سياسات

مستقبل الحكم في السعودية: تغيّرات بنيوية … وصدام مؤجل!

السعودية أمام تغيّرات بنيوية غير مسبوقة منذ وفاة الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود تشكل تهديداً وجودياً على الكيان. هكذا يقرأ الباحث السعودي الدكتور فؤاد ابراهيم، التطوّرات المتسارعة التي شهدتها المملكة السعودية في الفترة الأخيرة، والتي تجاوزت التحوّل الدراماتيكي في العلاقات داخل العائلة المالكة، التي بدأت منذ صعود الملك سلمان إلى العرش وانطلاق قطار التوريث لصالح ابنه الأمير  محمد بن سلمان، لتخطو باتجاه تغييرات بنيوية على مستوى العقد الاجتماعي بين المكوّنات الاجتماعية السعودية، وتحديداً بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية من جهة، وتحوّلات اقتصادية يمكن تلخيصها بمشروع “رؤية السعودية 30″، وما يقابل من نقد من جانب خبراء الاقتصاد.

تشريح الدكتور فؤاد ابراهيم لمستقبل الحكم في السعودية، جاء في مداخلة ألقاها خلال حلقة النقاش التي استضافها مركز “باحث” للدراسات في بيروت، وانطلق فيها من حقيقة إنّ “مستقبل الحكم في السعودية هو سؤال مركزي في هذه المرحلة بالذات، خصوصاً أن وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز، في 23 كانون الثاني/يناير العام 2015، أسدل الستار على فصل طويل من تاريخ المملكة العربية السعودية، بدأ منذ التاسع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر العام 1953، تاريخ وفاة الملك المؤسس الملك عبد العزيز”.

وأوضح ابراهيم أنه “مع تولي الملك سلمان شؤون الحكم في 23 كانون الثاني/يناير العام 2015، أصبحنا أمام عهد جديد، اختفت معه غالبية أعضاء الجيل الأول من أبناء الملك المؤسس، وأصبح الملك الحالي من دون منافس في معادلة السلطة”.

وأضاف “نحن متغيرات بنيوية، أهمها على مستوى معادلة السلطة داخل العائلة المالكة، فمنذ العام 1953، كانت المعادلة قائمة على أساس ثنائية الشراكة (سعود – فيصل ، فيصل – خالد، خالد – فهد، فهد – عبدالله،  عبد الله – نايف…) ولكن هذه المعادلة تغيرت اليوم، واصبحت هناك أحادية تتمثل في الملك سلمان”.

وبحسب ابراهيم، فإنّ “الملك سلمان حاول انتاج هذه الثنائية مع الأمير مقرن، الذي عيّنه الملك عبد الله في منصب مستحدث، هو ولي ولي العهد، أملاً في توريث الحكم لابنه متعب بن عبد الله، ولكن الملك سلمان استفاد من هذا الموقع في وقت لاحق، حيث أعفى الأمير مقرن، وعيّن ابنه الأمير محمد سلمان، ووضعه بالتالي على مسار العرش”.

وأشار ابراهيم إلى أن “مع إعفاء الأمير مقرن، أصبح الجيل الثاني هو من يتولى شؤون الحكم في السعودية، واصبحنا أمام نظام المجلسين:  مجلس الشؤون السياسية والامنية برئاسة الأمير محمد بن نايف، ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية برئاسة الأمير محمد بن سلمان”.

ولفت إلى أنه “مع اعفاء محمد بن نايف من ولاية العهد، أصبح هناك احتكار كامل للسلطة من قبل محمد بن سلمان، الذي يتولى حالياً أمر المجلسين (السياسي- الامني، والاقتصادي)، واصبحت السلطة بذلك مشغولة بصورة كاملة من أبناء الملك سلمان، وهو تطوّر خطير وغير مسبوق في تاريخ العائلة المالكة، كما لو أننا أمام إعادة انتاج تجربة الملك المؤسس”.

وتحدث ابراهيم عن متغيّر بنوي آخر، يتمثل في “التحالف الجديد الذي بدأ يتشكل حالياً” داخل المجتمع السعودي، موضحاً أن “الحكم السعودي ظل مرتكزاً على أساس التحالف التاريخي بين آل سعود وآل الشيخ، والذي بدأ في العام 1744 بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب، ثم الحقت به القوى الاجتماعية التقليدية، أي زعماء القبائل (خصوصاً في نجد) ووجهاء المجتمع (في المجتعمات الحضرية كالمنطقة الشرقية، المنطقة الغربية، الحجاز…)”.

كان النظام السعودي يرهن وجوده واستمراره من خلال هذه الشبكة من التحالفات مع القوى التقليدية، ولكننا اليوم أصبحنا أمام شبكة من التحالفات الجديد، ورهان جديد لدى محمد بن سلمان، وهو الاعتماد الشباب لكونهم يمثلون ثلثي المجتمع في المملكة السعودية، وبالتالي التخلي تدريجياً  عن التحالفات التقليدية لا سيما المؤسسة الدينية التي تتعرض لعملية تهميش على مستوى دورها الاجتماعي والسياسي، أو حتى على مستوى علاقتها مع العائلة المالكة وتقاسم السلطة”.

ورأى ابراهيم أن “تركيز الأمير محمد بن سلمان على الشباب لا يبطن بالضرورة توجّهاً خاصاً بالتعاطي مع الشباب واحتياجات وتطلعاته”.

وتساءل ابراهيم حول “مدى انسجام هذه المتغيرات مع التقاليد والموروثات الاجتماعية، أو احتمال تأسيسيه لصدام مؤجل” بين النظام السياسي والمنظومة الاجتماعية التقليدية، ليخلص إلى القول إن “الرهان على الشباب، يؤسس في الواقع، يؤسس إلى صدام مستقبلي”.

وعلى نحو لا يقل أهمية عمّا سبق، تحدّث ابراهيم عن “تحوّل بنيوي آخر على المستوى الاقتصادي”، والمقصود بذلك “رؤية السعودية 30″، التي تهدف إلى نقل الاقتصاد من الاعتماد الكامل على النفط كمصدر وحيد للدخل، إلى الاستثمار ، عبر تشكيل صندوق استثماري، واستغلال كل الموارد الطبيعية والإمكانات البشرية البشرية التي يمكن توظيفها في عملية التحول الوطني، وتغيير النظام الاقتصادي بصورة كاملة.

وبرأي ابراهيم فإنّ “رؤية السعودية 30” ما زالت موضع اختبار، لا بل أن ثمة تحديات تواجهها، وهناك قراءات نقدية عدّة قدّمت بشأنها، من قبل خبراء اقتصاديين محليين، مشيراً في هذا الخصوص إلى القراءة التي قدّمها وكيل وزارة المالية السابق عبد العزيز الدخيل،  والتي أثارت استياء القصر الملكي، وهذا باعتقاده دليل على أن محمد بن سلمان لم يعد يطيق سماع الرأي الآخر.

وكان الدخيل اعتبر، في معرض تقييمه للمشروع الاقتصادي، أن ثمة اعادة انتاج لتجربة الخطط الخمسية التي اعتمدت بين العامين 1970 و2015، وهي تجارب قامت على أساس الانفاق على المشاريع وتنمية المال، على حساب تنمية الموارد البشرية والتنمية المستدامة.

وأشار ابراهيم أيضاً إلى قراءة أولّية قدّمتها “مجموعة ماكنزي”، وركّزت فيها على معدلات البطالة، التي رجحت ارتفاعها من 12.5 في المئة حالياً، إلى  22 في المئة في العام 2020، ما يعني أن السعودية تسير في الطريق الخطأ.

وإلى جانب التحوّلات البنيوية على مستوى تقسام السلطة، أو التحالفات الجديدة، والتي تبدو أشبه بعملية انقلابية داخل المجتمع، أشار ابراهيم إلى “الفجوة الجيلية” التي قد تؤدي إلى ” تصدّع في البنيان الاجتماعي والبنيان السياسي في نهاية المطاف”

واعتبر ابراهيم أن “القيادة في السعودية محكومة بعنصرين، الأول هو عامل السن، والثاني الانجازات”.

وأشار إلى أن الانجاز الأكبر كان في عهد الملك المؤسس، وهو تأسيس المملكة بحد ذاتها،وأما  غياب هذين العنصرين، في ظل وجود محمد بن سلمان، يجعل الأخير في حاجة إلى عنصر آخر يعوّض بهما ما ينقصه، ومن هنا أتت الحرب على اليمن، التي أريد استخدامها كمكافأة لصالح توريث محمد بن سلمان، وكذلك الأزمة القطرية، وهي واحدة من التجارب الفاشلة التي ربما دفعت الملك إلى مرحلة اليأس.

وأضاف ابراهيم إلى ما سبق تحدّي خطير، يتمثل في “سقوط الهيبة المعنوية للعائلة الحاكمة”، والتي كانت قائمة بشكل صارم، منذ تأسيس المملكة السعودية حتى الأمس القريب، حيث صار الحديث يدور عن “حكم الصبية” أو “مملكة الصبية”، وهي مقولات عززها اقتحام عدد ممّن يوصفون بـ”الصبية”، مثل ثامر السبهان وسعود القحطاني وعادل الجبير المشهد السياسي من أبوابه الواسعة.

وبحسب ابراهيم فإنّ حكام السعودية، فإنّ ما سبق يفسر سبب السياسات العدوانية المنتهجة اليوم، في العديد من الملفات الاقليمية، كما هي الحال بالنسبة إلى الأزمة الخليجية، لافتاً إلى أن الحديث اليوم في السعودية عن “فارق القوة” يخفي في الواقع شعوراً بـ”فارق القلق”.

ويرى ابراهيم أن هذا القلق ينعكس على الداخل، من  خلال تحوّل السعودية إلى دولة بوليسية، تبدّت مؤخراً بشكل واضح من خلال حملة الاعتقالات التي تطال كل من يختلف مع محمد بن سلمان، وكل من يشتبه في تقاربه مع محمّد بن نايف.

ويعتقد ابراهيم أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في المملكة السعودية مرشح لمزيد من التدهور، خصوصاً مع ارتفاع حجم الدين العام إلى 93 مليار دولار (بينها 60 في المئة دين داخلي، و40 في المئة دين خارجي)، لافتاً إلى تقارير من مؤسسات مالية دولية تحذر من وصول المملكة النفطية إلى مرحلة الافلاس في العام 2018.

ويشير ابراهيم إلى أنه برغم الحديث عن اصلاحات اقتصادية، إلا أن طرق معالجة الأزمة لا تشي بذلك، فمواجهة عجز الموازنة يتم حالياً من خلال الاستمرار في الاقتراض، وفرض الضرائب، وانتهاج سياسات تقشفية صارمة، تطال قطاعات حيوية، مثل قطاع البناء، الذي يحتل المرتبة الثانية بعد قطاع النفط.

وختم ابراهيم قائلاً : “نحن أمام عهد جديد يحمل معه أخطاء وتحديات تختلف عن العهود السابقة، حيث تزداد المخاوف إزاء خطر وجودي يتهدد هذا الكيان، وقد يؤدي إلى تلاشيه واختفائه”، معتبراً أن “كل التدابير التي تتخذ على المستوى الامني تعكس منسوب قلق مرتفع على الكيان السعودي، فضلاً عن السلطة التي باتت مهددة أكثر من أي وقت مضى”

الانفتاح على روسيا: خيار قهري!

يقارب الدكتور فؤاد ابراهيم التحالفات الخارجية للسعودية من منطلق الأزمة التي تعيشها.

ويعتقد أن “الانفتاح على روسيا، وهو واحد من الخيارات القهرية التي تُدفع السعودية للجوء إلهيا، لكونها تشترك مع روسيا في المصالح والمخاطر المشتركة على المستوى الاقتصادي”.

ويوضح ابراهيم أن “السعودية تريد ان تبحث عن حل لمشكلة هي خلقتها بأيديها، حيث لجأت إلى سلاح خفض أسعار النفط العالمية في العام 2014، لضرب الاقتصادين الايراني والروسي، فوجدت نفسها الخاسر الاكبر”.

ويشير ابراهيم إلى أن “السعودية تحاول حالياً أن تنقذ ما يمكن انقاذه، وهي تتقاطع اليوم مع روسيا التي تريد سعر نفط مرتفع”.

ويذكّر ابراهيم بأن اللقاء الذي جمع الملك عبد الله بالرئيس فلاديمير بوتين في سوريا في العام 2003، تمخّضت عنه تفاهمات، أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط خلال السنوات اللاحقة، متوقعاً تغيّرات مماثلة بعد لقاء الملك سلمان والرئيس الروسي، مؤخراً، خصوصاً أن روسيا والسعودية تعدّان أكبر قوتين نفطيتين في العالم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق