دنيا

مدينة العمال في مصر القديمة .. دحض لمغالطات تاريخية حول غياب العدالة الاجتماعية

علينا نفخر بأنّ أول مؤسسة عمالية في العالم كانت في مصر القديمة وهي مؤسسة قامت على مبادىء العدالة الاجتماعية. تلك المبادئ التي نادى بها كارل ماركس حديثا وُضعت ومٌوِرست منذ آلاف السنين في مصر .

جاءتنا تفاصيل المؤسسة العمالية بعدما تم الكشف عن مقابر دير المدينة في العام 1906،  وهي مدينة سكنية أقيمت لسكن العمال والحرفيين في الدوله الحديثة.

وقبل الكشف عن مدينة العمال كانت تطارد الحضارة المصرية القديمة مغالطات أنها بُنيت على السخرة.  ولعلّ تناولنا لنتائج ما تم الكشف عنه فى مدينة العمال يكفي لدحض تلك الاكاذيب والرد عليها.

هذه المدينة بناها الملك تحتمس الأول في “القرنه”  في البر الغربي، لتكون قريبة من وادي الملوك، حيث يعمل الحفارين والنجاريين والنحاتين والفنانين، وهؤلاء كانوا يمثلوا طبقة العمال .

تصميم المدينة يُعبر عن اهتمام بمكان سكن وراحة العمال،  قريب من موقع العمل، وكان يسلم للعامل وأسرته،  ومع الوقت يُملك له ولأسرته. في المدينة خمسة شوارع منتظمة، يضم كل منها 12 منزلاً، وهي محاطة سور ضخم بعدة بوابات، ويدار كما تدار المراكز والقرى اليوم، من كبار رؤساء العمال،  والشرطة التي تقوم بحراسة المدينة والجبانة، ومحكمة محلية للفصل في مشاكل العمال اليومية.

وقد عُثر في إحدى الجرار على عقود بيع وزواج وأحكام تفصل في منازعات بين العمال. كما عُثر أيضاً على مكاتابات على قطع فخار وحجر جيري، توضح لنا كيف كانت تدار مؤسسة العمال، حيث كانت تحت إشراف الوزير مباشرة، وأحيانا يتدخل الفرعون بنفسه اذا لزم الامر .

تنظيم الإدارة

يُقسم الوزير العمل إلى فريقين،  الميمنة والميسرة، ولكل فريق رئيس عمال لضمان التنافسية.  وذكرت المصادر التاريخية انه كان هناك صراع دائم بين رؤساء العمال المتنافسين، وصل في بعض الأحيان  الى حد التهديد بالقتل. ولكن كانت للعمال حقوق وواجبات لا يمكن المساس بها، فقد عٌثر على لوح حجري لرئيس أحد الفريقين في المتحف البريطاني، وكان عبارة عن  لوحة خاصة بتسجيل حضور وغياب العمال، مع ذكر أسباب الغياب، واتضح  من النقش أن الشهر كان مقسماً لثلاث، وكل ثلث عشرة أيام،  وكان العمال يعملون ثمانية  أيام، ويستريحون يومين، أي أن العامل كانت له ستة أيام إجازة مدفوعة الأجر شهرياً. كما ذُكرت بجانب أيام الغياب، الأسباب التي أدت إليها، ومنها أسباب يتم قبولها فلا يتم الخصم، كأن يمرض العامل، أو يلدغه عقرب، وكانت هناك أسباب أكثر إنسانية منها على سبيل المثال أن يقول العامل ان زوجته متعبة بسبب الدورة الشهرية، ولم يستطع ترك المنزل.

دير المدينة

مرتبات العمال في مصر القديمة  كانت تضمن لهم حياة مستقرة يستطيعوا التوفير منها، وربما إقامة الحفلات والسمر معاً في ليالي الاجازات. ولكن كان هناك تفاوت فى المرتبات طبقا لكفاءة العامل واجتهاده، فهناك مرتب أساسي ومتغير كمكافآت: خمس أجولة قمح وشعير وثلاث جرار من الجعة والسمك كوجبة أساسية. وهناك المكافآت التشجيعية مثل أحزمة الخضراوات واللحوم والزيوت وملح النطرون… وما يفيض كان يُستبدل بالملابس وأدوات الزينة.

وكانت الدولة تتكفل بنقل كل هذا للعمال عن طريق شريحة أقل من العمال تسلمها لهم في المنازل. كما كانت تُرسِل للمدينة (مدينة العمال) البستانيين والطحانين وصانعي البيرة لتوفير العناء على الحرفيين.

أما منظومة العمل فكانت تسير بشكل مُرض، طالما أن هناك عدالة اجتماعية.

وتسجل لنا مدينة العمال أنه عندما تدهورت الاحوال في البلاد، وتأخرت الأجور نتيجة الحروب التي كان يخوضها الملك رمسيس الثالث في الأسرة العشرين ، تَجمهر العمال عند المعبد وتظاهروا، وأضربوا عن العمل بشكل راق، حيث كانوا  يحملون الشموع ويسيرون حول المعبد في صمت لمحاولة ايصال مطالبهم للوزير والفرعون، مرددين هتافات  “نحن جوعى.. نحن جوعى” . وقد حاول رئيس الشرطة التفاوض معهم وإثناءهم عن الاضراب لكنهم رفضوا، وقالوا ” يجب أن نقابل الفرعون فنحكىي له عن أحوالنا والفساد الذي يتم من وراءه”، وقد استمروا صامدين حتى استجابت الدولة لمطالبهم .. وحين نستقرئ ما خرج من” دير المدينة” نتعجب بأن مصر كان فيها مؤسسة عمالية حقيقية قائمة على مبادىء العدالة الإجتماعية، خرجت من تراكم حضاري،  وليست فكرة دُرِسَت فحاولوا تطبيقها .

وهيبة صالح

كبيرة مفتشي منطقة آثار دهشور

وهيبة صالح

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA /* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:"Table Normal";
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-parent:"";
mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt;
mso-para-margin-top:0in;
mso-para-margin-right:0in;
mso-para-margin-bottom:8.0pt;
mso-para-margin-left:0in;
line-height:107%;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:11.0pt;
font-family:"Calibri",sans-serif;
mso-ascii-font-family:Calibri;
mso-ascii-theme-font:minor-latin;
mso-hansi-font-family:Calibri;
mso-hansi-theme-font:minor-latin;}

كبيرة مفتشي منطقة أثار دهشور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق