غير مصنف

مذكرات جندي مصري على جبهة قناة السويس .. شهادة على مأساة شعب

هذه ليست مذكرات أحد القادة التاريخيين أو رؤساء دول، فهي لا تشبه بحال مجموعة السير الذاتية التي كتبها الرئيس الراحل انور السادات عن نفسه، أو مذكرات سعد الدين الشاذلي والمشير أحمد إسماعيل، لكنها مجرد مذكرات جندي مصري عادي  على خط النار في قلب المعركة وصفوفها الأمامية، على جبهة قناة السويس، ولهذا فهي تحمل خصوصية فريدة من نوعها.

كتب هذه المذكرات الدكتور أحمد حجي شقيق الفنان التشكيلي الكبير محمد حجي وعمّ العالم المصري المتميز عصام حجي.
أحمد حجي، طبيب شاب، مثقف ووطني، اختار بإراداته أن يكون في الصفوف الأمامية على خط الجبهة ، كجندي مسعف طبي للحالات التي تتعرض لمخاطر صحية.

ولقد منع “الحكم العسكري” في مصر- بحسب الفنان محمد حجي وما صرح به في برنامج عصير الكتاب- هذه المذكرات من الظهور إلى النور منذ العام 1972، بحسب ما ورد في المذكرات، فجاء ظهورها في سياق “الربيع العربي”، فلم تخرج إلى إلا مع الزخم الثوري الذي أعقب “ثورة يناير 2011″، وتحديداً في العام 2012، منشورة عن مختارات “دار الكرمة”، والتي لولا الثورة ما كانت لتظهر أبداً، لأنها تعري وتكشف فشل وخيبات الحكم العسكري الذي حلّ على مصر منذ عام 1952.

ولأنها مذكرات جندي وليس قائداً عسكرياً له أغراض سياسية، فإنها تتميز بخصوصية شديدة تجعلها من أنبل المذكرات التي كُتبت عن معركة وحرب خاضها المصريون ببسالة شديدة، كما تعبر عن مأساة شعب وقع تحت وطأت قيادات سياسية تعمل ضد مصالحة وتكرس لحكم فئات ضيقة نفعية تمتاز بالغباء والعنجهية وضيق الأفق، ليدفع في النهاية الشعب الثمن بهدف تصحيح أخطاء من حكموه .

تنفرد هذه المذكرات عن غيرها، كونها جاءت لنا من العالم الأخر، تُفصح عن واقعنا فقد تركها لنا إنسان “بطل” من جنود المحروسة ، كتب عن أبطال مجهولين عانوا التهميش والعزلة وإهدار دورهم الممتد في الحفاظ عن حدود وتراب الوطن، ومازال حصادهم الوحيد معاناة وقسوة واستشهاداً في صمت، من دون ذكر أسمائهم أو تخليد لبطولاتهم، فجاء دور  احمد حجي ليخلد تلك البطولات ويعيد التذكير بأصحابها، ثم جاء دوره هو أيضاً ليتحول إلى بطل شهيد يترك وراءه هذه المذكرات الشجية العذبة لتخلد ذكراه وذكرى زملائه، وتكون شهادة على عصر مستبد وجيل بائس، ضاع عمره ومستقبله ليصحح أخطاء غيره.

كتب الشهيد أحمد حجي هذه المذكرات غير المنتظمة، منذ تجنيده في الفترة الممتدة من 1968 وحتى عام 1970 ، واستشهد الدكتور أحمد حجي عام 1972 قبل “حرب أكتوبر “.
يسجل صاحب المذكرات يوميات متقطعة، يأخذنا فيها إلى خندقه و دشمته، ويحكي عن مشاعر الجنود التي يمتزج فيها الخوف بالتحدي واليأس بالرغبة العارمة في القتال، فيجعلنا نختبئ مع الجنود في الخنادق ونحن نشاهد طائرات العدو الإسرائيلي، وهي تدك حصونهم الضعيفة بعد كل عملية اختراق لخط بارليف من قبل قوات الصاعقة المصرية، وتشاهد مثابرة الجنود في الرد بأسلحة دفاع جوي بدائية واقل كفاءة من أسلحة العدو ، فتدمر طائرات العدو مدافع الدفاع الجوي في ثوان، وترى تضحيات الجنود بأرواحهم للثبات على مدافعهم، وطائرات العدو تدمرها.
لحظات مؤثرة و محزنة يحكيها أحمد حجي، وهو يتحدث عن جنود كانوا يتسامرون و يضحكون و يتقاسمون طعامهم وسجائرهم، و بعد لحظات قليلة يواري بعضهم جثث البعض في تراب سيناء. يموتون ويذهبون وكأنهم لم يكونوا موجودين. تحكي المذكرات مواقف ومفارقات إنسانية عديدة تجعلك تتآكل حزناً وقهراً على حال جنودنا المساكين. تحكي مثلاً عن قصة جندي مصري يهرب بفنطاس المياه من قناصة العدو ولا يجد من يغطي هروبه، ويصل إلى معسكره فاقد الوعي تقريباً من الرعب الذي أحاط به. وعندما يفيق، يشعر بألم في قدمه ليجد في نعل بيادته طلقة رصاص حجزها نعل البيادة عن أصابته في قدمه… أو قصة جندي تزوج حديثاً لكنه يرجع بعد كل إجازة حزيناً مطأطئ الرأس بسبب عجز جنسي طارئ، بسبب حالته النفسية السيئة على الجبهة، والشعور بالعجز عن القتال ومجاراة العدو الإسرائيلي ، الذي يقصف حصونهم يومياً، و لم يتخلص من عجزه الجنسي ، إلا بعد أن رأى الطائرات المصرية تحقق نصراً في معركة جوية ضد الطائرات الإسرائيلية.
ومن من أكثر المواقف الإنسانية المؤثرة في المذكرات، عندما يجد أحمد حجي في احد المرات في طريق عودته بالقطار إلى بلده في إحدى الإجازات، جثة جندي مصري تسيل دماءه فوق سطح القطار، بسبب اصطدام الجندي بكوبري يمر من تحته القطار ليهشم رأسه. وكان سبب ركوبه فوق سطح القطار عدم امتلاكه لتذكرة القطار. ويزيد المشهد مأساويه ووجعاً عندما يُعثر مع الجندي المتوفي برقية مكتوب فيها “أحضر حالاً لقد توفي والدك”، وكأنه مشهد عبثي في أحد الأفلام السوداوية .

بعد الإنتهاء من قراءة المذكرات المبتسرة للشهيد أحمد حجي ، التي لا تتجاوز المئة وستين صفحة، تكتشف أن الأزمة في حقيقتها هي وقوع البلاد تحت وطأة الفقر والعجز ساهمت فيها غياب مضمون ديمقراطي للحكم الناصري، واعتماده القمع، وعدم الانفتاح السياسي وغلق المجال العام،  الذي لم يحقق سوى تقوية فرص قوى الثورة المضادة في تحقيق أهدافها الذي نحصد واقعها المُرّ حتى اليوم .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق