مدوّنة

مواقف ومحطّات

الموناليزا في خدمة لوي فويتون:
متحف “اللوفر” ينحني أمام رأس المال ويفتح صالة “الموناليزا” لإطلاق الدفعة الجديدة من حقائب “لوي فويتون” التي أنجزها الفنّان الأميركي العالمي جيف كونز وزيّنها بلوحات بعض الفنّانين ومنهم ليوناردو دافنشي وفان غوغ.
جيف كونز، رجل الأعمال الفنّي والفنّان الحيّ الأغلى ثمناً في العالم، هو، إلى جانب مؤخّرة كيم كردشيان (كما سبق أن ذكرنا يوماً)، من رموز الرأسماليّة المتوحّشة التي تتحكَّم بكلّ شيء بما في ذلك الفنون والآداب.
يسمح هذا الفنّان لنفسه، وبالتواطؤ مع المتاحف العالميّة ومدرائها، ومع الغاليريهات وأصحابها، ومع المجلاّت الفنية ونقّادها والقيّمين عليها، بتوظيف كلّ ما يمكن توظيفه، بما في ذلك أعمال الفنّانين الكبار، من أجل زيادة أرباحه وأرباح الشركات التي يتعاون معها.
أحد المشاركين في حفل إطلاق حقائب اليد الجديدة في “اللوفر”، قال: “يكفي أن تظهر مُمثّلة واحدة معروفة بالقرب من هذه البضاعة، حتى تتجاوز المبيعات 50000 ألف حقيبة”…
إنه عصر التزوير المُعَولَم بامتياز، وفيه يتحقّق، أكثر من أيّ وقت مضى، تحالُف التجارة والفنّ، على حساب الفنّ، بالطّبع.
إنه تكريس البشاعة وتأليه الرداءة وانتصار جديد للابتذال.

عندما يلتقي الخوف والجهل، يصبح كلّ شيء ممكناً، بما في ذلك وصول اليمين الفرنسي المتطرّف إلى الحكم.

في سياق الحوارات التي تجريها صحيفة “لوموند” الفرنسيّة بالاشتراك مع مجلّة “دي تسايت” الألمانيّة، حول الانتخابات الرئاسية في فرنسا، قال المفكّر الألماني بيتر سلوترديجك:
– الشعبوية من ثوابت السياسة الفرنسية منذ ١٧٩٣. كان روبسبيير على يقين أنه هو الشعب. نابليون الثالث كان مقتنعاً، هو أيضاً، بأنّه يجسّد الشعب، إذاً له الحقّ في شعبيّة واسعة.
– عام ٢٠١٢، دعتني مجلّة “لونوفيل أوبسرفاتور” للقاء مع فرنسوا هولاند، لكن هولاند وصل بعد ساعة تقريباً من الموعد المحدَّد. سمعتُ من حولي يقول إنه يقلّد فرنسوا ميتران في كلّ شيء، حتّى في الوصول إلى مواعيده متأخّراً. كان ذلك قبل شهر واحد من انتخابه رئيساً.
– الطبقة السياسيّة الفرنسيّة لا تأخذ الواقع في الاعتبار. إنّها تتحرّك، ذهنيّاً، انطلاقاً من سيناريوهات القرن التاسع عشر.
– بالنسبة إلى “الجبهة الوطنيّة الفرنسيّة”: الحزب الذي يسمّي نفسه “جبهة” هو حزب لا يمتّ بصلة إلى عصره. لقد دخلنا في زمن التحالفات، لا في زمن الجبهات. التسميات الخاطئة تعلن سياسات خاطئة.
وعن سؤال حول ترشّح فرنسوا فيّون، قال “إنّ ذلك غير ممكن في ألمانيا حيث يسقط سياسيّون بسبب قضايا فساد أقلّ شأناً بكثير”.
وختمَ:”فرنسا دولة أوروبية بامتياز، وهي إحدى الطاقات الأساسيّة والمؤسِّسة لأوروبا. منها جاء مفهوم التسامح، وعصر الأنوار، وحقوق الإنسان، والثقافة بمعناها الواسع، ولذلك أصبحت فرنسا منارة بين الدول الأوروبيّة، لكن إلى أين سيأخذونها اليوم؟ هل يريدون أن يطفئوا الأنوار، والآن بالتحديد؟”

خرج المفكّر نصر حامد أبو زيد من مصر، في تسعينيّات القرن الماضي، بعد تكفيره وصدور حكم قضائي نَصَّ على تفريقه عن زوجته بناءً على دعوى اعتبرته مُرتدّاً.
حين رأيتُه آنذاك في مدينة لاهاي، أخبرني أنّ أكثر ما آلمه هو مطاردة مؤلّفاته وسحبها من مكتبة الجامعة… كأنّي به يقول إنّ ما جرى بحقّه هو نوع من الاغتيال.
ما تعيشه مصر اليوم بدأ منذ زمن طويل من خلال أحداث ومؤشرات كثيرة نذكر منها، بالإضافة إلى ما تعرّض له نصر حامد أبو زيد:
طَعن نجيب محفوظ في عنقه، إحراق “ألف ليلة وليلة”، مصادرة الكتب، وقضيّة “وليمة لأعشاب البحر”، فبدل أن تنظر الحكومة يومها إلى التكفير بوصفه دعوة إلى القتل وتحريضاً عليه، فتحيله إلى المحاكمة والقانون، دعت إلى تأليف لجنة مهمّتها البحث في مضمون الرواية، أي أنّها دعتها إلى ممارسة الرقابة للكشف عن “مَوطن الخلل الديني” في عمل أدبي…
أهكذا يُحارَب التكفير والعنف الناتج عنه؟
الحال في مصر هي، للأسف، حال الأمّة العربيّة المنكوبة بأكملها.

خَطِرة هي الدولة التي لا تكرِّس مفهوم المواطَنَة والسّلم الأهلي. تتساهل مع المتطرّفين، وتعتمد على برامج تعليميّة تحرّض على التفرقة والعنف.
خَطِرَة هي المؤسّسات الدينيّة التي لا تدين الأعمال الإرهابيّة، بل تتواطأ مع مرتكبيها.
خَطِرون هم – بل أشدّ خطراً من غاز السارين – “الأذكياء”، أولئك الذين يُفاضلون بين مجرم ومجرم ويلعبون بالموت. يندّدون بمجزرة ويغطّون، بصمتهم، مجزرة أخرى…

أمّا الذين يريدون الجنّة فهذا حقّهم وهم أحرار، لكن لماذا لا يذهبون وحدهم إليها ويتركوننا وشأننا في الجحيم؟

هناك فئة صغيرة من المُستَعبَدين (الذين حملتهم السفن إلى أميركا إثر اكتشافها) ساندت مضطهديها ضدّ فئة أخرى حاولت أن تنقذها من العبوديّة…
الذين انتخبوا مارين لوبان (مِن أبناء العرب، طبعاً) يُشبهون تلك الفئة المتمسِّكة بعبوديّتها، خشبة خلاصها الوحيدة.

الأديان التي تنادي بالمحبّة والأخوّة، وتبشّر بالسلام والخلاص، لماذا تحرّض على التفرقة والعنف وتنشر الرُّعب والموت في كلّ زمان ومكان؟ هذا السؤال هو أحد الأسئلة التي ينطلق منها كتاب كلود أجاج الصادر حديثاً عن دار “أوديل جاكوب” الباريسيّة تحت عنوان “الأديان، الكلمة والعنف”.
يركّز المؤلّف على النصوص التي استندت إليها الأديان التوحيديّة ويكشف من خلالها، ومن خلال التقاليد التي تدور حولها، عن منابع التعصُّب والحقد والجنون، من الحملة الصليبيّة وعصور محاكم التفتيش وصولاً إلى أيّامنا هذه.
ولئن كانت شراسة العنف الديني لا تختصر كلّ وجوه العنف عبر التاريخ، فإنها مَعلَم أساسي من سيرة الجنس البشري وأديانه التي قال فيها أبو العلاء المعرّي منذ ألف عام: “واستَوَت، في الضّلالةِ، الأديان”…

كم يفتقد العالم العربي اليوم مثقّفين ومفكّرين من طراز إدوارد سعيد.
من آخر حوار متلفز معه جرى في جامعة كولومبيا في نيويورك، وسُجِّل قبل عام واحد من رحيله :
– قمتَ بأشياء كثيرة في حياتك على الصعيد الموسيقي والأكاديمي والثقافي والسياسي؟
– لا أظنّ أني فعلتُ الكثير. أريد شراء كتب لم يسبق لي أن قرأتها. أريد السفر، الكتابة، التخطيط… فكرة الاسترخاء والراحة التي ينصحني بها أطبّائي هي خيار أرفضه تماماً.
إدوارد سعيد الذي كان يشعر أنه “خارج المكان” (عنوان كتابه الذي نقله إلى العربية فوّاز طرابلسي) وجد أنّ الكتابة هي هويّته “الأكثر حميميّة”، على حدّ قوله، هو الذي أمضى حياته داخل الأسئلة والبحث لا في الأفكار المسبقة والإجابات الجاهزة، في التواضع والوداعة لا في الألقاب والبطولات، وكان مثالاً للمثقّف النموذجي النادر.

عيسى مخلوف
*مواقف ومحطات عيسى مخلوف تبعاً لصفحته في “فيسبوك”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق