دنيا

“معركة الترفيه” في السعودية : شباب سئموا “شرب الشاي في الصحراء”

المكان: حديقة تابعة لمجمع سكني فاخر في إحدى ضواحي العاصمة السعودية – الرياض.
الزمان: إحدى ليالي شهر نيسان.
تحول مجمع سكني فاخر في ضواحي مدينة الرياض إلى بلدة يونانية: تزينت الأكشاك بالطلاء الأبيض والأزرق، وتعالت بعض ألحان موسيقى الـ”سيرتاكي”، فيما كانت بعض الحمير ترعى العشب المصفر. أما المدرّجات فامتلأت برجال أعمال  شباب، أخذوا يروّجون لمنتجاتهم: ميني برغر، مجوهرات، اكسسوارات الهواتف الذكية… وعلى المنصة، التي أقيمت وسط المجمع، تناوب عدد من الموسيقيين والبهلوانيين ورواة القصص على تقديم عروضهم، التي تم بثها عبر شاشات عملاقة

في أي بلد غير السعودية، فإن هذه الأجواء، التي تختلط فيها السلع الفاخرة بأجواء الموسيقى، لا تبدو أكثر من حديث عادي.

ولكن في السعودية، لا يمكن المرور على حدث كهذا مرور الكرام، فالمملكة محكومة بغلاة رجال الدين الوهابيين، الذين يحرّمون السينما، ويمنعون المرأة من قيادة السيارة، ويضعون الموسيقى على رأس قائمة المحرّمات.

“هذا المجمع السكني يعد من بين الأماكن القليلة التي يمكن أن نستمع فيها إلى نغمات الموسيقى بشكل مباشر”، يقول أحمد، المهندس البالغ من العمر 23 عاماً.

هذا العرض فُتح للعامة، حيث سُمح للإناث والذكور، الذين قدموا من أرقى أحياء الرياض، بالاختلاط والاحتفال جنباً إلى جنب من دون حواجز، وذلك في كسر للعرف الأخلاقي الذي يفرض فصلاً صارماً بين الجنسين”.

قررت بعض النساء الحاضرات إزاحة الحجاب، للكشف عن بعض من شعرهنّ، في حين فضلت أخريات نزعه بالكامل. وفي الحالتين، يعد هذا التصرف انتهاكاً صارخاً للعرف السعودي التقليدي. غالبيتهنّ كن يضعن مواد تجميل، وقد استبدلن “العبايات” اليومية، بأزياء سوداء اللون، أو بمعاطف مزينة بالأوان أو النقوش المختلفة.

في بعض أرجاء الحديقة، اشتركت فتيات انيقات مع أقرانهنّ من الرجال في رقضات غربية، واسترقن لحظات من الحوارات القصيرة بعيداً عن إشراف الوالدين أو الإخوة الكبار

معظم الشبان الذين حضروا هذا العرض، قدموا في الحقيقة من أجل التعارف، ففي معظم الأحيان، يتبادل الشبان والفتيات أطراف الحديث لدقائق، قبل أن يتبادلوا أرقام هوافتهم النقالة أو حساباتهم على تطبيق سناب تشات فحسب”، يقول كريم، الطالب في قسم التجارة، مضيفاً “ثمة حاجة إلى تغيير الذهنيات… نحن بشر طبيعيون”.

هذا العرض حظي بموافقة الحكومة السعودية، التي أعطت أعطت الضوء الأخضر، منذ خريف العام 2016، لمختلف الجهات المنظمة لمثل هذه الفعاليات، التي تندرج ضمن المشروع الترفيهي، الذي وعد ولي ولي العهد محمد بن سلمان، بأن يكون من بين المشاريع ذات الأولوية ضمن برنامج الإصلاح الشامل، وذلك في إطار رؤيته لمستقبل جديد للمملكة تحت شعار “رؤية 2030”.

السبب الرسمي لهذا “الانفتاح” اقتصادي بحث. لقد دفع انخفاض أسعار النفط، وارتفاع العجز في الميزانية، الحكومة السعودية إلى إيجاد مصادر دخل بديلة. وفي الوقت ذاته ينبغي إصلاح نظام دولة الرفاه السعودية، في مجتمع سخي للغاية.

يقول المقربون من محمد بن سلمان إن الهدف هو التحوّل إلى صناعة الترفيه، بما يجعل ممكناً استعادة بعض المبالغ التي ينفقها السعوديون سنوياً في الخارج، والمقدّرة بنحو 22 مليار دولار (19.5 مليار يورو).

تهدف خطة محمد بن سلمان
إلى استعادة مليارات الدولارات
ينفقها السعوديون على الترفيه
في الخارج.

تهدف هذه الحجج على ما يبدو إلى احتواء رد فعل رجال الدين، ولكنها تعكس صراع أجيال داخل السعودية: محمد بن سلمان، البالغ من العمر 31 عاماً، والذي يهوى ألعاب الفيديو، هو في الواقع ابن عصره، وهو يبدو، في حقيقة الأمر، غير راضٍ عن جمود المجتمع السعودي. خلف الكواليس، لا يخفي محمد بن سلمان اعجابه بمحمد بن زايد، الرجل القوي في دولة الإمارات العربية المتحدة، والذي يجمع بين التشدد على المستوى السياسي، الانفتاح الكبير على المستويين الاجتماعي والثقافي.

برغم الانتقادات اللاذعة من قبل مفتي السعودية للفعاليات المشجّعة الاختلاط، إلا أن المئات منها نظمت في السعودية منذ الخريف الماضي. هذه النشاطات تبدو موجّهة لكافة الأذواق: حفلات بيانو وسهرات جاز للنخبة الليبرالية في الرياض؛ مباريات مصارعة وسباقات سيارات الدفع الرباعي على أرض وعرة للباحثين عن التشويق؛ سباقات جِمال وعروض خيل لسكان المناطق النائية الأكثر تقليدية؛ أمسيات لمحبّي الثقافة العربية الكلاسيكية، وحتى عروض “كوميك كون” المستوحاة من ثقافة الـ”بوب” الأميركية.

وبحسب الهيئة العامة للترفيه، المسؤولة عن تنفيذ السياسة الجديدة، فقد بلغ الحضور التراكمي لهذه الفعاليات، حتى مطلع شهر أيار/مايو الفائت، إلى نحو 2.3 مليون شخص، أو 10٪ من السكان الأصليين.

يقول عمر مدني، المدير العام للهيئة العامة للترفيه: “نريد أن نسمح للسعوديين بالاستماع إلى محمد عبده، دون الحاجة إلى دفع ثمن تذكرة ونفقات إقامة لليلة واحدة في الخارج”، مشيراً إلى أن نجم الموسيقى العربية السعودية قدّم بالفعل حفلات في جدة والرياض والمدن، وهو ما لم يحدث منذ سنوات.

وفي بلد تعد فيه الواجهات الخلفية للمتاجر، وممرات الخروج في المطاعم، من الأمكنة الوحيدة للتفلت من الرقابة، بات الأمر أقل راديكالية. تقول فوزية البكر، الأخصائية في علم الاجتماع، وأحد رموز النخبة المثقفة في السعودية: “عندما وجدت نفسي في المدرجات في “إيلومينايت” (عرض صوتي-بصري من انتاج شركة نيويوركية قُدم في حرم جامعة الرياض في أيلول/سبتمبر من العام 2016)، لم أصدّق ما أرى”، مضيفة “لقد خرجنا بصحبة عائلاتنا، واختلطنا ذكوراً وإناثاً، في بيئة مريحة تماماً… وجه المملكة العربية السعودية آخذ في التغير بأقصى سرعة، وآمل أن نتخلص نهائياً من المحافظين المتشددين”.

هذا التطور لم يكن ممكناً من دون وضع حد لـ”المطاوعة”، الشرطة الدينية التي يخشاها الكل في السعودية. في نيسان من العام 2016، وبقرار اتخذ في مجلس الوزراء السعودي – وفي أغلب الظن بأمر من محمد بن سلمان – سحبت من الشرطة الدينية سلطات العقاب بحق غير الملتزمين بالقواعد الأخلاقية للوهابية.

تراجع سلطة “المطاوعة”
ساعد على خرق المحظورات

يقول مدير أحد المطاعم الفاخرة في الرياض: “ما زال بإمكانهم (المطاوعة) القيام بدوريات في الأماكن العامة، ولكنهم لا يثيرون الضجة، ويقومون بتقديم المشورة للناس فحسب”.

من جهته، يشير فؤاد، الطالب في كلية الحقوق، إلى ان ثمة تغيراً واضحاً في المناخ العام، موضحاً أنه “منذ تقييد سلطات المطاوعة، بتنا نلتقي بالمزيد من النساء المحجبات جزئياً، واللواتي يرتدين عباءات ملونة”. لكن ما يجري “ليس ثورة، بل مجرّد عودة إلى مجتمع طبيعي”، بحسب ما يرى  عودة البادي، خبير العلوم السياسية، الذي كان متحمساً لحضور أمسية للموسيقى الكلاسيكية قدّمتها اوكسترا يابانية في منتصف نيسان/ابريل في الرياض.

ولا تزال الهيئة العامة للترفيه على أهبة الاستعداد، فهي تقوم بمسح مستمر لردود الأفعال على الشبكات الاجتماعية، من أجل ضبط برامجها المطلوبة، لا سيما بعدما أثار عرض “كوميك كوم”، الذي قدّم في جدة في شباط / فبراير، زوبعة من الانتقادات، تراوحت بين اعتباره “اميركياً جداً” و”مختلطاً جداً” و”وثنياً جداً”، وهو ما دفع بالهيئة العامة إلى الإعلان عن اتخاذ عقوبات بحق المنظمين. بعد ذلك بفترة وجيزة، تم إلغاء عرض كوميدي، من تنظيم غرفة التجارة والصناعة، كان يفترض أن يقدّم في مكة.

وفي كانون الأول الماضي، تم الغاء عرض للمثل الكوميدي مايك إبيس، كان يفترض تقديمه في جامعة للاناث في الرياض، وذلك بعد شكاوى اعتبرته غير لائق. بدا ذلك انتقاماً من قبل المتشددين، الذين اغضبهم السماح، قبل ذلك بشهرين، بتقديم عرض “ايلومينات” الذي كان جمهوره مختلطاً.

البيان الذي أصدره المفتي، في كانون الثاني/يناير، ضد الاختلاط بين الجنسين، ترك أثاره أيضاً. أمسية محمد عبده التي قدّمت بعد ذلك البيان بأسبوعين، كانت مقتصرة على الرجال فحسب. في المقابل، فإن حفلة الجاز الأكثر حميمية في الرياض كان مختلطة، وكذلك الحال بالنسبة إلى أمسية الموسيقى الكلاسيكية للأوركسترا اليابانية، التي شهدت مشاركة من قبل مغنّية.

“السلطة تختبر الحدود المجتمعية باستمرار”، يقول ديبلوماسي غربي مقيم في الرياض، بينما ترى هدى الحليسي، عضو مجلس الشورى، “إننا في بلد يسير بخطى صغيرة”، ولكن “اذا جمعنا تلك الخطوات، فإن ذلك يعد قفزة الى الأمام”.

ولعل دخول محمد بن سلمان شخصياً في هذه المعركة، يغذي تفاؤل الليبراليين، فالأمير الشاب حاضر في كل مكان في أجهزة الدولة السعودية، وله وزنه، الذي يكاد يتفوق فيه على وزير الداخلية محمد بن نايف، منافسه الضمني لخلافة الملك سلمان.

كيف للمفتي أن يقف في وجه الجيل الناشئ؟

ومن أصل 21 عضوا في مجلس العلماء، الهيئة الرئيسية لرجال الدين الوهابيين، وحده عبد الله المطلق، تجرأ على إبداء تحفظات بصوت عال ضد التوجه الليبرالي الذي يقوده ولي ولي العهد.

“نحن في طريقنا إلى كسب النقاش”، يقول أحمد الخطيب رئيس سلطة الترفيه، موضحاً “السعوديون معتدلون، يسافرون، يذهبون إلى السينما، ويحضرون الأمسيات”… و”بتقديري فإنّ هذا القطاع يمثل 80 في المئة من سكان” السعودية”، يضيف هذا المصرفي السابق المقرب من محمد بن سلمان.

“60 في المئة من الشعب السعودي أعمارهم أقل من 30 سنة. فكيف للمفتي الذي تجاوز سقف الـ75 سنة أن يقف في وجه هذا الجيل الناشئ؟”، تقول السيدة الحليسي، مضيفة “لقد سئم هؤلاء الشباب من شرب الشاي في الصحراء مثل أجدادهم، وهم يرغبون في وسائل جديدة للترفيه. لم نعد قادرين على تجاهل توقعاتهم. وفي الحقيقة، لا يمكن إيقاف موجة التغيير”.

 

(عن صحيفة “لوموند” الفرنسية بتصرّف  – ترجمة “بوسطجي”)

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق