شخصيات في أحداث

من حوض الغسيل إلى عالم النخبة

يعشق الناس قراءة قصص “الطريق إلى الثروة” وكيف وصل الأثرياء إلى كسب الملايين، سواء كانوا رجال أعمال معروفين، أو مدراء تنفيذيين للشركات، مع شرح مسار حياتهم المهنية والمتاعب التي واجهوها وكيف تغلبوا عليها، مع عناوين صارخة مثل “كيف تصبح مليونيرا في سنة واحدة”، أو كيف تحسن فرصك في وظيفتك؟”، أو “انتزع فرصتك ونميها”، الناس يقرأون ذلك على أمل أن يتعلموا كيف يمكنهم النجاح بعد قراءة تلك النصائح، التي تكون موجودة ضمن قصص مؤثرة عن نضال رواد الأعمال اليوم وعن الشوط الطويل الذي قطعوه قبل التمتع بثمار نجاحهم.

ومن أحد هؤلاء الأشخاص ذوي القصص المؤثرة “سي جي ووكر”، أو مليونة أمريكية من ذوات البشرة السمراء، وأول امرأة أصبحت مليونيرة بطريقة عصامية.

ولدت سي جي ووكر باسم سارة بريدولف عام 1876 كأول طفل حر في عائلة من العبيد السابقين في مزرعة قطن بلويزيانا، تيتمت في سن السابعة وأرسلت للعيش مع شقيقتها الأكبر لوفينيا، ثم انتقلت إلى المسيسبي عام 1877.


وهناك قامت سارة بجمع القطن من الحقول، عملت بكد في بيئة قمعية لا تسمح بالراحة، وعانت من سوء المعاملة، وتزوجت في سن الرابعة عشرة من موسى ماكويليامز، وبعد ولادة ابنتها ليلة أصبحت أرملة في سن العشرين، انتقلت بعدها إلى سانت لويس لتعمل غسالة وكانت تكسب دولارا ونصف الدولار في، اليوم الواحد، وبعد انتهاء ساعات العمل كانت سارة تذهب إلى مدرسة ليلية.

عانت سارة خلال عام 1890 من اضطراب فروة الرأس الذي أسفر عن فقدانها الشعر بصورة هائلة، وكان تساقط الشعر مشكلة شائعة جدا في ذلك الوقت، حيث لم يكن متاحا لمعظم الناس أن يستحموا أو يغسلوا شعرهم بسبب عدم توافر المياه الطبيعية ومشاكل “السباكة” إلى جانب الحياة في أماكن ضيقة ومغلقة دون تدفئة أو كهرباء، كان الاستحمام في ذلك الوقت ترفا، لذا كان الناس من بيئة سارة هدفا للتلوث والبكتيريا والقمل، وفي محاولة لتحسين حالها، بدأت سارة في تجريب العلاجاتا لمنزلية المختلفة، وبدأت في مزج المكونات المختلفة وفي النهاية حولت كل ذلك إلى شامبو محلي الصنع يساعد في علاج الشعر.


لم تكن سارة تعرف أن هذا المنتج الذي صنعته لعلاج شعرها سيصبح الدفعة الكبرى في حياتها المهنية، ولتسويقه زعمت أنه منشط جعل شعرها ينمو أسرع، وبمساعدة زوجها الجديد تشارلز جي ووكر الذي كان يعمل وكيل مبيعات صحفية وله خبرة في الدعاية والإعلان عززت شامبو الشعر بإعلانات الصحف إلى جانب منتجات الشعر الأخرى للأمريكيين الأفارقة تحت عنوان يعطي للشعر المجعد ملمسا حريريا.

بالإضافة إلى عملية البيع كانت سارة التي صنعت منتجاتها خصيصا للنساء من ذوي البشرة السمراء تثقف النساء حول علاجات الشعر وفروة الرأس فيما عرف بـ”أسلوب ووكر”، وابتكرت فكرة الأمشاط الساخنة لتنشيط فروة الرأس.


بيع المنتج وانتشر بسرعة كبيرة وأصبح يباع في جميع أنحاء الولايات المتحدة عبر البريد، وقبل ذلك كان السيد والسيدة ووكر يسافران بأنفسهما لتسليم الطرود إلىا لزبائن يدا بيد، استمرت الأرباح في الزيادة، وفي عام 1908 افتتحت ووكر مدرسة تجميل ومصنع في بيتسبرج قبل أن تقرر أخيرا تسوية أعمالها في إنديانا بوليس.

وأصبحت شركة مدام سي ووكر للتصنيع ناجحة جدًا، ولم يقتصر دورها على تصنيع مستحضرات التجميل فحسب، بل قامت بتدريب خبراء التجميل أصبحوا يعرفون باسم “ووكر ايجنتس” أو وكلاء ووكر، صعدت أرباح الشركة إلى ما يعادل آلاف الدولارات، وعززت ووكر عمليات البيع بما يسمى بـ”فلسفة ووكر” فكانت ترفق عمليات البيع بنصائح خاصة منها “النظافة والراحة”، وفي دليل المنتج كانت تنصح بفتح النوافذ والتهوية الجيدة والحفاظ على الأسنان نظيفة لكي تكون الأنفاس حلوة، اصقلي أظافرك وحافظي على نظافتك” كانت تحرص على بناء علاقة مع عميلاتها وإشعارهم أنها تهتم بهم وبأناقتهم وراحتهم.


بدأت ووكر في تنظيم تجمعات يناقش فيها وكلاءها أفكارها التعليمية والخيرية، وسرعان ما وفرت فرص عمل لمئات من الأمريكيين من أصل أفريقي في الوقت الذي توسعت فيه شركتها دوليا في كوبا وهاييت وبنما وكوستاريكا وجاميكا، وذلك بفضل استراتيجيتها الذكية وموهبة الدعاية.

وباستخدام نظام تسويق المبيعات متعدد المستويات وظفت العديد من الوكلاء، وصنعت فرص عمل جديدة في الوقت الذي نمت فيه ثروتها ووصفت مجلة “تايم” عام 1998 ووكر بانها سيدة أعمال كشفت النقاب عن الإمكانيات الاقتصادية الهائلة لاقتصاد أمريكي أمريكي.



قرب وفاتها وهي في سن 51 تبرعت ووكر بسخاء إلى صناديق المنح الدراسية ولحملات ضد العنف العنصري، وساعدت في بناء “جمعية الشبان المسيحيين السود” في إنديانابوليس، ووجدت أخيرا مكانا بارزا في بيئة النخبة من رجال الأعمال في أمريكا واستقرت في قصر فاخر في قرية ويستشستر في إرفينجتون، وهو حي يملك فيه قطباي الاقتصاد الأمريكي جون د. روكفلر وجاي جولد قصورا أيضا.


وأخيرا كانت السيدة ووكر تصف مسيرتها مع التدرج في السلم الاجتماعي بكلمات موجزة: “أنا امرأة جاءت من حقول القطن في الجنوب، ومن هناك ترقيت إلى حوض الغسيل ثم إلى المطبخ، ومن هناك عززت نفسي في مجيلة تصنيع منتجات العناية بالشعر، وبنيت مصنعي الخاص على أرضي الخاصة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق