة العشوائيات، خاصة أن ثمة مليوني مصري يعيشون في أحياء عشوائية تم بناؤها بطريقة سيئة للغاية، وفي الأماكن الخاطئة.

هذا النوع من البناء يكمن في صعوبة إدخاله إلى الأماكن الضيقة- بحسب توضيح رفلة-  لكنه كمنتج لا توجد فيه أية سلبيات،  فالحاوية تكون مستعملة وبالتالي سعرها أقل بكثير. ومع إعادة تدويرها سيتم توفير ثلاثة أطنان من الحديد، وهو وزن الحاوية الواحدة.

وسرعة التجهيز من الإيجابيات الإضافية للحاوية ، فستة أسابيع هي المدة الزمنية اللازمة لإنتاج هذا النوع من الوحدات السكنية، وتكون بعدها مجهزة بشكل كامل ومعزولة حرارياً، كما أنه يمكن ضم أكثر من 20 حاوية على بعضها، لبناء “فيلا” كاملة متعددة الطوابق وحمام سباحة، وفقاً لرفلة، الذي يرى أن “الكثير من الناس يظنون أن الحاوية صندوق معدني، وأن المرء سيختنق إذا جلس في داخلها  في ظل الطقس الحار في مصر، لكن الحقيقة أن الحاويات مجهزة بعازل مصمم لحفظ الحرارة داخلها عند 25 درجة مئوية”.

الفكرة في مجملها إبداع شباب مصري قرر أن “يخرج برّه الصندوق”،  ويحاول تقديم حلول مبتكرة لمشكلة المظاهر الجمالية في مصر، والمرتبطة بالتصميم المعماري، وشكل المنازل وغيرها، ولكن تطبيق الفكرة على أرض الوقع تحيط به الكثير من المعوقات، فلا طرق مؤهلة للسيرة عليها، ولا مساحات الشوارع تسمع بوجود شاحنات معدّلة يمكنها التنقل والثبات أينما ذهبت، بجانب أن تكلفة الأمر تفوق الإمكانات.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق