آراء وترجمات

مواقف ومحطات

في كتابه Contre-FEU 2، أفرد عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو فصلاً خاصاً بعنوان “الثقافة في خطر”، برهنَ فيه أنّ ما يحصل على مستوى النتاج الإبداعي والفنّي في معظم الدول الصناعية المتقدّمة إنما يعكس حالة جديدة لا سابق لها. فما أحرزته الثقافة في إنتاجها وتوزيعها عبر عقود، بل قرون من الزمن، يبدو اليوم مهدّداً أمام المنطق التجاري الذي يتدخّل في كلّ مراحل الإنتاج الثقافي. هذا يعني تحويل الثقافة بضاعة خاضعة لعملية العرض والطلب، كأيّ بضاعة أخرى يتمّ تسليعها وتسويقها. منطق الربح إذاً هو المنطق المتحكّم بالنتاجات الفنية وما يعنيه من الإبداع هو ما يعنيه من أيّ شيء آخر: المردودية المادية في المقام الأوّل، وتحقيق الربح السريع. الأخطر في الموضوع أنّ هذا المنطق يتحلّى بمظهر ديموقراطي، ذلك أنّ النتاج الذي لا يلتفت إليه الجمهور الواسع يصبح مهمّشاً ومحظوراً بالضرورة مهما كانت قيمته الجمالية والإبداعية. في هذا السياق، يمكن أن يتحوّل كل ما هو بشع ومبتذل إلى موضة ثقافية تجد من يتبنّاها ويروّج لها بحماسة كبيرة…

بعض الكتّاب والإعلاميين العرب مَهَرَة في الكشف عن جرائم ضدّ الإنسانيّة وتغطية جرائم أخرى ضدّ الإنسانيّة في وقت واحد…

ثقافة القطيع تنتهك الفكر وترفض النقد، وهي ثقافة منتهية الصلاحيّة.
قال أبو العلاء المعرّي منذ ألف عام: “لا إمام سوى العقل”؟
رَفْضُ التقديس والتأليه يُعطي معنى آخر لوجود الإنسان على الأرض.
سارتر رفضَ جائزة نوبل. نيتشه صَوَّبَ سهمَه نحو الأعلى. فرنسيس بايكون عبَّرَ عن ضجره من لوحة الموناليزا.

هذا لا يعني أنّ نوبل لا تنطوي، أحياناً، على قيمة، وأنّ الله ليس حاجة روحية لا غنى عنها عند البعض، وأنّ لوحة ليوناردو دافنشي لا تمثّل تحفة فنية كبيرة…
المُقيم في الأسئلة لا في الإجابات الجاهزة هو القادر على التغيير. الحائر في أمر وجوده، دَعُوه يَحار ويتساءل، يشكّك ويرفض.
الخارج من العَدَم، اتركوه يتنفَّس قليلاً قبل أن يعود إلى العَدَم…

نفايات لبنان الحقيقيّة تبدأ في السياسة.
وإذا كانت “السياسة وَسَخاً”، كما يقول جورج أورويل، فليس أوسَخ من هذا الوَسَخ…
أُمراء الحروب الأهليّة لا يمكنهم أن يكونوا أُمراء السّلم الأهلي.

عندما تسقط قطرة ماء فوق البحر، دائماً تسقط في المكان المناسب.

“المَسّ بشرف الأمّة وكرامتها”، “الإساءة إلى الذات الإلهيّة”، “غسل العار”، وغيرها من المسمّيات والتُّهَم الرائجة في العالم العربي، هي مرادف للعنف وتبرير لممارسته.
وهي أيضاً انعكاس لنَهج واحد: لا تفكّر ولا تُعَبِّر، لا تنتقد ولا تعترض، لا تُبدِع ولا تتقدّم ولا تسعى إلى أن تكون كائناً قائماً بذاته…فقط، فقط، كُن عبداً تَسلَم !

هل من شيء في العالم العربي لا يحتاج إلى إعادة نظر: التعاطي مع السياسة والدين والقوانين والثقافة والتعليم والمرأة واللغة… وبدايةً، مع الزمن الذي توقّفت عقاربه منذ مئات السنين؟
نفتح “المنجد الأبجدي” المطبوع الآن، في القرن الحادي والعشرين، على نموذَجين اثنين:
عَمَرٌ: “المنديل الذي تُغَطّي به كلُّ امرأةٍ حُرّة رأسَها”.
طَمَحَ: “طَمَحَت الدّابّة: جمحَت. طَمَحَتِ المرأةُ على زوجها…”.
الاحتلال لا يأتي فقط من الخارج…

لماذا نتفاجأ بهذا الموقف من الغناء وهو جزء لا يتجزّأ من الفكر الديني الذي يُخضع كلّ شيء – بما في ذلك حركة العصافير فوق الغصون – لمعادلة الحلال والحرام؟
في هذا السياق، تأتي الكراهية. كراهية الفرد والمبادرة الفردية، كراهية الآخر المختلف، كراهية المرأة، كراهية الإبداع، وأيضاً كراهية الموسيقى والفنون التي يسمّيها أوليفييه روا ب”الجهل المقدَّس”…
إنه منطق القنّاص الذي يطلق النار على كلّ من يرتعش وكلّ ما يتحرّك…
أمّا عن أولئك الذين لا يحبّون الموسيقى، فيقول المعلّم شكسبير إنّ “نفوسهم سوداء كالجحيم”.

منذ البداية، عبَّرَت الأوساط الجامعية والعلمية الأميركية عن قلقها من وصول ترامب إلى الحكم. ورأى مدير الشؤون العامّة في الجمعية الأميركية للفيزياء مايكل لوبيل أنّ “أميركا لم تعرف في تاريخها كلّه رئيساً معادياً للعلم كرئيسها الجديد”. (بعض من يحيط به معروف بتوجّهاته المحافظة المتشدّدة ودحضه نظرية داروين المتعلّقة بتطوّر الأنواع). ألم يصف ترامب التقارير العلمية حول تغيّر المناخ بأنها “مؤامرة ضدّ الولايات المتحدة”، وهذه الأخيرة تُعَدّ أكبر ملوّث للجوّ وأكبر مُسبّب لارتفاع حرارة الأرض بعد الصين؟
هل نحن على عتبة زمن جديد سيقودنا إلى مرحلة ما قبل العلم؟ هل سنشهد على محاكمة غاليليه مرّة ثانية وعلى عودة الديناصورات إلى الأرض بعد انقراضها؟
أليس تاريخ البشرية كلّه هو تاريخ المُزايدة في التوحُّش؟

بين قراءة نصوص تراثيّة أو معاصرة مَحشُوَّة بالخرافات وتنتصر للحقد والعنف ونبذ الآخر المُخْتَلِف، من جهة، وقراءة نصوص تَفتح الإنسان على بُعْده الكونيّ والإنسانيّ من جهة أخرى، على غرار ما يطالعنا في نتاجات عدد من الفلاسفة والكتّاب من أمثال ابن رشد وفولتير وديدرو وهوغو؛ بين هذه القراءة وتلك، يتكشّف حجم المسافة بين الجحيم والنعيم الأرضيَّين، أي هنا على الأرض، وليس في أيّ مكان آخر !
تَحَمُّل الجهل أصعب من تَحَمُّل الحروب.

عيسى مخلوف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق